لم تخمد أصوات القصف في هدنة زائفة، حتى برز على السطح التحديات السياسية والإدارية كأكبر عائق أمام انطلاق عملية إعمار غزة، فالمعركة هذه المرة ليست معركة بناء حجارة فقط، بل معركة إرادات ومصالح تتقاطع فيها أطراف عديدة، لكلٍّ منها أجندته الخاصة ورؤيته لما بعد الحرب، فالإعمار الذي يُفترض أن يكون عنوانًا للرحمة والتكافل الإنساني، تحوّل إلى ساحة صراع جديدة بين المشاريع المتنازعة على مستقبل غزة، بين من يريدها أن تنهض بشعبها المقاوم، ومن يسعى إلى إعادة تشكيلها بما يخدم أمن الاحتلال ومصالحه الاستراتيجية.
فمنذ اليوم الأول لإعلان وقف إطلاق النار، كانت “السياسة أولاً” هي القاعدة التي أرادت القوى الكبرى فرضها على مسار الإعمار، فالدول الغربية تتحدث عن التزامها بإعادة البناء، لكنها تربط ذلك بشروط سياسية وأمنية، تضمن مراقبة التمويل وتقييد تدفق المواد، وتفتح الباب أمام إشراف مباشر أو غير مباشر من أطراف دولية، في محاولة واضحة لتقليص دور المقاومة وإضعاف نفوذها في مرحلة ما بعد الحرب، أما إسرائيل، فهي ترى في ملف الإعمار فرصة ذهبية لإعادة إنتاج سيطرتها بوسائل مدنية واقتصادية، بعد أن فشلت في تحقيق نصر عسكري حاسم، فهي تسعى إلى تحويل الإعمار إلى أداة ابتزاز سياسي، تفرض من خلالها وصايتها غير المباشرة على غزة عبر التحكم في إدخال مواد البناء، وتوزيع المساعدات، وتحديد الجهات المنفّذة، بما يضمن بقاء الحصار ضمن صيغة “ناعمة” تغلّف الاحتلال بثوب المساعد الإنساني.
في المقابل، تؤكد المقاومة الفلسطينية أن إعمار غزة حقٌ مشروع غير قابل للمساومة، وأن أي محاولة لربط الإعمار بنزع السلاح أو التنازل عن الحقوق الوطنية تمثل ابتزازًا مرفوضًا ومكشوفًا، فالإعمار ليس منّةً من أحد، بل استكمالٌ لمعركة الصمود التي خاضها الشعب، وامتدادٌ لإرادة الحياة التي لم تنكسر رغم الحصار والقصف والتجويع، ومن هذا المنطلق، فإن الصراع الدائر حول من يدير الإعمار ومن يموله ومن يشرف عليه، ليس صراعًا فنياً أو إداريًا، بل هو في جوهره معركة على هوية غزة السياسية، ومحاولة لفرض موازين قوى جديدة تحت عنوان إنساني.
دول كثيرة سارعت إلى الإعلان عن استعدادها للمشاركة في إعادة البناء، لكن الطريق إلى التنفيذ لا يزال مليئًا بالعقبات، فإسرائيل تضع شروطًا معقدة تمنع إدخال مواد تعتبرها “مزدوجة الاستخدام”، وتتحكم في المنافذ والمعابر بما يجعل أي جهد خاضعًا لموافقتها الأمنية المسبقة، وفي ظل هذا التعقيد، يجد الموقف العربي نفسه أمام اختبارٍ حقيقي: هل يمتلك الإرادة السياسية لتجاوز القيود الإسرائيلية والدولية، أم سيكتفي بدور الممول المشروط الذي يلتزم بخطط تُرسم في تل أبيب وواشنطن أكثر مما تُصاغ في العواصم العربية؟
الدول الأوروبية بدورها، وإن أبدت استعدادًا للمشاركة في مشاريع محدودة، فإنها لا تخفي هواجسها الأمنية والسياسية، وتربط مساعداتها بضمان “عدم استفادة الفصائل المسلحة” من أموال الإعمار، بينما تركز الولايات المتحدة على فرض رقابة صارمة على كل دولار يدخل القطاع، وكأنها تتعامل مع مجتمع متهم يجب محاسبته قبل مساعدته، وهنا تبرز المفارقة الأخلاقية الفاضحة: الغرب الذي يتحدث عن “الحق في الحياة”في وقت يشرعن فيه قتل المدنيين، ثم يشترط على الضحايا كيف يعيدون بناء بيوتهم.
معركة الإعمار في غزة في جوهرها ليست مجرد سباق لإعادة ما دمّرته الحرب، بل هي اختبار حقيقي للإرادة الدولية والعربية، وامتحان لصدق الشعارات التي رفعت باسم الإنسانية، إنها معركة لتقرير من يمتلك القرار في غزة، ومن يرسم ملامحها القادمة: هل هي غزة المقاومة التي نهضت من تحت الركام لتواصل الدفاع عن حقها وكرامتها، أم غزة “المُعاد إعمارها” بشروط المحتل، المقيّدة بالإعانات والوصاية الدولية؟
وفي النهاية، يمكن القول إن إعمار غزة لن يكون مجرّد عملية هندسية لإصلاح ما تهدم، بل هو فصلٌ جديد من معركة الوجود الفلسطيني، معركة بين من يريد لغزة أن تبقى عنوانًا للحرية والصمود، ومن يسعى لتحويلها إلى نموذجٍ اقتصادي هشّ، منزوع الإرادة، يعيش على فتات المساعدات وتحت سقف الرقابة الأمنية، وبين هذين الخيارين، سيظل الرهان على وعي الشعب الفلسطيني وقدرته على حماية مشروعه الوطني، ليبقى الإعمار أداة نهوض لا وسيلة ترويض وابتزاز.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 27 يناير 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
إعمار غزة… معركة ما بين الوصاية والابتزاز