أقلام وأراء

الأحد 25 يناير 2026 10:41 صباحًا - بتوقيت القدس

سجون الاحتلال.. حيث يُصنع الموت وتُقاوم القلوب بالحرية

في الزنازين الإسرائيلية لا يمر الوقت كما نعرفه، لا شمس تدخل لتعلن الصباح، ولا ليل يهبط ليمنح الجسد قسطًا من الراحة، هناك يتوقف الزمن، ويتحول الجسد الفلسطيني إلى مساحة مفتوحة للألم، ويصبح الصمت لغة يومية، ويغدو البقاء نفسه فعل مقاومة، في تلك الأمكنة المعزولة عن العالم لا يُحتجز الفلسطيني فقط، بل تُسحق إنسانيته ببطء، وكأن السجن خُلق ليكون وطنًا آخر للوجع.
منذ عقود طويلة، لم يكن الاعتقال في التجربة الفلسطينية حدثًا استثنائيًا، بل كان قدرًا جماعيًا يلاحق الناس في بيوتهم وحقولهم وطرقاتهم وأحلامهم، أكثر من مليون حالة اعتقال منذ عام 1967، أرقام فقدت معناها أمام حجم الألم الذي تختزنه، أطفال كبروا خلف القضبان، أمهات ودعن أبناءهن ولم يعدن يعرفن ملامحهم، أسر كاملة عاشت عمرها معلّقًا على خبر إفراج مؤجل، ومع السابع من أكتوبر 2023، انفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها.
داخل السجون تغيّر كل شيء إلا القسوة، اقتحامات عنيفة، صراخ، ضرب، مصادرة لكل ما يربط المعتقل بالحياة، الكتب انتُزعت من بين الأيدي، المصاحف صودرت، الأغطية سُحبت، وحتى الملاعق لم تسلم، تُرك المعتقلون بأجسادهم العارية إلا من ثيابهم، وبفراش رقيق لا يقي برد الشتاء ولا حر الصيف ولا قسوة الأرض، أُغلقت الأبواب على جوع طويل، وأُغلقت معها الزيارات، وحُرم الأهل من رؤية أبنائهم، وكأن العقوبة لا تُفرض على الأسير وحده، بل على عائلته كلها.
الجوع هناك ليس إحساسًا عابرًا، بل رفيق دائم، وجبات بالكاد تُرى، أرز غير ناضج، خبز يابس، بيضة يتقاسمها أكثر من جسد منهك، أجساد تتآكل، أوزان تتساقط، عيون غائرة تحاول التمسك بالحياة، الطعام لم يعد حقًا، بل أداة عقاب، كما أراده بن غفير علنًا، حين تحدث عن تقليصه بوصفه وسيلة ردع، وفي السجون الإسرائيلية، الردع يعني كسر الجسد قبل كسر الإرادة.
أما المرض، فهو قصة أخرى من العذاب الصامت، مرضى السرطان يُتركون لمصيرهم، أصحاب الأمراض المزمنة ينتظرون الدواء الذي لا يأتي، والمصابون لا يجدون سوى الإهمال، المياه لا تتوفر إلا ساعة واحدة في اليوم، والنظافة ترف مستحيل، فانتشر الجرب في أجساد المعتقلين كما ينتشر الحزن في الذاكرة الفلسطينية. حتى الاستحمام تحوّل إلى وسيلة تعذيب، ماء بارد حد الألم في الشتاء، وساخن حد الحروق في الصيف.
وفي هذا الظلام، تُستخدم الكلاب البوليسية، والغاز المسيل للدموع داخل الغرف المغلقة، ويُجبر المعتقلون على الجثو، على طأطأة الرؤوس، على رفع الأيدي المكبلة خلف ظهورهم، إذلال مقصود، كأن الهدف ليس العقاب فقط، بل محو الإنسان من داخله، بعضهم لم يحتمل، حاول الانتحار، وآخرون خرجوا أجسادًا بلا روح، أو لم يخرجوا أبدًا.
وفي معسكر "سدي تيمان" تتجسد القسوة بأبشع صورها، هناك، حيث الصحراء والصمت، يُحتجز معتقلو غزة معصوبي الأعين، مكبلي الأيدي، لا يعرفون إن كان اليوم قد بدأ أو انتهى، جراحات تُجرى بلا تخدير، أطراف تُبتر، أجساد تُنتهك، وصراخ لا يسمعه أحد، حتى حين كُشف عن اعتداء جنسي وحشي نفذه جنود بحق أسير، لم يكن الغضب الإسرائيلي على الجريمة، بل على محاسبة من ارتكبوها، وكأن الألم الفلسطيني تفصيل لا يستحق التوقف عنده.
الكثيرون قضوا داخل السجون منذ بدء الحرب، بعضهم مات جوعًا، بعضهم مرضًا، وبعضهم تحت التعذيب، أسماء غابت، وأجساد أُعيدت أو دُفنت بصمت، فيما العالم يشيح بوجهه، القانون الدولي حاضر على الورق، غائب في الزنازين، والإنسان الفلسطيني يُترك وحيدًا في مواجهة آلة لا ترى فيه إلا خطرًا يجب كسره.
السجون الإسرائيلية ليست مجرد مبانٍ من إسمنت وحديد، بل مرآة لنظام كامل يقوم على نزع الإنسانية، وعلى تحويل الألم إلى سياسة، والصمت إلى شريك، وفي كل زنزانة حكاية لم تُروَ بعد، وجسد ينتظر عدالة لا تأتي، وصوت خافت يهمس رغم كل شيء بأن الحرية، مهما تأخرت، لا بد أن تولد من رحم هذا الظلام.


دلالات

شارك برأيك

سجون الاحتلال.. حيث يُصنع الموت وتُقاوم القلوب بالحرية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.