على الرغم من القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة التي تتمتع بها إسرائيل، إلا أن الشعور بالعجز يظل حاضرًا في ذهن القادة الإسرائيليين والمواطنين على حد سواء. فإسرائيل، التي تأسست على فكرة "الوطن القومي اليهودي"، تواجه معضلة وجودية لا يمكن تجاهلها. في الوقت الذي تواصل فيه بناء تحالفات قوية وتفوقًا عسكريًا في المنطقة، لا تزال تجد نفسها عالقة في صراع مستمر على عدة جبهات، ما يجعل الشعور بالعجز رغم قوتها الظاهرة حقيقة لا يمكن إنكارها.
إسرائيل ليست مجرد دولة حديثة أسست نفسها في القرن العشرين، بل هي كيان نشأ وسط صراع مستمر حول شرعية وجوده في قلب منطقة ملتهبة. الدولة الإسرائيلية، رغم نجاحها العسكري الكبير وحصولها على اعتراف دولي، تشعر دائمًا بتهديدات وجودية نابعة من الأساس الذي قامت عليه. إسرائيل أنشأت نفسها على أسس دينية وتاريخية، عبر مطالبة بحقوق توراتية قديمة في أرض كانت مأهولة بشعب آخر هو الشعب الفلسطيني. هذا الواقع، رغم القوة الظاهرة، يترك إسرائيل في وضع دفاعي دائم، حيث يظل هناك شعور عميق في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي بأن إسرائيل لا ينبغي أن تكون موجودة.
إحدى أكبر المعضلات التي تواجهها إسرائيل هي استمرار النزاع مع الفلسطينيين. فرغم كل المكاسب العسكرية والسياسية، لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل، وهو ما يعزز الشعور بالعجز. تعجز إسرائيل عن إيجاد تسوية سلمية نهائية، ويظل العنف والتصعيد العسكري جزءًا من المعادلة اليومية. وهذا النزاع لا يشكل تهديدًا أمنيًا فحسب، بل يطعن أيضًا في مصداقية إسرائيل على الساحة الدولية ويزيد من عزلةها السياسية. الصراع مع الفلسطينيين يعكس أيضًا الانقسام الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يتراوح بين أولئك الذين يدعون للحلول السلمية والتنازلات السياسية، وأولئك الذين يطالبون بالتوسع العسكري والاحتلال. هذا الانقسام يزيد من تعقيد الصورة السياسية لإسرائيل، مما يجعلها تبدو وكأنها عالقة بين قوتها العسكرية ورغبتها في الوصول إلى سلام دائم.
إسرائيل، على الرغم من قوتها العسكرية، تواجه تحديات ديموغرافية قد تهدد استقرارها على المدى البعيد. مع تزايد عدد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، تشعر إسرائيل أنها مهددة بتغيير التوازن السكاني لصالح العرب الفلسطينيين. هذا التهديد الديموغرافي قد يؤدي إلى تآكل "الهوية اليهودية" لإسرائيل، ويعزز الشعور بالعجز في قدرة الدولة على الحفاظ على توازن داخلي مستقر في المستقبل.
إسرائيل قد تتفوق عسكريًا على جيرانها في المنطقة، ولكنها تدرك تمامًا أن القوة العسكرية لا تضمن الاستقرار السياسي أو النفسي. العمليات العسكرية المتكررة ضد الفلسطينيين أو الدول المجاورة قد تؤدي إلى زيادة العداء الدولي والعزلة السياسية، مما يعمق الشعور بعدم الاستقرار الداخلي. تلك العمليات قد تكون مفيدة في المدى القصير، ولكنها تترك آثارًا سلبية على المدى الطويل، حيث تزداد المشاعر المعادية لإسرائيل وتزداد التوترات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
رغم التحالفات القوية التي تربط إسرائيل بالقوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة، فإنها لا تخلو من الضغط الدولي المستمر بسبب ممارساتها في الأراضي الفلسطينية. فالتوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية والحصار على غزة يعرضها لانتقادات واسعة من قبل المجتمع الدولي. حتى لو كانت إسرائيل تحظى بدعم من بعض القوى الكبرى، فإن ذلك الدعم لا يعني بالضرورة غياب الضغوط على سياساتها، خاصة في ظل تزايد الوعي الدولي بقضية حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
داخل إسرائيل، هناك صراع مستمر حول هويتها الوطنية وطبيعة سياساتها الداخلية والخارجية. يشمل هذا الصراع ليس فقط الخلافات بين اليسار واليمين، بل أيضًا التوترات بين اليهود والعرب داخل إسرائيل نفسها. الفلسطينيون في إسرائيل، الذين يشكلون حوالي 20% من السكان، يعانون من التمييز وعدم المساواة، ما يزيد من التوترات الداخلية. هذا الصراع يساهم في تعزيز الشعور بالعجز لدى إسرائيل، حيث تواجه تحديات في بناء مجتمع داخلي موحد ومستقر، رغم قوتها العسكرية.
ورغم كل هذه التحديات، يمكن القول إن إسرائيل تبحث عن حلول في الأماكن الخاطئة. فبينما تستمر في تعزيز قوتها العسكرية وتحالفاتها الدولية، لا يبدو أنها تدرك أن الحل يكمن في المصالحة مع الشعب الفلسطيني. هذا الحل الذي قد يبدو بسيطًا في الظاهر، إلا أنه يمثل النقطة الجوهرية التي قد تؤدي إلى تحولات جذرية في مستقبل إسرائيل. النظر إلى الفلسطينيين كواقع لا يمكن تجاوزه، والاعتراف بحقهم في العيش بسلام وكرامة، هو الحل الذي يمكن أن يُحدث فارقًا حقيقيًا. فالقوة العسكرية والتحالفات الاستراتيجية لا يمكن أن تحل صراعًا طال أمده، بينما قد يشكل الاعتراف بالفلسطينيين وسعي إسرائيل إلى التعايش معهم بسلام سلاحًا أقوى من أي قوة عسكرية، يضمن استقرارًا طويل الأمد وشرعية على الساحة الدولية.
المثير أن العديد من القوى السياسية المحلية والدولية، حتى في الولايات المتحدة، يؤمنون بأن هذا التصور هو الأكثر أمانًا لإسرائيل. وهذا الإيمان لا ينبع بالضرورة من حب للفلسطينيين أو اعتراف بحقوقهم فقط، بل من قناعة أن الحل العادل والمستدام مع الفلسطينيين هو الضمان الأكبر لاستقرار إسرائيل على المدى الطويل. إذ أن استمرار السياسات العسكرية والتوسع الاستيطاني قد يؤديان إلى تصعيد الأزمات الداخلية والخارجية، وبالتالي فإن المصالحة مع الفلسطينيين قد تمثل الخيار الأكثر أمانًا ليس فقط من أجل العدالة، ولكن أيضًا من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل وضمان استمراريتها كدولة آمنة ومستقرة.
وفي رأيي الشخصي، أن الكفة تميل لصالح الفلسطينيين، وهو أمر يدركه الإسرائيليون جيدًا. إذا وصل الإسرائيليون إلى قناعة بهذا الواقع، فإن ذلك قد يمثل نقطة تحول جوهرية في الصراع. فوجود توازن حقيقي في ميزان القوى بين الطرفين قد يفتح الطريق لإيجاد أرضية مشتركة تؤدي إلى حلول دائمة. ومن هذا المنطلق، فإن المصالحة والاعتراف المتبادل قد تكون الخطوة الأولى نحو خلق واقع جديد في المنطقة، يتجاوز منطق القوة العسكرية والاحتلال، ويحقق في النهاية مصلحة الجميع.
في النهاية، ربما يكون الحل لإسرائيل في القدرة على التكيف السياسي مع التغيرات في المنطقة، والسعي إلى حل سياسي عادل يضمن حقوق الفلسطينيين وحقوق الإسرائيليين على حد سواء. ففي عالم معاصر يسعى لتحقيق العدالة والسلام، القوة العسكرية وحدها لا تكفي للحفاظ على الاستقرار الدائم، بل يتطلب الأمر تسويات سياسية تضع حداً لصراع مستمر طال أمده.





شارك برأيك
الشعور بالعجز رغم القوة الظاهرة: إسرائيل بين الاستقرار العسكري والتهديدات الوجودية