واشنطن – سعيد عريقات
تكشف تقارير إعلامية أميركية متطابقة عن تصاعد حالة التململ داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب إزاء أداء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا سيما فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار في غزة ومسار ما بعد الحرب. وبحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس"، بات كبار مساعدي ترمب مقتنعين بأن نتنياهو يعرقل التقدم نحو اتفاق مستدام، ويستخدم التكتيك السياسي الداخلي الإسرائيلي لإطالة أمد المرحلة الانتقالية، بما يفتح الباب أمام استئناف العمليات العسكرية لاحقًا.
ويُنظر إلى اللقاء المرتقب بين ترمب ونتنياهو، المقرر عقده يوم الاثنين في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، باعتباره لحظة مفصلية ستحدد ما إذا كان الرئيس الأميركي سيتبنى مقاربة فريقه، أو سينحاز مجددًا إلى حسابات نتنياهو الأمنية والسياسية. وتكتسب هذه القمة أهمية إضافية في ضوء نية ترمب الإعلان عن "خطوات كبرى" تتعلق بغزة في مطلع يناير المقبل، وهي خطوات لا يمكن فصلها عن مآلات هذا الاجتماع.
بحسب مصادر في البيت الأبيض وإسرائيل، يرى فريق ترمب أن نتنياهو يؤخر عمدًا وضع إطار واضح للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم التزام الأطراف بالمرحلة الأولى التي شملت تهدئة أولية، وانسحابًا جزئيًا للجيش الإسرائيلي، وتبادلًا للأسرى، وزيادة إدخال المساعدات الإنسانية. غير أن هذه المرحلة نفسها شهدت اتهامات متبادلة بخرق الاتفاق، إذ لم تُسلَّم جثة أحد الجنود الإسرائيليين، فيما امتنعت إسرائيل عن فتح معبر رفح بشكل كامل، مكتفية بالسماح بالحركة في اتجاه واحد خارج القطاع.
ويذهب التقرير إلى أن نتنياهو يراهن سياسيًا على إقناع ترمب شخصيًا بتبني نهج أكثر تشددًا تجاه غزة وحركة حماس، في وقت فقد فيه، بحسب تعبير مسؤول إسرائيلي رفيع، دعم معظم أركان إدارة ترمب، بمن فيهم نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقال المصدر: "نتنياهو يحاول إقناع شخص واحد فقط… لكنه خسر البقية".
هذا التباين يعيد إلى الأذهان الخلافات التي سادت العلاقات الأميركية–الإسرائيلية في عهد إدارة بايدن، وإن كانت تدور اليوم حول قضايا عملياتية محددة، مثل إدارة المعابر، وحدود التحركات العسكرية، وسلوك الجيش الإسرائيلي ميدانيًا. وقد أعرب مسؤولون أميركيون عن إحباطهم مما يصفونه باستخدام مفرط للقوة من قبل وحدات إسرائيلية، يرون أنها تنتهك روح وقف إطلاق النار، وتُفاقم الخسائر المدنية.
المرحلة الثانية من الاتفاق، التي لم تُوقَّع رسميًا بعد، تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا، من بينها تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة غزة، بإشراف لجنة سلام دولية تقودها واشنطن، ونشر قوة استقرار دولية ترافق الانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي. كما تنص هذه المرحلة على نزع سلاح حماس وغزة، وهو بند ترفضه الحركة علنًا، ويُعد أحد أبرز نقاط الخلاف بين نتنياهو والمبعوثين الأميركيين.
وتسعى إدارة ترمب، عبر المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وبالتنسيق مع جاريد كوشنر، إلى تسريع الإعلان عن الحكومة التكنوقراطية، بدعم من مصر وقطر وتركيا، مع بحث إمكانية عقد اجتماع للجنة السلام على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. غير أن نتنياهو يبدي تشككًا عميقًا، خصوصًا حيال قابلية تنفيذ نزع السلاح، ويختلف مع الطرح الأميركي بشأن الجدول الزمني والضمانات.
ولا يقتصر القلق الأميركي على غزة وحدها، إذ من المتوقع أن يطرح ترمب خلال لقائه مع نتنياهو ملفات الضفة الغربية، بما في ذلك خطر انهيار السلطة الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين، واستمرار احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية. ورغم أن الخطة الأميركية تفتح الباب أمام تسلم السلطة الفلسطينية إدارة غزة مستقبلًا بعد تنفيذ "برنامج إصلاحي"، فإن إسرائيل تواصل رفضها لأي دور للسلطة في القطاع.
في موازاة ذلك، تشير التقديرات في واشنطن إلى أن إسرائيل، رغم ما تراه الإدارة من "فرص إقليمية"، تواجه تآكلًا متزايدًا في مكانتها الدولية بعد عامين من الحرب. وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن أولوية الإدارة باتت احتواء هذا التراجع، بدءًا بإصلاح العلاقات مع شركاء أوروبيين، قبل الدفع نحو تطبيع أوسع مع السعودية.
ويعكس التوتر بين نتنياهو وفريق ترمب تحولًا أعمق في نظرة واشنطن إلى كلفة الحرب على غزة، ليس فقط إنسانيًا، بل استراتيجيًا. فالإدارة الأميركية، حتى في ظل رئاسة ترمب، باتت ترى أن استمرار الغموض الإسرائيلي يهدد بإفشال هندسة إقليمية أوسع تسعى إليها، ويقوّض قدرتها على لعب دور الوسيط القابل للتصديق، في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة اصطفاف حساسة.
في المقابل، يبدو نتنياهو أسير اعتبارات داخلية ضيقة، تتعلق ببقائه السياسي وتوازنات ائتلافه، أكثر من كونه منخرطًا في رؤية استراتيجية بعيدة المدى. هذا التناقض بين حسابات واشنطن وتل أبيب يفسر نفاد الصبر الأميركي، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقة الخاصة بين الطرفين قادرة على تجاوز أول اختبار حقيقي لها في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.





شارك برأيك
نفاد صبر في واشنطن: نتنياهو يواجه اختبارًا سياسيًا حاسمًا أمام ترمب بشأن غزة