معضلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يمكن فهمها بوصفها صراعًا فوضويًا أو حالة انفلات دائم بين طرفين متكافئين، بل بوصفها نتاج نظام سيطرة مستمر تشكّل تاريخيًا وتطوّر بأدوات سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة. هذا الصراع، كما هو قائم اليوم، لم ينشأ من فراغ ولا يُدار بالعشوائية، بل يخضع لمنطق الضبط والإدارة، حيث تمتلك إسرائيل، بحكم تفوقها العسكري وسيطرتها الفعلية على الأرض، القدرة على تحديد سقفه وحدوده وإيقاعه.
منذ عام 1967، لم تترك إسرائيل فراغًا سياديًا حقيقيًا في الأراضي الفلسطينية، بل أنشأت منظومة تحكم شاملة تتحكم بالحدود، والحركة، والموارد، والاقتصاد، وحتى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين. ضمن هذه المنظومة، يصعب اعتبار أي حراك فلسطيني، سياسيًا كان أو ميدانيًا، خارجًا عن نطاق السيطرة العامة. هذا لا يعني أن كل حدث يُخطط له تفصيليًا، بل يعني أن البيئة التي تسمح بحدوثه أو احتوائه هي بيئة مُحكَمة، تُفَعَّل فيها أدوات المنع أو السماح وفق حسابات الكلفة والمصلحة.
الصراع، بهذا المعنى، ليس حالة فشل إداري أو أمني، بل جزء من نظام إدارة طويل الأمد يهدف إلى إبقائه ضمن مستوى يمكن التحكم به دون الوصول إلى حل جذري يفرض أثمانًا سياسية أو قانونية غير مرغوبة. فالتصعيد لا يُستخدم فقط كوسيلة ردع، بل كأداة لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وفرض وقائع جديدة، وتعزيز سرديات أمنية داخلية وخارجية. أما التهدئة، فليست بالضرورة خطوة نحو السلام، بل إجراء وظيفي يُتَّخذ حين تصبح كلفة التوتر أعلى من فائدته.
هذا المنطق ينسحب أيضًا على البنية السياسية الفلسطينية. فظهور منظمة التحرير الفلسطينية، ثم الاعتراف بها، ولاحقًا إنشاء السلطة الفلسطينية، جاء في سياق البحث عن عنوان فلسطيني يتولى تمثيل السكان وإدارة شؤونهم، دون أن تتحمل إسرائيل العبء الكامل للاحتلال المباشر بما يفرضه من التزامات قانونية وأخلاقية تجاه شعب خاضع لسيطرتها. وقد استمر هذا الترتيب طالما أدّى وظيفة الوسيط الإداري والسياسي، ونقل مسؤولية التعليم والصحة والاقتصاد وضبط الشارع إلى جهة فلسطينية، بينما احتفظت إسرائيل بالسيطرة الفعلية على الأرض والحدود والأمن والموارد.
هذا الواقع لا ينفي شرعية التمثيل الفلسطيني ولا يقلل من التضحيات التي قدّمها الفلسطينيون، لكنه يضع هذا التمثيل ضمن سياق بنيوي يحدّ من قدرته على الفعل المستقل. فاستمرار الكيانات السياسية الفلسطينية كان مشروطًا بمدى انسجامها مع منطق إدارة الصراع لا إنهائه، ومع تحويل القضية من مشروع تحرر وطني إلى ملف إداري وأمني قابل للتجزئة والتأجيل.
الأخطر في هذا النموذج أنه يُنتج انطباعًا دائمًا بالفوضى، بينما هو في جوهره نظام شديد الانضباط. تُجزّأ الجغرافيا الفلسطينية إلى وحدات منفصلة، وتُفصل المجتمعات عن بعضها، وتُربط الحقوق اليومية من حركة وعمل وخدمات بشروط السلوك والاستقرار. وهكذا تتحول الحياة نفسها إلى أداة من أدوات السيطرة، ويُعاد تعريف الاستقرار بوصفه غياب الانفجار لا حضور العدالة.
في هذا السياق، لا تُعامَل الحقوق الفلسطينية بوصفها استحقاقات قانونية ثابتة، بل كمتغيرات سياسية قابلة للمقايضة. يُمنح التحسّن المعيشي كبديل مؤقت عن الحرية السياسية، ويُستخدم الزمن كأداة استنزاف، بحيث تُستبدل الأسئلة الكبرى عن السيادة وتقرير المصير بأسئلة يومية عن الرواتب والمعابر والتصاريح. ومع مرور الوقت، يصبح استمرار الصراع أقل كلفة من حله، وأقل مخاطرة من فتح أفق تسوية حقيقية تعيد تعريف العلاقة بين المسيطر والخاضع للسيطرة.
هنا يصبح الانتقال من البحث عن شرارة العنف إلى مساءلة الآلية التي تجعل هذا العنف قابلًا للتجدد ضرورة تحليلية لا خيارًا لغويًا. فالشرارة، مهما كانت صادمة، تبقى لحظة عابرة لا تفسّر لماذا يتكرر العنف بالوتيرة نفسها، ولماذا يعود المشهد ذاته بأشكال وأماكن مختلفة. التركيز على الحدث يمنح انطباعًا زائفًا بأن العنف استثناء، بينما الواقع يشير إلى أنه جزء من دورة تُنتَج داخل نظام قادر على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاجها.
هذه الآلية لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على إدارة متكاملة للعوامل السياسية والاقتصادية والنفسية، تخلق بيئة دائمة من عدم اليقين، حيث تكون الحقوق مؤقتة، والهدوء مشروطًا، والمستقبل غير قابل للتخطيط. في مثل هذا الواقع، لا يعود العنف فعلًا منفصلًا عن السياق، بل أحد أشكال التعبير الممكنة داخل فضاء مغلق، لا لأنه الخيار الأفضل، بل لأنه أحد الخيارات القليلة المتبقية.
وفي المقابل، يسمح هذا النظام بإعادة تقديم كل جولة عنف بوصفها حدثًا طارئًا، تُستدعى له الخطابات الأمنية نفسها، وتُعاد من خلاله تبرير السياسات ذاتها، دون الاقتراب من السؤال البنيوي المتعلق بسبب بقاء الظروف التي تجعل الشرارة ممكنة أصلًا. وهكذا يتحول العنف من إشارة إلى خلل بنيوي إلى أداة لإدامته.
إن القول إن الصراع يبقى مفتوحًا لا لأنه خارج السيطرة، بل لأنه محكوم بها أكثر مما يبدو، يعني أن غياب الحل ليس نتيجة الفوضى، بل نتيجة إدارة محسوبة للزمن والمخاطر. فالصراع، حين يُدار بدل أن يُحل، يتحول إلى أداة سياسية بحد ذاته، تُستخدم لضبط الداخل، وإعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل الاستحقاقات الكبرى. وفي هذا الإطار، يصبح السلام خيارًا مؤجلًا لا بسبب استحالته، بل لأن كلفته السياسية قد تكون أعلى من كلفة استمرار الوضع القائم.
فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على هذا النحو لا ينتقص من إنسانية أي طرف، ولا يبرر العنف أو المعاناة، بل يفتح أفقًا مختلفًا للنقاش والمسؤولية. فهو ينقل النقاش من إدانة الأحداث المنفصلة إلى مساءلة البنية التي تسمح بتكرارها، ومن البحث عن مذنب لحظي إلى تفكيك نظام سيطرة يجعل تجدد العنف أمرًا متوقعًا. وبدون الاعتراف بوجود هذا النظام، سيبقى الصراع مفتوحًا، لا لأنه خارج السيطرة، بل لأنه محكوم بها أكثر مما يبدو.





شارك برأيك
معضلة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي: ليس حالة فوضوية، بل نتاج نظام سيطرة مستمر