لا يتوقّف عالم العلوم عن إعادة اختراع نفسه؛ ففي كل عام تُنجز المختبرات ومراكز الأبحاث اختراقات رائدة تعيد تشكيل الطريقة التي نعيش ونفكّر ونعالج بها أمراضنا وننتج طاقتنا ونتخيّل مستقبلنا.
عام 2025 لم يكن استثناءً، لكن ما يميّزه أنّ كثيرًا من ابتكاراته الأعمق جرت "تحت الرادار": إنجازات لم تتصدّر العناوين العريضة، ولم تتحوّل إلى أحاديث مواقع التواصل، لكنها تحمل في طيّاتها وعودًا هادئة بتغيير موازين القوى في مجالات الصحّة والبيئة والطاقة والفيزياء والذكاء الاصطناعي.
في هذا "الحصاد العلمي" نعود إلى عشرة اكتشافات واختراقات بدت للوهلة الأولى تجريبيّة أو شديدة التخصّص، لكنها ترسم ملامح ثورة علميّة مقبلة، أقرب إلى الواقع ممّا يظنّ معظم الناس.
من علم المواد إلى علم الجينوم، تُبيّن هذه الاكتشافات العشر أنّ تلك الثورة قد بدأت بالفعل، وغالبًا بطرقٍ لم يبدأ الجمهور بعد في تقديرها حقّ قدرها.
1- ثورة الذكاء الاصطناعي
أول شريحة ذكاء اصطناعي نانوية للألياف البصريّة
في خطوة حاسمة نحو اتصالات كموميّة فائقة الكفاءة وتصوير طبي متطوّر، نجح باحثون في تطوير شريحة ذكاء اصطناعي أصغر من حبّة ملح، يمكن تثبيتها مباشرةً على طرف الألياف البصريّة. وتستخدم هذه الشريحة "شبكة عصبيّة حيوديّة" لمعالجة الصور عبر تسخير حيود الضوء الطبيعي نفسه، ما يُلغي الحاجة إلى مكوّنات إلكترونيّة ضخمة أو معالجات خارجيّة.
يعالج هذا الاختراق العلمي عائقين رئيسيين في مجال التكنولوجيا المُصغّرة، هما: استهلاك الطاقة والسرعة. فمن خلال معالجة المعلومات بسرعة الضوء باستخدام طبقات ضوئيّة سلبيّة، تُقلّل الشريحة بشكل كبير من استهلاك الطاقة وتوليد الحرارة.
ويتمثّل التأثير المباشر لهذه الشريحة في مجالين رئيسيين: أوّلًا: يتيح تصويرًا طبيًّا عالي الدقّة في الوقت الحقيقي داخل جسم الإنسان عبر مناظير الألياف الضوئيّة الدقيقة. ثانيًا: يضع الأساس لتأمين شبكات اتصالات كموميّة منخفضة الطاقة، من خلال تمكين المعالجة السريعة والمحليّة للإشارات الضوئيّة الكموميّة الحسّاسة. (1)
منصة ذكاء اصطناعي تحقق محادثة نصية بمستوى الإنسان (GPT-4.5)
في هذا "الحصاد العلمي" نعود إلى عشرة اكتشافات واختراقات بدت للوهلة الأولى تجريبيّة أو شديدة التخصّص، لكنها ترسم ملامح ثورة علميّة مقبلة، أقرب إلى الواقع ممّا يظنّ معظم الناس.
رغم التطوّر السريع الذي شهدته نماذج اللغة الكبيرة، مثّل عام 2025 علامة فارقة مثيرة للجدل، لكنّها مهمّة في هذا المجال. فقد أُفيد بأنّ نموذجًا جديدًا، يُقال إنّه "GPT-4.5" من شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI)، لا يمكن تمييزه عن الإنسان في مجموعة واسعة من المحادثات النصيّة، ما يعني أنّه "اجتاز" اختبار تورينغ وفقًا لمعايير التقييم القياسيّة.
ولم يقتصر التطوّر على توليد نصوص متماسكة فحسب، بل أظهر النموذج استمراريّة دقيقة للذاكرة خلال المحادثات الطويلة، وقدرة على التعبير عن عدم اليقين بشكل مناسب، ومهارات مُحكمة في تغيير السياق، وهي نقاط كانت تُشكّل عائقًا أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي السابقة. وأكّدت التقارير أنّ "GPT-4.5" أظهر إيقاعات حواريّة واستدلالًا مفاهيميًّا وصفه المُختبِرون بأنّه "يشبه البشر بشكل غريب".
إذا تأكّد هذا التطوّر، فسيكون له آثار واسعة النطاق على القانون والطب والتعليم والصناعات الإبداعيّة. فهو يُشير إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرّد أداة، بل شريكًا تفاعليًّا فعّالًا قادرًا على المساعدة في مهام معقّدة عالية السياق كانت حكرًا على الخبراء المدرَّبين. (2)
2- بيئة على مفترق طرق
عمليّة كيميائيّة منخفضة الطاقة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء
تتطلّب إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي موادّ رخيصة ومتينة ومنخفضة الطاقة. وأعلن كيميائيّون في جامعة كوبنهاغن عن ابتكار مادة "BAETA"، وهي مادة امتصاص جديدة مُصنّعة من زجاجات بلاستيكيّة مُعاد تدويرها، تعمل على تحسين كفاءة احتجاز ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير.
وتعمل مادة "BAETA" من خلال عمليّة امتزاز محسّنة تعتمد على تغيّر درجة الحرارة: فعند درجة حرارة معيّنة، ترتبط بشكل انتقائي بثاني أكسيد الكربون من الهواء أو غازات المداخن، وعند تسخينها برفق، تُطلِق الغاز في صورة مُركّزة. ولأنّ "BAETA" مُشتقّة من نفايات البولي إيثيلين تيريفثالات (PET) ويتمّ تصنيعها بأقل قدر من الطاقة، فإنّها توفّر طريقة ذات تأثير بيئي منخفض بشكل استثنائي لإنتاج كميّات كبيرة من مواد الاحتجاز.
إذا تمّ توسيع نطاق استخدام تقنيّة "BAETA"، فإنّها قد تُقلّل بشكل كبير من تكلفة احتجاز الكربون من الهواء مباشرةً وإزالة الكربون من الصناعة. إنّ استقرارها وانخفاض تكلفة إنتاجها وقدرتها العالية على امتصاص ثاني أكسيد الكربون تجعلها مرشّحًا قويًّا للبنية التحتيّة المستقبليّة لإزالة الكربون. (3)
بلاستيك حيوي قابل لإعادة التدوير مصنوع من نفايات أعشاب الحبوب
بينما تتطلّب أزمة البلاستيك العالميّة مواد تجمع بين الأداء العالي والاستدامة الحقيقيّة، حقّق باحثون في جامعة كولومبيا البريطانيّة إنجازًا مهمًّا عبر ابتكار غشاء قوي ومرن وشفّاف وقابل للتحلّل الحيوي، أُطلق عليه اسم "Grasstic"، و





شارك برأيك
10 اكتشافات علميّة غيرت العالم في 2025.. لم يتحدّث عنها أحد