فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو والمرحلة الثانية... مناورة سياسية مضلّلة للهروب من الاستحقاقات المقبلة

رام الله - خاص ب"القدس" دوت كوم

د. أحمد رفيق عوض: نتنياهو يحاول الإيحاء بأنه بات مستعداً للمرحلة الثانية لكنه في الواقع يتمسك بالشروط نفسها التي وضعها منذ البداية

سليمان بشارات: نتنياهو يعوّل بشكل كبير على زيارته المرتقبة لواشنطن للحصول على تعديلات جوهرية في شكل المرحلة الثانية ومضمونها

د. سهيل دياب: تصريحات نتنياهو مناورة اضطرارية تدار على قاعدة أن المرحلة الثانية مرحلة أمنية تكتيكية لا تُفضي إلى تسوية سياسية

د. تمارا حداد: نتنياهو يخوض "لعبة مقايضة سياسية" يحاول فيها تحقيق تهدئة مؤقتة في غزة مقابل تعميق السيطرة في الضفة

لبيب طه: اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يجعل نتنياهو حريصاً على إظهار أكبر قدر من التشدد ليقدّم نفسه باعتباره "المنقذ والمخلّص"

د. ولاء قديمات: تصريحات نتنياهو تأتي تناغماً مع الرغبة الأمريكية في ضمان استمرار الاتفاق خاصة بعد استجابة "حماس" للمرحلة الأولى

تشير المعطيات إلى أن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة لا تعكس تحولاً حقيقياً في الموقف السياسي، بقدر ما تعبّر عن محاولة لامتصاص الضغوط الدولية وتهدئة الرأي العام الإسرائيلي، ومناورة سياسية للهروب من استحقاقات المرحلة الثانية. 

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن خلف موقف نتنياهو المعلن حسابات سياسية مرتبطة بالسعي إلى كسب الوقت، من خلال الإيحاء بأن التحرك نحو المرحلة الثانية قائم، في حين تستمر الإجراءات الميدانية بتكريس السيطرة وتوسيع النفوذ ومنع أي تغيير جذري في المشهد، كما أن هذا الخطاب السياسي يُستخدم كذلك لطمأنة الحلفاء في الحكومة، مع الحفاظ على مسافة محسوبة من الضغوط الأمريكية.

كما يندرج هذا النهج وفق الكتاب والمحللين وأساتذة الجامعات، ضمن مقاربة أوسع تركز على تثبيت الوقائع على الأرض، واستباق أي استحقاقات قد تفرضها المرحلة الثانية، بما يحافظ على المصالح الإسرائيلية ويقلّل من فرص الدخول في مسار سياسي ملزم أو قابل للتطور مستقبلاً.

ويشيرون إلى أن تلك التصريحات بل قد تُستخدم كورقة تفاوض داخلية -قبل انتخابات قريبة- تصوّر نتنياهو كرجل القرار القوي، وخارجياً لإيجاد غطاء دولي لتثبيت السيطرة الإسرائيلية.

 

مواقف إعلامية مضللة لا تحمل أي تغيير حقيقي

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة ليست سوى مواقف إعلامية مضللة لا تحمل أي تغيير حقيقي في رؤيته أو سياسته، مشيراً إلى أن نتنياهو يحاول من خلالها امتصاص الضغط الأمريكي وتضليل الرأي العام والوسطاء دون التخلي عن شروطه الجوهرية.

وبحسب عوض، فإن نتنياهو يحاول الإيحاء بأنه بات مستعداً للمرحلة الثانية، لكنه في الواقع يتمسك بالشروط نفسها التي وضعها منذ البداية، وفي مقدمتها نزع سلاح حركة حماس عبر قوات دولية أو عبر الجيش الإسرائيلي، إلى جانب وضع قيود صارمة على قوات الاستقرار المزمع إدخالها إلى غزة، من حيث تشكيلها وصلاحياتها وانتشارها. 

ويرى عوض أن الدليل الأبرز على عدم صدق تصريحات نتنياهو هو إبقاء الحرب منخفضة الوتيرة، وتوسيع المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال داخل غزة، وتشديد منع دخول المساعدات الإنسانية، وهي ممارسات تؤكد أن نتنياهو ليس بصدد التوجه نحو تغيير سياسي حقيقي.

وبحسب عوض، لا يحمل كلام نتنياهو أي تحول في موقفه، إذ ما يزال يسعى إلى ما يسميه "النصر المطلق"، وهو نزع سلاح حماس، ومنع قيام دولة فلسطينية، وحتى منع إعمار قطاع غزة.

 

خطط بديلة لإعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي

 

ويشير عوض إلى أن لدى نتنياهو خططاً بديلة تستهدف إعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي للقطاع، تقوم على إعمار المناطق التي تحتلها إسرائيل فقط، وبناء مدن مؤقتة أو دائمة بهدف جذب السكان إليها وسحبهم من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة حماس، وبالتالي تطويق ما يسميه الاحتلال "المنطقة الحمراء" وتركها عرضة للحصار والجوع والفوضى.

وفي ما يتعلق بتصريح نتنياهو حول أن ضم الضفة الغربية ما يزال محل نقاش، يرى عوض أن هذا الاستخدام الإعلامي للملف يهدف من جهة إلى تطمين شركائه الأكثر تطرفاً في الائتلاف الحكومي، ومن جهة أخرى إلى تقليل مخاوف الإدارة الأمريكية التي ترفض أي خطوات أحادية قد تفجر التوتر في الضفة.

ويعتقد عوض أن نتنياهو يسعى عبر هذه التصريحات إلى ربح الوقت وإرهاق الإدارة الأمريكية وتقليل زخمها للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لأن المرحلة الأولى هي الأفضل لإسرائيل، فهي تمنحها السيطرة الأمنية الكاملة على غزة، وتمكنها من احتلال نصف القطاع دون إدانة دولية واسعة، وتمنع عودة السلطة الفلسطينية، كما تمنحها القدرة على التحكم بحياة السكان واستخدام ذلك للضغط نحو الهجرة أو الإفقار المتعمد.

ويشير عوض إلى أن المرحلة الثانية تحمل استحقاقات سياسية وأمنية لا ترغب إسرائيل بدفعها، ولذلك فإن تصريحات نتنياهو الحالية لا يمكن البناء عليها، ولا تعكس أي نية حقيقية للمضي في المسار السياسي المطلوب.

 

نتنياهو يغازل الإدارة الأمريكية 

 

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة جاءت في سياق مرتبط مباشرة بدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنتنياهو لزيارة البيت الأبيض نهاية الشهر، وبالتزامن مع إعلان واشنطن أن قوة الاستقرار الدولية باتت شبه جاهزة وقد ترى النور خلال الأسابيع المقبلة. 

ووفق بشارات، أراد نتنياهو من خلال هذا التصريح مغازلة الإدارة الأمريكية وإظهار أنه يتحرك وفق رؤيتها، لكنه في الوقت ذاته وضع محددات مشددة لطبيعة المرحلة الثانية بما ينسجم مع المصالح الإسرائيلية.

ويوضح بشارات أن نتنياهو يعوّل بشكل كبير على زيارته المرتقبة لواشنطن للحصول على تعديلات جوهرية في شكل ومضمون المرحلة الثانية، وبما يمنحه مكاسب سياسية داخلية ويعزز نفوذ إسرائيل في مستقبل قطاع غزة.

 

محاولة لإعادة صياغة دور القوة الدولية وتقييد مهامها 

 

ويرى بشارات أن تصريحات نتنياهو تحمل محاولة واضحة لإعادة صياغة دور القوة الدولية وتقييد مهامها بحيث لا تشكل بديلاً للدور الإسرائيلي، بل تكون جزءاً من تطبيق الرؤية الأمنية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها.

ويشير إلى أن نتنياهو يستخدم التنقل بين المرحلتين كأداة للاستثمار السياسي داخل إسرائيل، عبر تقديم نفسه باعتباره من يحدد اتجاهات الاتفاق، وأن الضغط الأمريكي هو مشاركة وليس إملاء، وبهذه الرسالة يحاول نتنياهو تكريس صورته أمام جمهوره بأنه رجل المرحلة وصاحب القرار في مستقبل غزة، وليس خاضعاً لأي ضغوط خارجية.

وفي ما يتعلق بالضفة الغربية، يعتبر بشارات أن نتنياهو يعمل على مقايضة سياسية واضحة قوامها: القبول بالتقدم في المرحلة الثانية من اتفاق غزة مقابل اعتراف أمريكي صريح بالسيادة الإسرائيلية على الضفة وضمها. 

ويؤكد بشارات أن نتنياهو يرى في هذا المسار فرصة تاريخية لانتزاع موافقة أمريكية على الضم، سواء كان معلناً أو واقعياً.

ويرى بشارات أن المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهين رئيسيين: الأول بالسير خلف الإدارة الأمريكية: وفي هذا السيناريو يلتزم نتنياهو بخطوات المرحلة الثانية مقابل فوائد سياسية كبيرة، منها تعزيز موقعه الداخلي، والحصول على عفو من رئيس الدولة، وانتزاع اعتراف أمريكي بضم الضفة، إلى جانب توسيع الشراكة العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة.

أما السيناريو الثاني وفق بشارات، فهو بالمناورة وكسب الوقت: ويتمثل في التعامل المرن مع مقترحات غزة دون تنفيذ فعلي، بهدف انتظار تغيرات محتملة على الساحة السياسية الأمريكية. 

ويتضمن هذا السيناريو بحسب بشارات، السعي لفرض واقع جديد في غزة عبر تكريس السيطرة العسكرية على نصف القطاع، استناداً إلى ما أعلنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حول "الخط الأصفر" كحدود دفاع وهجوم دائمة.

ويعتقد أن نتنياهو يواصل الدفع نحو خطوات أحادية مثل فتح معبر رفح باتجاه واحد، ومحاولة تثبيت أسس تهجير أهالي غزة وإعادة تشكيل إدارة القطاع، وربط كل ذلك بملف سلاح المقاومة. 

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل ما تزال في مرحلة مناورة واسعة، تحاول فيها الجمع بين إرضاء واشنطن والحفاظ على المصالح الإسرائيلية، مع تقديم الملف كقضية أمنية تهدف إلى ضمان "أمن استراتيجي" طويل المدى.

 

حالة مأزق ثلاثي الأبعاد يعيشها نتنياهو

 

يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة تعبّر عن حالة مأزق ثلاثي الأبعاد يعيشها نتنياهو، ما يجعله يتنقل بين الملفات بصورة تكتيكية دون أن يغيّر توجهه السياسي الأساسي.

ويشير دياب إلى أن البعد الأول من أزمة نتنياهو يتمثل في عدم قدرته على رفض مطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانتقال إلى المرحلة الثانية، خصوصاً في ظل حسابات واشنطن المرتبطة بالانتخابات النصفية، حيث يشكل ملف غزة محوراً رئيسياً فيها.

كما يرتبط الأمر، وفق دياب، برغبة ترمب بتسريع التهدئة في سوريا، وهو ملف لا يمكن أن يتقدم -بحسب تقديرات الإدارة الأمريكية- من دون تهدئة متوازية في غزة ولبنان، ما يجعل غزة مدخلاً ضرورياً للملف السوري.

أما البعد الثاني، بحسب دياب، فيتعلق بأن الانتقال السريع للمرحلة الثانية يعني خسارة إسرائيل لأوراق قوة جوهرية، إذ سيُفهم الانسحاب من مناطق واسعة في غزة كـ"انكسار" داخلياً قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو أمر لا يستطيع نتنياهو تحمّله سياسياً.

ويتمثل البعد الثالث -وهو الأخطر وفق دياب- في أن الوضع الحالي يمنح نتنياهو فرصته الذهبية للضغط على ترمب والرئيس الإسرائيلي هرتسوغ والمؤسسة القضائية لانتزاع عفو شامل من قضايا الفساد. 

ويرى أنه إذا تجاوزت إسرائيل المرحلة الثانية والثالثة من الاتفاق، فإن فرص حصول نتنياهو على العفو ستتضاءل كثيراً.

ويؤكد دياب أن تصريحات نتنياهو ليست تحولاً في الموقف، بل مناورة اضطرارية تدار على قاعدة الرؤية الإسرائيلية الثابتة بأن المرحلة الثانية مرحلة أمنية تكتيكية لا تُفضي إلى تسوية سياسية، بخلاف ما يراه الوسطاء والفلسطينيون ودول أوروبية وإسلامية، وقد عبّر نتنياهو عن هذا الموقف بوضوح حين قال للمستشار الألماني إنه "يسعى للسلام" لكنه سيعمل على منع قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويشير دياب إلى أن كل تحركات نتنياهو تُقرأ من زاوية واحدة: كيف يضمن بقاءه في الحكم بعد الانتخابات المقبلة؟ لذلك تُفسَّر تصريحاته وقراراته العسكرية والقانونية باعتبارها خطوات مرتبطة عضوياً بمستقبله الشخصي والسياسي.

 

السيناريوهات المحتملة: ثلاثة مسارات

 

وعن السيناريوهات المحتملة، يطرح دياب ثلاثة مسارات: الأول: المضي نحو المرحلة الثانية ببطء وفق ما يريده ترمب، مع إعطاء انطباع بأن الأمور تسير إيجابياً في غزة ولبنان وسوريا، وهو مسار يقلق نتنياهو.

السيناريو الثاني، وفق دياب، "الهروب إلى الأمام" عبر تصعيد عسكري محدود تجاه لبنان أو اليمن، وهو سيناريو مستبعد جزئياً لكنه يبقى خياراً إذا رأى نتنياهو أنه ينقذه سياسياً.

ويشير دياب إلى السيناريو الثالث وهو الأرجح، من خلال صيغة أمريكية إسرائيلية هجينة، تقوم على تصعيد في الضفة الغربية، والتقدم البطيء نحو المرحلة الثانية مع شروط إسرائيلية كبيرة تتعلق بنزع سلاح حماس والجثة الإسرائيلية الأخيرة، وفرض فيتو على مشاركة دول مثل تركيا وقطر في القوة الدولية، ما يحقق التوازن بين رغبة واشنطن في التقدم ومصلحة تل أبيب في التأخير.

 

مقايضة الضفة مقابل تسوية جزئية بغزة

 

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تكشف مقاربة إسرائيلية تقوم على مقايضة الضفة الغربية مقابل تسوية جزئية في غزة، مشيرةً إلى أن ملف الضفة يشكّل بالنسبة لنتنياهو الهدف المركزي في المرحلة المقبلة.

وتوضح حداد أنّ نتنياهو بات أقرب للموافقة على بدء المرحلة الثانية فور الانتهاء من تسليم آخر جثة، وهذه المرحلة بالنسبة له تتضمن تفكيك بنية حركة حماس ونزع سلاحها، ثم انسحاباً إسرائيلياً جزئياً من غزة، يلي ذلك تشكيل حكومة مؤقتة مع إدخال قوات دولية للاستقرار.

لكن حداد تلفت إلى أن تصريحات نتنياهو الأخيرة حول أن الضفة الغربية لا تزال "محل نقاش" لم تكن عابرة، بل جاءت "بشكل متعمّد"، ضمن محاولة لربط مصير غزة والضفة ببعضهما، بحيث يستغل نتنياهو ورقة الضفة للحصول على مكاسب سياسية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مقابل قبوله المضي قدماً في خطة غزة.

وبحسب حداد، يسعى نتنياهو إلى ضمان السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، خاصة المناطق المصنفة (ج)، ويعتبر ذلك أولوية تفوق أي تسوية داخل قطاع غزة. 

وتشير حداد إلى أن نتنياهو يستخدم الضفة كورقة تفاوض ضاغطة خلال لقائه المرتقب في واشنطن نهاية الشهر، أملاً في تحقيق اعتراف أو ضوء أخضر أمريكي بمزيد من إجراءات الضم التدريجي أو تعزيز الاستيطان.

وترى حداد أن قبول نتنياهو خطة ترمب الخاصة بغزة جاء "على مضض"، لكنه يسعى لتحويل هذا القبول إلى مكسب مزدوج: أولاً عبر تعزيز نفوذه الداخلي وإرضاء جمهوره اليميني، وثانياً عبر استخدام الخطة كمدخل للحصول على عفو من القضاء الإسرائيلي، بالتزامن مع دفع ملف الضفة باتجاه إنجاز سياسي يخدم مستقبله الانتخابي.

وتؤكد حداد أن الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق بات محسوماً تقريباً، خاصة مع اقتراب انتهاء المرحلة الأولى. 

 

 ضم غير معلن يجري على الأرض بوتيرة متسارعة

 

وفيما يخص الضفة الغربية، تشير حداد إلى وجود ضم فعلي غير معلن يجري على الأرض بوتيرة متسارعة، خاصة في المناطق المصنفة (ج). وترى أن الإعلان الرسمي عن الضم سيُؤجَّل بسبب رفض دولي وأوروبي واضح، لكن الواقع الميداني يشي بأن الضم سيتحقق آجلاً أم عاجلاً من خلال فرض الوقائع والاستيطان وإعادة تشكيل الجغرافيا.

وتشير حداد إلى أن نتنياهو يخوض "لعبة مقايضة سياسية"، يحاول فيها تحقيق تهدئة مؤقتة في غزة مقابل المضي في تعميق السيطرة الإسرائيلية في الضفة، معتبرةً أن هذا التحول ليس استراتيجياً بل تكتيكياً يخدم بقاءه السياسي واستعداداته للانتخابات المقبلة.

 

استجابة مباشرة لضغوطات أمريكية وغربية

 

يرى الباحث والمحلل السياسي لبيب طه أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة لا تعبّر عن أي تحوّل سياسي، بل تأتي استجابة مباشرة لضغوطات أمريكية وغربية، فيما يبقى نتنياهو أكثر تشدداً وتطرفاً من أي وقت مضى. 

ويوضح طه أنه على ما يبدو فإن هناك موقفاً جديداً لنتنياهو ليس سوى خطوة اضطرارية بعدما استعاد معظم المحتجزين، وبات يحاول الظهور بمظهر القائد المستجيب للمطالب الدولية، مع تمسّكه في العمق بأهدافه الأصلية التي يسعى إلى تحقيقها عبر تفجير الاتفاق من الداخل، حيث أن تلك المرحلة باتت اليوم بالنسبة له منصة لإفشال الاتفاق لا لإنجاحه. 

ويحاول نتنياهو -بحسب طه- الضغط بملفات شديدة الحساسية إلى المفاوضات، مثل نزع سلاح حماس، والانسحاب من غزة، وإسناد الحكم فيها إلى جهة غير الحركة. 

وهذه الملفات، كما يشير طه، ليست مجرد قضايا تفاوضية، بل شروط تفجيرية يهدف نتنياهو من خلالها إلى استكمال ما عجز عن تحقيقه عسكرياً، عبر الضغط والاشتراط على الطاولة السياسية.

وبحسب طه، فإن دوافع نتنياهو لا تتعلق بأي تحول نحو "السلام"، مؤكداً: "لم يصبح نتنياهو بين ليلة وضحاها رجلاً مسالماً، فهو منذ ظهوره على المسرح السياسي قبل أكثر من 30 عاماً لا يتغير إلا نحو مزيد من التطرف، ويزاود على جميع المتطرفين في الساحة الإسرائيلية”. ويؤكد طه أن الفارق بين نتنياهو وأقصى اليمين "هو فارق درجات لا جوهر"، وأنه يستخدم لغة براجماتية فقط عندما تُفرض عليه الضغوط.

وعلى الساحة الداخلية، يوضح طه أن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يجعل نتنياهو حريصاً على إظهار أكبر قدر من التشدد أمام الجمهور الإسرائيلي، فهو يريد أن يخاطب قواعده بالقول: "أعدنا المحتجزين، ونزعنا سلاح حماس، وأزلنا أي تهديد للدولة"، ليقدّم نفسه باعتباره "المنقذ والمخلّص"، ويوظّف ذلك للفوز بالانتخابات مجدداً.

 

 نتنياهو قد يدفع بكل ثقله لنسف الاتفاق

 

ويتوقع طه أن يدفع نتنياهو بكل ثقله نحو نسف الاتفاق، كما فعل خلال العامين الماضيين، قبل أن يفرض الضغط الأمريكي الأخير التوصل إلى التفاهمات الحالية. 

ويرى أن المشهد المقبل لا يحمل أي مؤشرات تهدئة، فسياسة نتنياهو تقوم على منع قيام دولة فلسطينية، وعلى تعزيز الاستيطان، وتمكين المستوطنين من ممارسة الاعتداءات، ورفع مستويات الضغط والمعاناة في الضفة وغزة إلى أقصى حد.

ويشير طه إلى أن الحديث عن "بقاء الوضع كما هو" حديث مضلل، لأن الواقع يتجه نحو تصعيد مستمر، يعكس ثبات نهج نتنياهو لا تبدّله.

 

 نتنياهو يطمح لتقديم الاتفاق كإنجاز استراتيجي

 

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن تصريحات نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة تمثل استجابة واضحة للضغوط الأمريكية، وتحديداً لرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الحفاظ على الاتفاق ودفعه قدماً، رغم أن نتنياهو كان يرفض في السابق الدخول في هذه المرحلة.

وبحسب قديمات، فإن هذه التصريحات تأتي تناغماً مع الرغبة الأمريكية في ضمان استمرار الاتفاق، خاصة بعد استجابة حركة حماس للمرحلة الأولى وتنفيذها بنودها رغم التحديات، إضافة إلى استعداد الحركة لمناقشة تجميد أو تخزين السلاح ضمن تفاوض المرحلة الثانية.

وتشير قديمات إلى أن نتنياهو يطمح لتقديم الاتفاق كإنجاز استراتيجي، خصوصاً بعد فشل مقترح الميليشيات كبديل لإدارة القطاع، وتصاعد الأوضاع في الضفة الغربية.

وترى قديمات أن المرحلة الثانية تواجه عقبات كبيرة، أبرزها ملف نزع سلاح "حماس" ونشر قوة متعددة الجنسيات في القطاع، وهي فكرة صعبة التطبيق بسبب الموقف الدولي وتعقيدات الواقع الأمني. 

وتشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تميلان حالياً إلى القفز عن العقبات وتركيز الجهود على إدارة واقع غزة وإعادة هندسته أمنياً وسياسياً واجتماعياً ضمن جدول زمني طويل، معتبرة أن تصريحات نتنياهو موجّهة للداخل الإسرائيلي وللإدارة الأمريكية قبل لقائه ترمب نهاية الشهر.

ولا ترى قديمات أن تصريحات نتنياهو تعكس تحولاً حقيقياً في موقفه، بل تعكس استجابة لضرورات الواقع ورغبة نتنياهو في إنقاذ الاتفاق من الانهيار، إلى جانب سعيه لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية على المدى القريب والبعيد.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، تشير قديمات إلى احتمالين رئيسيين: الأول: إذا تم الانتقال بنجاح إلى المرحلة الثانية، فإن غزة ستشهد إعادة هندسة شاملة لواقعها السياسي والأمني، إلى جانب عملية إعادة إعمار طويلة الأمد، بالتوازي مع تهدئة في الضفة الغربية والحد من التصعيد. 

أما السيناريو الثاني وفق قديمات، فإنه في حال تعثر الانتقال، فمن المرجّح الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، مع استمرار القدرة الإسرائيلية على التحكم في مستوى التصعيد.

وتعتقد قديمات أن ما يجري يعكس إدارة أمريكية إسرائيلية مشتركة للمرحلة المقبلة، فيما يحاول نتنياهو توظيف الاتفاق لخدمة أهدافه السياسية دون تغيير جوهري في مواقفه الأساسية.

دلالات

شارك برأيك

نتنياهو والمرحلة الثانية... مناورة سياسية مضلّلة للهروب من الاستحقاقات المقبلة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.