فلسطين

الأربعاء 03 ديسمبر 2025 7:47 صباحًا - بتوقيت القدس

اقتحامات الضفة.. مخطّط متدحرج للتهجير ومأسسة الضم

رام الله - خاص ب"القدس" دوت كوم

د. حسين الديك: إسرائيل تسعى لتثبيت واقع لا يسمح بقيام أيّ كيان سياسي فلسطيني مستقل وإنما يقتصر على حقوق خدمية وإدارية فقط

أنطوان شلحت: ما يجري يُنذر بوضع خطير للغاية إذ تسعى إسرائيل إلى مأسسة الضم ونظام الأبارتهايد ومنع أي تقدم نحو حل الدولتين

نور عودة: الهدف الاستراتيجي لإسرائيل إجبار الفلسطينيين على الخضوع أو الرحيل وما يجري في الضفة محاولة واضحة للتطهير العرقي

د. أمجد بشكار: المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً أكبر في الضفة في إطار خطة تهدف إلى فرض واقع جديد قبل الانتخابات الإسرائيلية

سري سمور: الاحتلال يستغل العمليات العسكرية لإرباك السكان وصرف نظرهم عن "مشروع استيطاني كبير" يجري العمل عليه بالضفة

نبهان خريشة: التصعيد في الضفة جزء من نمط استراتيجي طويل المدى يهدف إلى إفراغ الأرض من أهلها وتغيير الوقائع على الأرض

 

في ظل تصاعد العمليات العسكرية والاقتحامات في محافظات عدة، خاصة في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، تتكشف بشكل جلي استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تفكيك تماسك الضفة الغربية على الصعيدين الجغرافي والاجتماعي، وجعلها بيئة طاردة نحو التهجير، ولتحقيق الضم وفرض السيادة الإسرائيلية.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن هناك محاولات ممنهجة لإضعاف البنية المجتمعية: من إعدامات ميدانية، وهدم منازل، إلى اعتقالات عشوائية، وإغلاق مؤسسات مدنية، والسيطرة على الموارد، وممارسات واعتداءات المستوطنين، وجميعها ضمن ما يُنظر إليه كجزء من مخطط أكبر لخلق بيئة خاضعة مرهقة تدفع نحو التهجير، وتخلو من القدرة على المقاومة أو الحراك الجماعي. 

ويؤكدون أن كل هذا يتم في سياق إعادة هندسة الواقع الجيو-سياسي للضفة الغربية، بحيث تصبح جميع التجمعات الفلسطينية مفككة، ومعزولة، ومؤهلة للانكسار تحت ضغط دائم، فيما يبدو الهدف النهائي تثبيت واقع يستبعد إقامة أي كيان فلسطيني سياسي مستقل، مع اختزال الحل في حقوق خدمية وإدارية فقط.

 

 

تحويل الضفة إلى فضاء مُنهك مقطع الأوصال

 

يحذّر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك من أنّ العملية العسكرية الإسرائيلية في محافظة طوباس بشكل خاص، وغيرها من الممارسات في مناطق أخرى، تكشف جانباً مركزياً من الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى تفكيك الضفة الغربية جغرافياً ومجتمعياً، و"تحويلها إلى فضاء مُنهك، مقطع الأوصال، وغير قادر على إنتاج حالة مقاومة أو حراك سياسي موحد مستقبلاً".

ويوضح الديك أن الاقتحامات والاجتياحات المتكررة للقرى والبلدات الفلسطينية، وما يرافقها من إعدامات ميدانية واعتقالات عشوائية وهدم للمنازل وإغلاق للمؤسسات، لا تُعد إجراءات عقابية فحسب، بل أدوات ضمن مخطط استراتيجي يستهدف تفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني وإضعاف أي بيئة حاضنة للمقاومة. 

ويشير الديك إلى وجود أكثر من ألف حاجز في الضفة، ما جعل الحركة بين المدن الفلسطينية شبه مقطوعة.

ويلفت الديك إلى أن إسرائيل تعمل بالتوازي على تعزيز دور المستوطنين وتشكيل ميليشيات منظمة مثل "تدفيع الثمن" و"فتية التلال"، وتسليحهم بدعم مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في إطار مشروع يستهدف فرض سيطرة المستوطنين على الأرض، بالتنسيق مع جيش الاحتلال.

ويؤكد الديك أن ما يجري في طوباس لا يرتبط بملاحقة مقاومين أو عمليات فدائية، بل هو جزء من سياسة إعادة هندسة الواقع الجيوسياسي في المنطقة، بالنظر إلى موقع طوباس الحدودي وقيمتها بوصفها السلة الغذائية للضفة الغربية وموقعها القريب من جنين، التي شكلت خلال السنوات الماضية مركزاً للفعل المقاوم. 

ويرى الديك أن الاحتلال يسعى لإخضاع هذه المنطقة الحساسة من خلال عمليات ممنهجة تعيد تشكيل السيطرة الإسرائيلية عليها.

ويتطرق إلى إغلاق الاحتلال مقري اتحاد لجان العمل الزراعي في البيرة والخليل، معتبراً ذلك "اعتداءً مباشراً على السيادة الفلسطينية"، خاصة أن هذه المؤسسات تقع في مناطق مصنفة (أ) الخاضعة للسيطرة الإدارية والأمنية الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو.

ويؤكد أن هذا الإجراء يمثل "صفعة" للشرعية الفلسطينية وللاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الراعية للعملية السياسية، ويؤكد أن إسرائيل لا تضع الحل السياسي على أجندتها إطلاقاً.

ويشير الديك إلى أن إسرائيل تستخدم هذه العمليات لإرسال رسالة واضحة للفلسطينيين والعالم مفادها بأن "لا أحد محصّن"، وأن الجيش قادر على الوصول إلى أي فرد أو مؤسسة، حتى داخل رام الله، مركز السلطة الفلسطينية. ويوضح الديك أن هذا يتماشى مع الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة القائمة على الحرب الوقائية، والتي تتعامل مع أي إمكانية لظهور مقاومة مستقبلية باعتبارها تهديداً يجب القضاء عليه مسبقاً.

ويعتقد الديك أن إسرائيل تسعى لتثبيت واقع لا يسمح بقيام أي كيان سياسي فلسطيني مستقل، وإنما يقتصر على حقوق خدمية وإدارية فقط، ضمن منظومة تقوم على "قانون القوة وشريعة الغاب"، وتهدف إلى السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وإعادة تشكيل وعي سكانها وواقعهم السياسي.

 

تحويل الحرب ضد الفلسطينيين إلى واقع دائم 

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن الإجراءات العسكرية المتواصلة التي تنفذها قوات الاحتلال في الضفة الغربية وإغلاق المؤسسات كما جرى مع اتحاد لجان العمل الزراعي، إلى جانب اعتداءات المستوطنين المتصاعدة على المزارعين والأهالي ومحاولات السيطرة على مزيد من الأراضي وإغلاق المؤسسات، تحمل رسالة واضحة مفادها بأن إسرائيل تعمل على تحويل الحرب ضد الفلسطينيين إلى واقع دائم يشبه ما يجري في قطاع غزة. 

ويوضح شلحت أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُوصَف بأنها الأكثر يمينية قومياً ودينياً، لا تُظهر أي نية للتوصل إلى تسوية سياسية، بل كانت تكرّس هذا النهج حتى قبل حرب غزة وقبل عملية "طوفان الأقصى"، إلا أن هذه السياسات باتت أكثر حدة ووضوحاً بعد ذلك.

ويشير شلحت إلى أن الضفة الغربية كانت ولا تزال تتعرض إلى هجمات مستمرة من جانب جيش الاحتلال والمستوطنين، لكنها لا تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة نتيجة انشغال الاهتمام الدولي بما يجري في قطاع غزة من حرب إبادة وتدمير شامل. 

ويحذّر من أن أخطر ما يجري حالياً هو أن إسرائيل تحاول فرض واقع الضم تدريجياً، لافتاً إلى أن تقارير لصحافيين إسرائيليين مستقلين تشير إلى أن الضم بدأ فعلياً، خصوصاً في منطقة "التماس" المحاذية لجدار الفصل العنصري، وهي منطقة واسعة تضم أراضي زراعية وتجمعات سكانية فلسطينية، ويبدو أن هناك توجهاً للسيطرة الكاملة عليها.

ويشير إلى أن هذا المسار يجد تشجيعاً من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي تعتقد أنها ستحظى بدعم الإدارة الأميركية الحالية، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سبق أن وافق على مشاريع ضم خلال ولايته الأولى ضمن ما عُرف بـ"صفقة القرن"، التي هدفت إلى تكريس الاحتلال ومنع أي إمكانية لتسوية سياسية. 

ويوضح شلحت أن الداخل الإسرائيلي يشهد شبه إجماع على رفض إقامة دولة فلسطينية، وأن هذا الرفض ازداد رسوخاً بعد "طوفان الأقصى" والحرب على غزة.

ويؤكد شلحت أن الساحة السياسية الإسرائيلية لا تُظهِر أي معارضة جدية لهذه السياسات، باستثناء ملاحظات خجولة على بعض ممارسات المستوطنين التي تصفها قوى سياسية بأنها "متطرفة"، بينما هي تمثل الوجه الحقيقي لحركة الاستيطان التي لا يمكن اعتبارها هامشية أو شاذة. 

ويشدد شلحت على أن ما يجري في الضفة الغربية يُنذر بوضع خطير للغاية، إذ تسعى إسرائيل إلى مأسسة الضم ونظام الأبارتهايد ومنع أي تقدم نحو حل الدولتين.

ويؤكد شلحت أن الوضع الراهن يتطلب تدخلاً خارجياً جاداً لوقف هذه السياسات المتسارعة التي تهدد بمزيد من التصعيد وتكريس واقع الاحتلال والضم كأمر واقع دائم.

 

محاولة إزالة مظاهر الهوية الوطنية الفلسطينية

 

تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية نور عودة أن إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبار الوجود الفلسطيني في الأرض الفلسطينية وجودًا معاديًا وطارئًا، وأنها تنظر إلى نفسها كصاحبة سيادة مطلقة على الأرض، ما يبرر في نظرها اقتحام المدن والقرى الفلسطينية وإزالة كل مظاهر الهوية الوطنية الفلسطينية. 

وتشير عودة إلى أن كل أشكال النشاط الفلسطيني، سواء الثقافي أو المدني أو الاجتماعي، تُعدّ معادية، وتتعامل إسرائيل معها وفق هذا المنطق في غياب أي ردع سياسي أو قانوني أو مقاومة شعبية فعّالة.

وتوضح عودة أن هذه السياسات تجلت بشكل واضح في اقتحامات طوباس، وإغلاق مقرات اتحاد لجان العمل الزراعي، واجتياح مدن فلسطينية أخرى، إلى جانب استهداف الشبان الفلسطينيين العزل الذين استسلموا لقوات الاحتلال، معتبرة أن هذه الأعمال تُنفذ بـ"بوقاحة وصلف غير مسبوق". 

وتشير إلى أن إسرائيل، التي تمكنت من ارتكاب "إبادة جماعية" أمام نظر العالم، تشعر اليوم بالنشوة نتيجة غياب محاسبة دولية فعلية، بل ومحاولة تعزيزها ودمجها، ما يعزز لديها شعورًا بالنصر وسيطرة كاملة على الفلسطينيين.

وتؤكد عودة أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل يتمثل في إجبار الفلسطينيين على الخضوع أو الرحيل، معتبرة أن سياسات الاحتلال في الضفة الغربية تشكل محاولة واضحة للتطهير العرقي، وإن لم تتضمن قصفًا واسع النطاق كما حدث في قطاع غزة، فإن الهدف واحد لكل الأراضي الفلسطينية: القضاء على الوجود الفلسطيني.

وتوضح أن إسرائيل بعقليتها الحالية، وبغطرستها المستمرة، تسعى لإنهاء القضية الفلسطينية بشكل كامل، ليس فقط على الصعيد الدولي أو السياسي، بل أيضًا في الوجدان الفلسطيني، لتجعل الفلسطيني يعتقد أن حقه في الحياة مرتبط بالاستسلام الكامل.

وتؤكد عودة أن استمرار هذا النهج يعكس رغبة الاحتلال في فرض حكم استعماري دائم على الشعب الفلسطيني، وتحويل وجوده إلى حياة خاضعة ومكسورة، مشددة على أن هذه السياسات تتطلب فعلا فلسطينيا موحدا يدفع العالم لخطوات رادعة وحقيقية تشكل نوعا من الحماية لحقوق الفلسطينيين تساهم في بقائهم وصمودهم في أرضهم وتحررهم.

 

مخطط سياسي تقوده شخصيات يمينية متطرفة 

 

يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أنّ ما يجري في الضفة الغربية، وتحديداً في طوباس، يتجاوز البعد الأمني تماماً ويتجه نحو تنفيذ مخطط سياسي تقوده شخصيات يمينية متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وبحسب بشكار، فإنّ هاتين الشخصيتين تتحكمان فعلياً بمسار السياسات الإسرائيلية الحالية التي تنفذ في الضفة الغربية، خصوصاً المناطق الزراعية والمائية الحساسة، مثل طوباس والأغوار، استعداداً لفرض وقائع جديدة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

ويوضح أنّ طوباس تُعد أكبر سلة غذاء في الضفة الغربية وتضم أهم الأحواض المائية، كما أنها منطقة حدودية محاذية للداخل المحتل، ما يجعلها هدفاً مباشراً لعمليات السيطرة وتغيير الواقع القائم. 

ويبيّن بشكار أنّ إسرائيل كانت قد اختبرت سابقاً سياسات خلق وقائع جديدة في جنين وطولكرم، قبل أن تنقل هذه التجربة إلى طوباس، حيث تسعى لربط مناطق زراعية ومستوطنات ومواقع صناعية ضمن مخطط متكامل يعيد تشكيل الخريطة الجغرافية.

ويشير إلى أن الاحتلال أعلن مؤخراً مصادرة 800 دونم قرب بلدة عنبتا شرق طولكرم لإقامة منطقة صناعية إسرائيلية، إلى جانب مصادرة 1400 دونم من أراضي الأغوار وطوباس لشق طرق بعرض يصل إلى 60 متراً، بهدف ربط المنطقة الصناعية الجديدة بطوباس ثم بالمستوطنات المحيطة مثل "شافي شمرون". 

ويصف بشكار هذه الإجراءات بأنها جزء من مشروع استراتيجي يرمي إلى تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وتحويل البلدات إلى كيانات منعزلة.

ويؤكد بشكار أن سياسات بن غفير وسموتريتش تسعى إلى خلق "بيئة طاردة" للسكان الفلسطينيين عبر خنق الزراعة والغذاء والمياه، مشيراً إلى أن اقتحام مقرات اتحاد لجان العمل الزراعي يأتي في سياق سياسات سياسية وليس لدواعٍ أمنية هدفها الضغط على الفلسطينيين. 

ويرى أن إعادة الانتشار العسكري في طوباس، وفرض حظر التجوال ورفعه لساعات محدودة، يؤكدان أنّ الهدف هو فرض سيطرة كاملة وليس التعامل مع تهديد أمني.

ويتوقع بشكار أن يتوسع المخطط الإسرائيلي ليشمل مناطق أخرى، خصوصاً مخيمات نابلس، لتكرار ما جرى في مخيمات: جنين، وطولكرم، ونور شمس، من تغيير في البنية الجغرافية للمخيمات، بما يمسّ رمزية اللجوء، معتبراً أن هذا التوجه سبق أحداث 7 أكتوبر ولا علاقة له بالأحداث اللاحقة. 

ويلفت إلى أن المؤشرات الاقتصادية، مثل الضغط على التعاملات المالية بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، تؤكد أن الدوافع سياسية بالكامل.

ويعتقد بشكار أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً أكبر في الضفة الغربية يشمل خنقاً اقتصادياً واسعاً، وتفاقماً في أزمة المياه، وضرباً ممنهجاً لقطاع الزراعة وسلة الغذاء الفلسطينية في الأغوار، في إطار خطة تهدف إلى فرض واقع جديد قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

 

"هجمة أوسع" لإضعاف المجتمع الفلسطيني

 

يحذّر الكاتب والمحلل السياسي سري سمور من أن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في تصعيد عدوانه بالضفة الغربية عبر توسيع هجماته العسكرية واستهداف المؤسسات التنموية والإغاثية، مؤكداً أن إغلاق مقر اتحاد لجان العمل الزراعي يأتي ضمن "هجمة أوسع" تهدف لإضعاف المجتمع الفلسطيني، وخاصة المزارعين والفئات العاملة في القطاع الزراعي. ويوضح سمور أن هذه المؤسسات كانت تشكّل سنداً مادياً ومعنوياً للفلسطيني، بينما يسعى الاحتلال الآن إلى ترك المواطن الفلسطيني من دون ظهر عبر قطع أي مصدر دعم يمكن أن يعزز صموده.

ويشير إلى أن اقتحامات المدن ليست جديدة، لكنها تشهد هذه المرة كثافة لافتة، بالتزامن مع إطلاق العنان للمستوطنين، خاصة في وسط الضفة وجنوبها، وتحويل اعتداءاتهم إلى سياسة منظمة. 

ويعتبر سمور أن تبريرات الاحتلال حول "خطر شبيه بعملية 7 أكتوبر" في الضفة الغربية هي حالة من الهوس تُستخدم لشرعنة المزيد من العمليات العسكرية، رغم أن الظروف في الضفة لا تسمح بإسناد مثل هذه الادعاءات.

ويوضح سمور أن السياسة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، تقوم على محاولة استعادة قوة الردع عبر الضغط المستمر وإبقاء حالة العدوان قائمة، بهدف خلق حالة رعب لدى الفلسطينيين، بعد فشل إسرائيل في استعادة الردع بالمعنى التقليدي.

وعن إعادة الاجتياح المتكرر لطوباس، يؤكد سمور أن الاحتلال يسعى لإيصال رسالة مفادها أنه حاضر بشكل دائم، مشيراً إلى خصوصية المنطقة باعتبارها امتداداً للأغوار، وما يرافق ذلك من مخططات استيطانية قد تكون الدافع الحقيقي وراء العمليات العسكرية المتواصلة. ويلفت سمور إلى أن الاحتلال يستغل العمليات العسكرية لإرباك السكان وصرف نظرهم عن "مشروع استيطاني كبير" يجري العمل عليه في الضفة الغربية.

ويؤكد أن الاحتلال يرسل رسائل واضحة للفلسطينيين بأن حياتهم ستزداد صعوبة بهدف دفعهم إلى الرحيل، لافتاً إلى أن الاعتداءات تطال حتى المناطق التي لا تشهد مقاومة، وهو ما يثبت أن الهدف ليس القضاء على مجموعات مسلحة بل الضغط الوجودي على السكان. ويشدّد سمور على أن الفلسطيني لا يملك أرضاً أخرى يرحل إليها، وأن العالم اليوم ليس كما كان في عام 1948 أو 1967، ما يجعل خيارات التهجير القسري غير قابلة للتطبيق بنفس الصورة التاريخية.

ويشير سمور إلى أن المآلات تبدو "صعبة وربما خطيرة"، في ظل واقع اقتصادي منهك وأوضاع أمنية واجتماعية تزداد تعقيداً، حيث بات لكل تجمع سكاني أزمته الخاصة التي تُنهكه وتشغله عن المشهد الأوسع. 

ورغم ذلك، يرى سمور أن الشعب الفلسطيني لطالما فاجأ العالم بأحداث غير متوقعة في اللحظات غير المتوقعة، لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى عدم الاتكال على الغيبيات، مشيراً إلى أن "مفتاح الحل هو زوال الاحتلال"، وهو أمر لا تظهر ملامحه في الظروف الراهنة.

ويلفت سمور إلى أن كارثة الضفة الغربية لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي بسبب هول الكارثة الإنسانية في غزة، إلا أن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الضفة "تواجه مأساة متصاعدة تمس كل تفاصيل الحياة اليومية لسكانها".

 

 

استراتيجية طويلة المدى لإفراغ الأرض من أهلها 

 

يؤكد الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن العمليات العسكرية الأخيرة التي نفذتها قوات الاحتلال في محافظة طوباس والاقتحامات المتكررة للمدن الفلسطينية، إلى جانب إغلاق مقرات اتحاد لجان العمل الزراعي وفتح المجال أمام عنف المستوطنين، ليست حوادث عشوائية، بل جزء من نمط استراتيجي طويل المدى يهدف إلى إفراغ الأرض من أهلها وتغيير الوقائع على الأرض. 

ويوضح أن الاقتحامات واسعة النطاق التي شهدتها طوباس في نهاية نوفمبر وبداية ديسمبر 2025، التي شملت انتشار مدرعات واعتقالات وفرض قيود على الحركة، تمثل تصعيدًا ميدانيًا يهدف إلى تحطيم قدرة المجتمع المحلي على الصمود والعيش الكريم.

ويشير خريشة إلى أن إغلاق مقرات مؤسسات تخدم المزارعين، مثل اتحاد لجان العمل الزراعي في البيرة والخليل، يعكس بعدًا منهجيًا يستهدف عماد الاقتصاد الريفي الفلسطيني، بما في ذلك الأرض والمحاصيل وشبكات الدعم التي تحافظ على سبل العيش. 

ويوضح خريشة أن هذه الإجراءات تعطل مواسم الحصاد، وتضعف الإنتاج، وتجرد آلاف الأسر من دخلها ومصدر رزقها، ما يحوّل الضغوط الاقتصادية إلى سبب مباشر لهجرة الشباب والعائلات بحثًا عن فرص بديلة.

ويؤكد أن أعمال عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بما فيها الاعتداء على أشجار الزيتون، تزداد بصورة ملحوظة، وأن الإفلات من العقاب يجعل هذه الأفعال أداة لتطهير مناطقي تدريجي. 

ويشير خريشة إلى أن التقارير الأممية وفرق الإغاثة توثق عشرات الهجمات أسبوعيًا، مع نزوح عائلات بفعل الاعتداءات، ما يوضح التأثير المباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

ويربط خريشة هذا المزيج من الضغوط الميدانية والقانونية بالتوسع الاستيطاني المتسارع، إذ توفر سلطات الاحتلال مخططات بناء وتشريعات وتسهيلات تقنية لضم مزيد من الوحدات السكنية والمواقع الاستيطانية، ما يغير الطابع الديموغرافي والجغرافي للضفة الغربية ويقلص الفضاء المتاح للمجتمعات الفلسطينية. 

ويشير إلى أن النتيجة السياسية والإنسانية واضحة: حملة مركبة تهدف إلى إضعاف الفلسطينيين ماديًا ونفسيًا، ودفع أعداد كبيرة، خاصة من الشباب، إلى الهجرة أو الاستسلام للواقع الصعب.

ويؤكد خريشة أن هذه السياسات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل خطة استراتيجية لتوسيع السيطرة على الأرض، محذرًا من أن استمرارها دون رادع دولي وسياسات تقوي صمود المجتمعات المحلية سيؤدي إلى فقدان الفلسطينيين لأجزاء أكبر من أرضهم وتهديد وجودهم في الضفة الغربية.

دلالات

شارك برأيك

اقتحامات الضفة.. مخطّط متدحرج للتهجير ومأسسة الضم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.