أقلام وأراء

الأحد 02 نوفمبر 2025 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنعانيون ينتظرون المتحف الكبير

قد بدأت مؤشرات البحث تفقد المتحف المصري القديم الأحمر، الذي زرته ثلاث مرات حين كانت تذكرته ٢٠ جنيهاً للعرب، الذي افتتحه الخديوي عام ١٩٠٢، في حين كل الأنظار تتجه نحو افتتاح المتحف المصري الكبير، وهذا يعني أن يتلاشى الاهتمام بالمتحف القديم شيئاً فشيئاً، حتى يصبح مهجوراً، ومصيره كباقي مباني مصر التي هجرت، لذلك لأهمية هذا المتحف القديم، لا بد أن يبقى فيه شيء مميز عن المتحف الكبير، ويُجبر الزوار على ارتياده، وهو أن يتحول مجمعاً لكل البرديات المصرية القديمة، إضافة إلى مخطوطات ما قبل الاسلام، وبالتالي يصبح مجمعاً علمياً خاصاً بباحثي علم البرديات، ونفصله عن الآثار، حيث بالأساس كانت تعرض الآثار مع البرديات في المتحف نفسه، لكن انبهار القادمين بالآثار يجعل البرديات بالدرجة الثانية من الاهتمام.

إذا تكررت التجربة وعرضت البرديات مع الآثار في المتحف الكبير، فستفقد بريقها أمام أهم مجموعات أثرية، منها مجموعة آمون التي ينتظر العالم عرضها. إذاً، الحل فصل البرديات عن الآثار، ويصبح المتحف القديم متحفاً للبرديات ومجمعاً علمياً لها، وما طرحه فاروق حسني صاحب فكرة المتحف الكبير هو أن يتحول مقراً لعلم المصريات، ولكن من الممكن أن يخصص مبنى آخر لذلك، لكن أهميته ستكمن في بقاء البرديات، واستجلاب المخطوطات، وبالتالي يصبح المبنى الوحيد المخصص والمتفرد في ذلك، وبالتالي سيجبر كل من يزور المتحف الكبير على زيارة المتحف القديم بموقعه المميز، في ميدان التحرير، إضافة إلى توافد باحثي العالم في علم المخطوطات والبرديات، وقد زرت ٦ متاحف عربية: متحف العراق في بغداد المساحة المبني عليها فعلياً ٤٥٠٠ م٢،  ومتحف قطر ٥٢ ألف م٢، متحف القاهرة القديم في التحرير مبني على ١٣ ألف م٢، ومتحف الأردن ١٠ آلاف م٢، ومتحف باردو في تونس يتربع على ٢٠ ألف م٢، والمتحف المركزي في الجزائر ١٧ ألف م٢، بينما المتحف المصري الكبير الذي سيتم افتتاحه ١٣٠ ألف م٢، أي أن مساحة المتحف الكبير تفوق مجموع كل ما سبق من المتاحف الستة التي رأيتها، وتتجاوز مساحته متحف اللوفر باريس الذي يعد أكبر متحف في العالم بمساحة ٦٠ ألف م٢، أي أن المتحف المصري يفوق اللوفر بـ٤٠ ألف م٢، لكم أن تتخيلوا أن كل هذه المساحة بالكاد تتسع لآثار مصر، حيث هناك آثار بقيت في المتحف القديم، وفي الأقصر وأسوان، وغيرها من المناطق، شيء عظيم حجم ما تركته الحضارة المصرية، وهو يفوق الحضارة السومرية والآشورية والكنعانية والفينيقية، فيما اليونانية والرومانية موزعتان على عدة دول.

لذلك، أعتقدأن اهتمام الفلسطينيين بالحدث نابع من قرب هذه الحضارة من أرض كنعان، والعلاقة التاريخية بينهما، وتجسد ذلك لوحة مكتشفة في قرية بني حسن المصرية لقبيلة كنعانية، ورسائل تل العمارنة التي وثقت ١١٩ مدينة كنعانية، إن كتابة تاريخنا الفلسطيني لا يمكن أن تكون بمعزل عن الحضارات المحيطة، والحضارة المصرية أهمها، إن حدث افتتاح المتحف المصري ذو أهمية عالمية، لما يصاحبه من مفاجآت العرض، على غرار موكب المومياوات الملكية، وقد تكمن أهمية الحضارة المصرية في مراكمة الأسر الفرعونية على توثيق حضارتها، وكل ملك يأتي يكمل مسيرة من قبله، لذا نجد توثيقاً لـ٣٠ أسرة مصرية بشكل متكامل، وهذا التراكم متفرد فقط في مصر، ولم نجد أثره في حضارات أخرى ذكرت تاريخها بشكل متقطع، غير متكامل بهذا الشكل الفريد، لتترك أثراً فاق ٧٠٠٠ عام.

وللأسف، الحالة العربية اليوم في تراجع، لأنها لا تقوم بالعملية التراكمية، التي ظهرت في الحضارة الفرعونية، التي تحترم حتى عمالها، وبُناتها حيث كشفت البرديات والمقابر تفاصيل حتى عن بناة هذه الحضارة، ما يدل على الاهتمام بالتفاصيل، ومركزية الحكم التي ظلت طوال كل هذه القرون، وهذا ما يختلف عن الكنعانيين الذي كان حكمهم غير مركزي، وأدى ذلك إلى عدم التوثيق الصحيح لتاريخهم، وهذا ما يستغله الاحتلال اليوم في عمليات تهويد الرواية الفلسطينية. لذا. فإن ترقب حدث المتحف المصري جزء من كتابة تاريخ المنطقة المحفوظ فيه، وسيخلق مساحة أكبر للبحث العلمي في مكان واحد، وليس أماكن متفرقة في مناطق عدة على امتداد مصر.

دلالات

شارك برأيك

الكنعانيون ينتظرون المتحف الكبير

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.