بعد الحرب، في السابع عشر من أكتوبر 2025،
قذف البحر حوتًا ضخمًا إلى شاطئ غزة.
كأن البحر ضاق بأسراره،
كأن قلبه لم يعد يحتمل مزيدًا من الجثث أو الصمت.
كان الحوت ساكنًا،
عيناه مفتوحتان على آخر ما رأى من ضوء،
كأنهما مرآتان لحزنٍ عظيمٍ،
فكرة خرجت من رحم الغيب،
يحمل على جلده غضب الموج،
وفي عودته انبثاق الحياة من الموت.
تجمّع الأطفال حوله،
سأل أحدهم:
هل عاد يونس؟
هل توقف القصف؟
هل عاد الأسرى والجثث؟
هل انت آية: من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟
حوت على شاطئ غزة،
أول القادمين المدينة،
أول من ألقى عليها التحية والسلام،
أول من كسر الحصار وأوصل الرسالة.
حوت كبير جاء من سواحل حيفا وعكا،
حمل الحب والحكايات وحجارة النكبة،
ألقى حمولته في غزة.
قاوم الحوت فظائع الإبادة،
تنفس بالماء والإرادة،
في بطنه حكايات الغرقى،
وأسماء المفقودين،
وخبأ في أعماقه أنبياء المقاومة.
الحوت الذي التقم يونس لا زال حيا،
رأيناه في غزة،
هل أخرج من بطنه الله هذه المرة
العدالة الإنسانية والرحمة،
صوت البحر الذي يرفض أن يكون مقبرة؟
غزة تقول: أن الله أرسل علامة:
الحق أقوى من المدفع والطائرة،
الحوت يحفظ التاريخ والرواية،
هل رأيتم كيف سال الدم والملح،
وتوهجت الذاكرة ؟
ولولا أن يونس الغزي كان من المقاومين المؤمنين،
للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون.
الصوفيون يقولون: إن الحوت رمز الوجود الأعظم الذي حمل غزة على ظهره،
الحامل والمحمول يظهر حين تختل الموازين بين الأرض والسماء،
وظهوره يعلن: أن الأجساد قد تفنى في الحرب،
ولكن الله يعيد خلقها من نور وماء،
حوت غزة ابتلع الموت لتنجو الحياة،
الحرية هي البحر،
والبحر هو الله.
اقتربت منه امرأة، كانت تحمل الف قبر وصرخة،
وقالت له:
هل انت رحمة أم ابتلاء؟
فأجابها: انا آية شعب يصلي ليل نهار حبا وعبادة،
وكل من توضأ ببحر غزة،
قد توضأ بماء القيامة.
انا حوت غزة،
كنت في ظلمات ثلاث:
البحر والإنسان والغياب،
رأيت غزة تذبح بكل أنواع القنابل المدمرة،
رأيت الاطفال والنساء والاشلاء،
رايت وحوشا تاكل غزة وتحولها إلى حطام وردم،
عجزت السماء عن الصبر،
أرسلني الله بعد أن امتلأ البحر بالدم.
من البحر بدأ كل شيء وفي البحر ينتهي،
صار الحوت حارس الحدود،
بين الوجود والعدم.
تمدد الحوت على الرمل،
في جوفه الخبز والنار والأسماك والذكريات المقصوفة،
سمعته يقول:
كنت أبتلع صرخاتكم لأخفيها عن الملائكة،
لكنها أثقلتني،
لا يحتمل البحر هذا القدر من الصلوات المقطوعة.
حوت قذفه البحر الى شاطئ يعرف معنى الفقد،
حوت في داخله اختبار للبطولة الانسانية،
رمز للصراع بين الحرية والقدر،
من يواجهون العواصف والنازلات،
ومن يرضخون للعمق،
في غزة هناك حبل وريد بين خيط الدمع وخيط المطر.
بحر غزة لفظ آخر أسراره الثقيلة،
وقال: خذوا هذا الدليل على اني ما زلت أؤمن بالخلاص والنجاة،
واني هنا لا اهرب إلى أي بحر أو محيط،
ولا اعطي كنوزي إلى أية يابسة،
غزة في بطني منذ ألفي عام،
تنتظر امواجي العالية.
ذاكرة البحر المتوسط،
ذاكرة الوحدانيات الثلاث،
تستيقظ،
التجار والحالمون والفلاسفة،
ذاكرة الحرية البشرية،
هوميروس جعله طريق الاوديسا الطويلة،
والمتنبى رآه حدا للمدى وسيفا للكتابة،
ودانتي رآه معبر الارواح الى الرياح،
ودلال المغربية رأته قاربا لعملية فدائية.
قال حوت غزة:
رايت في الاعماق مدنا بلا قيعان،
وجثثا تصعد للسماء جماعات جماعات،
رايت العالم يصيد في الماء المقدس،
ويبيع لحم الحقيقة في الأسواق وعلى الشاشات،
رايت أن الضوء لا يخلق من الشمس، بل من زنزانة معتمة.
توقع جنرالات الإبادة أن هذا الحوت الفلسطيني قد مات أو انقرض،
البحر امتلأ بالقذائف والسموم،
وأنه شوهد وهو يمخر البحر تاركا سواحل تل أبيب،
وسابحا إلى ساحل غزة،
اسرائيل تخشى أن هذا الحوت يحمل الطعام والاسلحة.
غزة الوحيدة القادرة على احتضان اكبر كائن بحري،
هذا الحوت فيه سر الخليقة،
وفيه فكرة العودة:
أن يعود الإنسان من الموت إلى الموج إلى البيت.
الحوت وصل قبل الامم المتحدة إلى غزة،
لا يحمل بيانا ولا يدعو لعقد مؤتمرات،
رسول الماء والملح والطين والصرخات إلى ضمير الكون،
الرحمة الحيوانية سبقت الرحمة السياسية،
البحر استجاب قبل أن يجتمع مجلس الأمن.
حوت في غزة،
آخر الشهود،
خرج من ليل البحر ليقول للناس:
أن الحرية لا تصاد بالقنابل والسجون،
ولا تخزن في صناديق الامم،
ولا تقاس بخطاب أو هدنة،
الحرية هي الغوص في الاعماق،
السباحة ضد التيار وكسر القيود،
شمشون مات في غزة،
وعاشت دليلة.





شارك برأيك
الحوت الذي لفظه البحر في غزة