أقلام وأراء

الخميس 16 أكتوبر 2025 8:30 صباحًا - بتوقيت القدس

سلام ترامب .. المشروع التصفوي والبديل الفلسطيني الممكن

منذ اللحظة التي أعاد فيها دونالد ترامب ومعه توني بلير، إطلاق الحديث عن "خطة السلام الجديدة"، كان واضحا أن الهدف ليس تسوية الصراع، بل إعادة هندسة المنطقة والحالة الفلسطينية بما يخدم الرؤية الأميركية– الإسرائيلية وتثبيت مزاعم انتصار إسرائيل بالأسلحة الأمريكية وفق وعد صهيون الذي اشار له ترامب أمام الكنيست. فالخطة ليست سوى امتداد لمشروع تصفية سياسية متكاملة، تبدأ من غزة ولا تنتهي عند حدود الضفة الغربية، وتستند إلى فرض أمر واقع جديد عبر أدوات محلية وإقليمية تُقدم بغطاء "دولي" مُختار.

هذه الرؤية، التي تُسوق إعلاميا بأنها "مرحلة ما بعد الحرب" أو "سلام الشرق الأوسط الجديد"، تتضمن في جوهرها إعادة هندسة وتشكيل البنية الفلسطينية عبر لجان إدارة مؤقتة ومجالس تكنوقراط تُفرض من الخارج وتُفرَّغ من أي مضمون وطني تحرري لتكون بإشراف من أجرم بحق العراق وبحقنا سابقا طوني بلير. إنها محاولة لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية التي تجاوزها مؤتمر شرم الشيخ من المشاركة بالتوقيع كممثل شرعي وحيد رغم ان الاتفاق قد جرى بين إسرائيل وحماس بوساطة أمريكية وتركية ومصرية وقطرية كل منهم له مصلحة بالبحث عن دور بالشرق أوسط الجديد، بالرغم أن المنظمة بحاجة اليوم إلى إصلاح شامل واستنهاض نظامنا السياسي الفلسطيني المثقل بالأزمات، بما يشمل مؤسساتها وهيكل السلطة الوطنية، وذلك بقرار وطني مستقل قائم على الديمقراطية الانتخابية والشفافية والنزاهة ومصالح شعبنا الوطنية اولاً، ليكون لديها القدرة على مواجهة الأملاءات الأمريكية ومحاولات فرض تشكيل سلطة فلسطينية "متجددة" مفروضة من الخارج.

وفي خضم هذه التحركات، لا يمكن إغفال المشهد البروتوكولي المزيّف الذي رافق مؤتمر "السلام" الأخير في شرم الشيخ من مشاهد مقصودة لتجميل مشروع خطير يراد تمريره على أنه تسوية تاريخية، بينما هو في الحقيقة غطاءٌ لتكريس الاحتلال بمفهومه الكولنيالي وتمديد عمره السياسي وإخراجه من عزلته الدولية وأزمته الداخلية، ومحاولة للالتفاف على انتفاضة التضامن الدولي الشعبي المتصاعدة وعلى سلسلة الاعترافات الاخيرة بدولة فلسطين، وعلى المبادرة السعودية– الفرنسية التي تأسس عليها مؤتمر نيويورك قبل اسابيع على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي كانت قد فوضت محكمة العدل الدولية منذ العام الماضي بإصدار رأيها الأستشاري الذي قضى بوجوب إنهاء الاحتلال وبسقف زمني، غير تلك القرارات التي اتخذتها بأغلبية كبيرة بشأن قضيتنا السياسية وعدوان الابادة على غزة والتوسع الكولنيالي بالضفة بما فيها القدس.

لكن أمام هذا المشهد الذي تستثني منه وثيقة ترامب وبلير الحقوق السياسية لشعبنا بما فيها حق تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة ذات السيادة، يبرز اليوم بديل فلسطيني واقعي ومتماسك، فلم يعد أمامنا سوى استعادة الإرادة السياسية الفلسطينية المستقلة والموحدة كأساسٍ لأي مواجهة وطنية مع تلك المشاريع القديمة الجديدة، مع استثمار ما تعلمته "حماس" كما هو مفترض من تجربتها بأن حكمها لغزة لا يمكن أن يكون دائما أو منفرداً، وأن الانفتاح على الحوار والتوافق الوطني ضرورة لضمان استمرارية القضية الفلسطينية وحماية الشعب الفلسطيني، الامر الذي نأمل لان يكون جاداً ومخلصا بعد وقف عدوان الإبادة ومحرقة القرن الحالي والمراجعة النقدية لما حصل رغم تأخره.

واليوم يجب ان تُترجم هذه الإرادة بخطوات عملية تبدأ من إعلان دولة فلسطين تحت الاحتلال وفق ما اعلن عنه الرئيس أبو مازن في وقت سابق، وذلك وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قرار الجمعية العامة رقم ٣٢٣٦ والاعتراف بدولة فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة لعام ٢٠١٢، واستنادا إلى القانون الدولي الذي يؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال، لا تجميله . وفي إطار هذه الخطوة، يتم تشكيل حكومة توافق وطني فلسطيني de facto ، تحت مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها صاحبة الولاية السياسية والجغرافية على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة، وتتمتع بكافة الصلاحيات القانونية والسياسية اللازمة لإدارة شؤون الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، بما ينسجم مع صلاحيات السلطة الوطنية المنصوص عليها حتى في اتفاق أوسلو الذي رعته الولايات المتحدة كما وسياقات القانون الدولي التي أنكرت لها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً .

بهذا الشكل المستند الى نصوص القانون الدولي والمعاهدات الدولية، تُقطع الطريق على أي محاولات أميركية– إسرائيلية لإنشاء مجالس أو لجان بديلة تُدار وفق "خطة ترامب– بلير"، أو تحت ما يسمّى بـ"مجلس السلام" الجديد او فرض السلام المزعوم بالحروب، الذي يُراد له أن يقرر مصير غزة و"المعازل الجغرافية " بالضفة الغربية لاحقاً دون القدس المحتلة ودون الأغوار ومناطق المستوطنات الأخرى، بمعزل عن إرادة شعبنا الفلسطيني . هذه الحكومة التي أشرت لها ليست مجرد إجراء رمزي، بل ركيزة لإعادة وحدة القرار الفلسطيني المستقل المطلوبة في هذا المفصل التاريخي من قضية شعبنا، ولتحصين الكيانية الوطنية، وحماية الشعب الفلسطيني من الوصاية الاستعمارية الجديدة دون قرار أممي .

إن ما يهم اليوم ليس المناكفات السياسية أو الصور البروتوكولية، بل مصير الشعب الفلسطيني وقضيته التحررية الوطنية . الحل لن يأتي من تفاهمات الغرف المغلقة ولا من محاولات ترامب استثمار تلك الصور والتواقيع لتمرير مخططاته، بل من وحدة القرار الفلسطيني وإرادته الحرة، ومن استعادة الشرعية الوطنية كاملة على الأرض تحت الاحتلال لحين الاستقلال الوطني، بما يحمي الحقوق التاريخية والدستورية للشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة وخاصة قرارات الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة بالأغلبية المطلقة التي اتخذتها قبل شهر في دورتها الاخيرة وبما عكسته من إجماع أممي حقيقي يمثل شرعية دولية يتوجب الاستناد عليها، لا على ترامب الذي منع الرئيس محمود عباس نفسه من الحضور اليها وجاهيا. فمن لا يملك قراره لن يملك مصيره، ومن لا يملك وحدة كيانيته لن يملك مستقبل وطنه.

دلالات

شارك برأيك

سلام ترامب .. المشروع التصفوي والبديل الفلسطيني الممكن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.