أقلام وأراء

الأحد 12 أكتوبر 2025 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

بوضوح .. بنيناها طوبة طوبة

استمعتُ إلى الصحفي محمد الأسطل، وهو يقف أمام ركام بيته، قائلًا: هذا الركام ركام بيتي الذي بنيتُه طوبةً طوبةً، بيتٌ مكوَّن من طابقين وحديقة، وفي الصورة دمارٌ كبير لم يُبقِ له شيئًا. واصل قوله، وفي عينيه دمعُ الألم، كأنه ينزف دمًا من أعماقه، وفي صوته لهاث الذكريات. إنَّ الاحتلال دمّر ذكرياتنا ونسفها، لم يُبقِ لنا من ذكرياتنا شيئًا، قصف أعمارنا، وقصف أحلامنا، وقصف مستقبل أطفالنا وشبابنا. إنها الدموع مرآة حجم الفقد، والخسارة والوجع. مئاتُ الآلاف من الناس وقفت أمام ركام بيوتها كحال محمد الأسطل، منهم من سقط قلبه، ومنهم من ضاق الكلام في فمه، ومنهم من وقع مغشيّاً عليه من هول ما رأى.
توقفت عمليات القصف المباشر، وبدأ الناس في غزة يعيشون فصل المعاناة الأكبر، وهم يشهدون الخراب في كل ركن وكل زاوية، وفي غياب العائلات التي شطبت أسماءها من السجلات المدنية، وغياب الأب والأم والأبناء، وفي كل عائلة قصة وجع تفطر القلب. أيتام وثكالى وأرامل، وجرحى بترت الحرب اعضائهم كما بترت أحلامهم وأمنياتهم.
الحرب التي سحقت غزة بأطنان القنابل والصواريخ، وبكل وسائل القصف والتكنولوجيا الحديثة والمتطورة، وأساليب الذكاء الاصطناعي العسكري، الذي استخدمه الاحتلال كقوةٍ فوق القوة، جعلت من قطاع غزة قطعة خراب كبيرة، فاقدة لكل مقومات الحياة والعيش، وفاقدة لكل الشواهد والأسماء والأحياء والطرقات التي كانت عليها.
وما إن دخلت ساعةُ وقف الحرب حيّز التنفيذ، حتى عادت جموعُ النازحين مشيًا، وزحفًا على نبضات قلوبهم، فغرقت الصور في الطوفان البشري العائد إلى مدينة غزة، شمالِها ووسطِها وجنوبِها. وهذه فطرةُ الفلسطيني الذي انفطر قلبه، أن يتمسك ويتشبث بأرضه ووطنه، ولو عاد إليها فوق الركام، عاقدًا العزم على البناء ثانيةً، ممسكًا بمفتاح بيته الذي دمرته آلةُ الحرب.
مشاهدُ العودة للنازحين، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، كانت معبَّأةً بفرحة وقف الحرب، وفرحة الرجوع، وحزن النزوح والفقد والخسارات التي امتدت عقودًا من الزمن، في مواكبة الأجيال بين النكبة والنكسة والإبادة.
غزة اليوم تنتظر عودة الحياة، تنتظر أن تقوم ثانية من بين الركام، وأن تستعيد بناء كل ما دمرته الحرب. فسلامًا لك يا غزة، سلامًا على شمالك وجنوبك، على شيوخك ونسائك وأطفالك، مع كل نسمة هواء وكل حبة رمل وكل حفنة تراب، ومع كل تهليلة وكل تكبيرة وكل صلاة.

دلالات

شارك برأيك

بوضوح .. بنيناها طوبة طوبة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.