أقلام وأراء

الأربعاء 10 سبتمبر 2025 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

فيلم "هند رجب" صرخة ضمير مدويّة قد تحرك العالم لوقف الحرب على غزة



د. هاني العقاد

كثيرة هي أصوات الأطفال الضحايا في غزة منهم من أوصل صوته للعالم قبل ان تقتله رصاصات الاحتلال الحاقد او تمزق جسده الرقيق قذائف الدبابات او تحرق لحمه الطري صواريخ الطائرات المسيرة التي ترمي بحممها على خيام النازحين في غزة ، كان صوت الشهيدة (هند رجب)  ابنه الستة أعوام واختها ( ليان) واحدا من هذه الأصوات، فقد وصل  صوت " هند رجب " مسامع كل الشعوب في كل بقاع الارض قبل ان يقتلها الاحتلال بعد ان كانت الناجية الوحيدة من عائلتها عندما أطلقت عليها الدبابات الإسرائيلية النيران وقتلت ستة من أفراد عائلتها بلا رحمه ولا شفقة ولا اكتراث للإنسانية. في التاسع والعشرين من يناير 2024 تلقى الهلال الأحمر الفلسطيني اتصالا من آخت (هند ) ( ليان حمادة) 14 عاما٫ حيث طلبت المساعدة وقالت ان دبابة إسرائيلية قامت بإطلاق الرصاص على سيارتهم في منطقة دوار المالية بحي تل الهوي بغزة، ما هي الا هذه الكلمات حتى سمع صراخ الطفلة (ليان) وصوت كثيف لإطلاق النار عبر الهاتف الذي تم توثيقه من قبل إدارة الإسعاف بالهلال الأحمر الفلسطيني, توقفت المكالمة ولم تعد (ليان) تتحدث إلى المسعفين فقد مزق جسدها رصاص الدبابة الإسرائيلية  القريبة من سيارتهم وانقطع الاتصال وحاول المسعفون إعادة الاتصال لكن دون جدوى. ( هند رجب ) من بقيت على قيد الحياة في السيارة تناولت الهاتف من اختها وبدأت تتحدث مع ضابطة الإسعاف التي ساألتها " انت بالسيارة , ردت هند انا بالسيارة والدبابة بتتحرك جنبنا .., فقالت لها المسعفة خليكي بالسيارة , فردت هند ..اهلي كلهم ميتين , وطلبت من ضابطة الإسعاف ان تبقى معها على الهاتف وتأتي لأخذها", كانت هذه الكلمات الأخيرة ( لهند)  قبل ان تمزقها رصاصات جديدة من الدبابة الإسرائيلية وتلتحق بأختها (ليان ) وباقي افراد عائلتها، طاقم الاسعاف بجميعة الهلال الاحمر انطلق على إثر ذلك لإنقاذ الطفلة (هند) وباقي العائلة  لكن للأسف انقطع الاتصال بالطاقم نفسه فيما تأكد بعد ذلك تعرض سيارة الإسعاف للقصف من قبل الدبابات الإسرائيلية. بعد 12 يوما من فقدان الاتصال بسيارة الإسعاف وفقدان الاتصال (بهند رجب) وافراد اسرتها تم العثور على جثامين الشهداء الطفلة (هند رجب) وجميع افراد عائلتها، كما وتم العثور على سيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني مقصوفة وفيها جثث المسعفين اللذين فقدت آثارهما اثناء مهمة انقاذ الطفلة (هند رجب) .
 حادثة واحدة لم تستغرق أكثر من دقائق لكنها كانت على الهواء مباشرة وبالتسجيل الصوتي وهي حادثة من اكثر من 15 الف حادثة قتل لأطفال فلسطينيين في ظروف مشابهة وبعضهم مازال مفقودا حتى الآن, حادثة (هند رجب) وعائلتها تحاكي مئات الحالات بل الاف الحالات المشابهة، قصص لم  تسجلها الكاميرات ولم تسجلها الهواتف الذكية  كانت ومازالت تحدث منذ  أكثر من 700 يوم من الحرب البشعة, حرب الإبادة والتطهير العرقي, قصص تشيب لها الابدان, وتهتز لها ضمائر الإنسانية , ويندى لسماع صرخات الأطفال الضحايا جبين الإنسانية العاجزة عن فعل شيء او ان تقدم لهم أي مساعدة او حماية حتى الان . تفاصيل مرعبة في كل حادثة وكلمات قاسية لضحايا صرخاتهم هزت ضمائر الشعوب، وهي صرخات ما تزال تطالب العالم بالتدخل لحمايتهم ووقف ابادتهم مع عائلاتهم. المهم في هذه الحادثة  انها وصلت كل بيت حر وارتعدت لها كل اركان الإنسانية الحقيقية عبر صوت (هند رجب) , ترددت كلماتها عبر الهاتف لطواقم الإسعاف بنجدته وتأكيدها ان الدبابة الإسرائيلية تطلق الرصاص نحوها, الجديد ان صوت (هند رجب) وصل ارجاء الدنيا من خلال فيلم قصير للمخرجة التونسية ( كوثر هنية) ,هذا الفيلم عرض على شاشة مهرجان البندقية ليخلد صوت وصورة (هند رجب) وأختها ليان وهما يلفظان انفاسهما الأخيرة على الهواء مباشرة  لينال جائز "الأسد الذهبي"  والاوسكار, تصفيق على مدار من 22 دقيقة  واكثر من قبل كافة السينمائيين الحاضرين من مخرجين وممثلين وفنانين عالميين وامريكان , هذا التصفيق يعكس حالة انسانية تجلت في صورة وصوت لدقائق يبرهن ان الفلسطينيين يتعرضون لحرب إبادة ممنهجة بلا حماية وبلا تدخل دولي.
 كلمات قبل الموت، "خليكي معي" , "تعالى خديني... الدبابة بتطخ علينا ,لا تتركونا " وفي الخلفية صوت ازيز الرصاص يقطع الكلمات الأخيرة لتتوقف انفاس هند وترتقي شهيدة. الفيلم لاقى احتفاء دوليا فنيا كبيرا لأنه كان بمثابة صوت ينادي الإنسانية المفقودة او التي غيبت في هذه الحرب ولم تحضر لإنقاذ أطفال فلسطين الذين مازالت تطحنهم هذه الحرب اللعينة على مرأى ومسمع العالم, صوت (هند رجب) شرح باختصار لحظات الرعب قبل الموت ولحظات الموت ذاتها فقد لفظت هند أنفاسها الأخيرة وسماعة الهاتف علي شفتيها, انه فيلم لصورة وصوت حقيقي وليس تمثيلا ينقل مأساة الفلسطينيين في غزة  للعالم والتي لم تتوقف على مدار اكثر من 700 يوم من حرب لا يبدو لها نهاية, ولا يبدو في الأفق لو ضجيج عالمي رسمي يصل لحد اتخاذ إجراءات رسمية حقيقية للضغط على اسرائيل لوقف القتل والدم والدمار , ويعيد الامل  في الحياة لهؤلاء المعذبين من الأطفال والنساء والرجال  في غزة.
لقطة ثانية في الفيلم حين قبل الطفل الجائع (عبد الرحيم الجرابعة )  الملقب ب" أمير" يد أحد المتعاقدين من تسمى (مؤسسة غزة الإنسانية) بعد حصوله على بعض (العدس والأرز) فيما تحول " أمير" الى شاهد حي على سياسة التجويع والعبودية والقتل التي يمارسها أعضاء هذه المؤسسة بزعم انها تقدم الطعام لضحايا الحرب في غزة وهي ليست أكثر من مؤسسة تعمل بغطاء انساني تساهم في القتل والإبادة الجماعية , فلم يخلو يوم منذ انطلاق اعمال هذه المؤسسة من القتل والاختفاء للعديد من الأطفال والشبان , قتل دون رأفة او رحمة وكأنهم يصطادون حيوانات ليس أكثر. الطفل (عبد الرحيم ) الملقب ب" أمير" قد يكون قتل بعدما جمع بعض الطعام برصاص الجنود في الموقع، وهو عائد الي خيمته على اعتقاد انه يعود ببعض الطعام لوالدته واخوته اليتامى، هذا هو الاعتقاد السائد، لكنه لم يعد حتى الان ولم يعرف مصيره حتى الآن لان القتل هناك امر رئيسي، واصطياد الجوعى والتلذذ بقتلهم امر قد يكون ذا ابعاد عقائدية لدى الجنود الإسرائيليين وهواية يمارسها الجنود الامريكان.
الفيلم كان عبارة عن صرخة ضمير مدويّة قد تحرك العالم لوقف هذه الحرب المجرمة، يعرض صورتين قريبتين جداً من بعضهما، لأن النهاية واحدة وهي الموت والقتل بالرصاص، الاولى للطفلة ( هند رجب)  التي اعتقدت ان سيارة أهلها يمكن ان تحميها من رصاص الاحتلال الإسرائيلي مع أسرتها، والثانية لطفل يتيم جائع حاول الحصول على بعض الطعام من (مؤسسة غزة الإنسانية) معتقدا انها مؤسسة انسانية حضرت الى غزة لتقديم الطعام وانقاذ الناس من الموت جوعا مع انه قبل الايادي وقدم الشكر كطفل بريء، وقد تكون تلك الايادي التي قبلها هي التي قتلته...!!.  القاتل هو القاتل والموت هو الموت بالرصاص او القنابل الذكية او الغبية او قذائف المسيرات او الدبابات، فكله موت وكلا الصورتين كشفت كم هو المحتل بشع وقاتل مجنون لا يكترث بقواعد الحروب ولا يحترم القانون الدولي الإنساني ولا حتى مبادئ الشرائع السماوية.
صوت "هند رجب"  وصورة “أمير" كانتا لحكايتين الفاصل الزمني بينهما عام تقريبا لكن القاسم المشترك بينهما انهما ضحايا الحرب الهمجية , وهذا الفيلم في حد ذاته توثيق لبعض جرائم الابادة البشعة التي يرتكبها الاحتلال يوميا في غزة. لعل صوت (هند رجب) وصورة المفقود (امير) يكونا سببا في إعادة معظم الحكومات التي مازالت تدعم اسرائيل موقفها وتغير من سياستها الداعمة لإسرائيل والمؤيدة لحرب الإبادة بحق الفلسطينيين، كما غيّر المتعاقد الأمريكي (انتوني اغيلار) موقفه وقدم استقالته من العمل (بمؤسسة غزة الإنسانية) واصبح ناشطا مدافعا عن الضحايا الفلسطينيين واصح يقود التظاهرات في الشارع الامريكي لتطالب بوقف الحرب على غزة . لقد اعلن فيلم ( هند رجب ) لحظة الحقيقة لتحرك العالم ويرد بصوت واحد وصوت جمعي وبسياسة جادة وواحدة ضد هذه الحرب وتعلو في ذات الوقت الاصوات بدلا من الصمت المرعب والدبلوماسية الناعمة عند انتقاد اسرائيل حتى لا تغضب كثيرا، وهذا ما من شأنه ان يعزز التمادي الإسرائيلي في القتل والتدمير والإبادة الجماعية بحق الانسان الفلسطيني وتدمير بنيته المدنية وسحق مدنه واحده تلو الأخرى. انها لحظة الحقيقية ليتوقف الصمت وتبادر دول العالم الحر بما فيها اوروبا التي صمّت آذاننا بالحديث عن حقوق الانسان والحرية بفرض عقوبات على دولة الاحتلال وتوقف تصدير السلاح والذخائر لإسرائيل والتي تستخدمها آلة القتل الإسرائيلية في ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الأطفال الفلسطينيين.

دلالات

شارك برأيك

فيلم "هند رجب" صرخة ضمير مدويّة قد تحرك العالم لوقف الحرب على غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.