د. عزمي أبو السعود
أستاذ علم الجريمة السياسي - جمعية الدراسات العربية
تُمثِّل الحاجةُ اليومَ، في هذه المرحلة، إلى إعادة ترتيب أوراقنا وإعادة صياغة أنفسنا والبحث عن هويتنا الحقيقية وإثباتها، حاجةً ماسَّةً في المجتمع الوطني الفلسطيني في صراعه من أجل البقاء، وعلى وجه التحديد في كفر عقب ومدينة القدس .
هل يحق لأفراد هذا المجتمع المشاركة الفاعلة في البناء الاجتماعي؟ هذا التساؤل يجعل المواطنين في صراع دائم بين إثبات الهوية وإثبات المواطنة، بغض النظر عن الانتماءات الفرعية الأخرى للفرد في الحياة الاجتماعية، كالدين أو غير ذلك من السمات التي تتميز بها أشكال الهوية الاجتماعية لأفراد المجتمع أو الجماعات الاجتماعية المكونة للبناء الاجتماعي. لذا، يتطلب منهم ذلك الوعيَ بأهمية معرفة وإدراك تأثيراتها السلبية والإيجابية على الحياة الاجتماعية للمجتمع، ودور الهوية في اكتساب الفرد سمة المواطنة، باعتبارها السمة القانونية للفرد في المجتمع عامةً وفي بناء الدولة.
فالدولة هي المواطنة التي يعيش فيها الجميع بتساوٍ في الحقوق والواجبات، مع الفصل بين السلطات، وملكية الإدارة الحرة للجماهير. وهي أيضًا تمثل جزءًا فاعلًا من محيطها الإقليمي، وتشارك بفعالية في حفظ الأمن والسلم والاستقرار. هذه الدولة هي التي يحلم بها الجميع كموطن قومي خاص في تجانس وتناغم بين أفراده. من هنا، يتردد في أذهاننا هذا السؤال: هل يمكن الوصول إلى تحقيق هذه المطالب من الدولة؟ وبطبيعة الحال، تُعد هذه المرحلة الحلقة الأضعف في سلسلة محطات بناء الدولة، مما يتطلب وضوحًا وجلاءً كبيرين لاستحقاقات هذه المرحلة، والتي يؤكدها علم تخطيط بناء القيم والهوية بحتمية إنجاز مشروع لبناء الهوية الوطنية الواحدة والجامعة لكافة المكونات.
يُعد البحث في الأسباب المؤدية إلى الوضع الراهن لمنطقة كفر عقب من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها التعرف على مجموعة العوامل الاجتماعية التي يمكن أن تساهم في خلق الأمراض الاجتماعية والتفكك الاجتماعي، إذا ما تعمقت الهوّة الفاصلة بين الهويات الاجتماعية التي تتميز بها الجماعات الاجتماعية المؤلفة للبناء الاجتماعي في المجتمعات الإنسانية. وذلك من أجل دراسة العلاقة بين بناء الهوية والمواطنة وتأثيرها في الحياة الاجتماعية في هذا العصر، ومدى مساهمتها في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية على وجه الخصوص.
إن المواطنة، بشعورها الوجداني الموحِّد، تُعد من أهم ثلاثة ركائز تقوم عليها الديمقراطية، فضلًا عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني. وعلاقة المواطنة بالهوية هي عملية تعزيز لدور الفرد في المشاركة الفاعلة في البناء الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية، إذا ما وُجد نمط من التوافق والتطابق بين الهوية الاجتماعية العامة القائمة على مجموعة من الأسس، وبين الانتماء الجغرافي لمجتمع ما. والعولمة هي عملية توحيد المجتمعات الإنسانية ودمجها، والتي تتسم بضرورة التعايش بين أفرادها من خلال تحقيق المواطنة. هذا ما نسعى لتحقيقه من خلال دراسة هذا البحث على مدينة كفر عقب.
السؤال المحوري:
ما المصير المرتقب للمدينة بعد التطورات المتصاعدة التي آلت إليها الأوضاع في الآونة الأخيرة؟ مما يؤدي إلى إجمال الأسئلة التالية:
1. من المسؤول عن الفوضى الحاصلة في هذا المجتمع؟
2. هل تسليط الضوء عليها ووضعها موضع سؤال يحسِّن من مكانتها؟
3. هل للضغوط الخارجية المحيطة بها تأثير عليها؟
4. هل لطبيعة السكان المقيمين فيها دور؟
الواقع الحالي لكفر عقب:
كفر عقب بلدة فلسطينية تقع شمال مدينة القدس بنحو 11 كيلومترًا، وإلى الجنوب الشرقي من مدينة رام الله، حيث تبتعد عنها 4 كيلومترات تقريبًا. تتبع إداريًّا لمحافظة القدس. حتى وقت قريب، كانت كفر عقب إحدى الأحياء الراقية في القدس، أما اليوم فقد فصلها جدار الضم والتوسع عن مركز المدينة. وأدى هذا الجدار، بالإضافة إلى القيود المشددة على البناء وهدم البيوت، إلى تحويل هذا الحي إلى ما يشبه "الغيتو" المدني، مثل سكان الأحياء المقدسية الأخرى التي فصلها الجدار عن المدينة.
تعاني كفر عقب من اكتظاظ سكاني كبير بسبب سياسة الاحتلال التي تسمح بالسكن فيها لحاملي الهوية المقدسية (الزرقاء) ليحصلوا على مخصصات التأمين الوطني، وتتغاضى عن غياب التنظيم والخدمات والبناء العشوائي. إلا أن الزحف العمراني أدى إلى تضخم عدد السكان ليبلغ ما بين 60000 و95000 نسمة بحسب تقديرات سنة 2023، معظمهم من الأزواج الشابة المقدسية.
في الماضي، كان السكان يعملون بشكل رئيسي في الزراعة وزراعة الزيتون والزهور وتربية الدجاج. ويوجد في وسط القرية قبر مقدس لشيخ عبد الله. كانت القرية تتكون من أربع عشائر: أبو شريف، وأبو عائشة، وبركات، وجميل. وقد وصفت في عام 2007 كضاحية للطبقة الوسطى.
معظم أهالي كفر عقب من أهل القدس الذين يحملون الهوية الزرقاء، لأن "إسرائيل" تحرم سكان القدس من إقامتهم الدائمة إذا ثبت أنهم يسكنون خارجها، فيضطرون للسكن في كفر عقب. كما يسكنها أيضًا فلسطينيون مطلوبون لأمن السلطة الفلسطينية.
لا تقدم بلدية الاحتلال في القدس أي خدمات صحية أو اجتماعية أو بلدية للمدينة بدعاوى أمنية. وكذلك، فإن السلطة الفلسطينية ليس لها أي نفوذ عليها ولا تستطيع الاقتراب منها أو التصرف في شؤونها. لذلك، أدى هذا الوضع إلى سوء التخطيط، وسوء البنية التحتية العامة، وانعدام القانون المستفحل، مما أدى إلى الفوضى والعشوائية. فاليوم، تنتشر أكوام القمامة في جميع أنحاء كفر عقب، والحفر في كل مكان، والعديد من الطرق غير المعبدة، والأرصفة النادرة. والعديد من المباني السكنية مبنية بما يتعارض مع اللوائح العامة ويتوافق مع جشع المقاولين الذين يهتمون بجني الأموال فقط، حيث يصل طول المبنى إلى 14 طابقًا، وعدد كبير منها قريب من بعضه البعض، تفصل بينهما بضعة أمتار قليلة. كذلك، فإن السيارات المركونة تسد عادة الطرق أمام المركبات الأخرى، وغالبًا ما يلقي المقاولون مواد البناء في منتصف الشارع، مما يؤدي إلى اختناقات مرورية كبيرة، في حين تتسرب مياه الصرف الصحي بشكل روتيني إلى سطح بعض الطرقات. يحاول السكان الحفاظ على النظام بأنفسهم، معتمدين على كبار السن من المحليين والعائلات القوية لحل النزاعات والخلافات. لذلك، قام كل شخص بتطبيق قانونه الخاص، مما أدى إلى تفشي الأنانية الدامية التي لا يعرف لها نهاية.
كفر عقب هي نموذج واضح لعملية التهجير الحديث التي تمارسها سلطات الاحتلال، إذ تخلق بيئة قهرية يضطر فيها الإنسان الفلسطيني إلى الانشغال طوال حياته في محاولة البقاء على قيد الحياة وإيجاد مأوى له، في ظل انعدام أي أمن اقتصادي أو سكني أو سياسي، مما يشكل بيئة خصبة للعنف والجريمة.
ومن خلال البحث والدراسة، توصلت إلى أن هناك عدة عوامل تؤثر في الوضع العصيب الذي تمر به مدينة كفر عقب:
1. البنية التحتية: نظرًا لانعدام المسؤولية وعدم وجود سلطة رقابية، فكل شخص يملك المال هو مسؤول وله الحرية المطلقة في التخطيط والبناء وشق الطرق بما يتماشى مع مصلحته الشخصية، دون الأخذ في الحسبان أي طرف آخر. بل يسعى إلى بناء أكبر عدد من البنايات الشاهقة دون مراعاة شروط السلامة العامة، فالبناية تصل إلى 14 طابقًا ولا تبتعد عن جارتها سوى بضعة أمتار. همه الوحيد هو جمع أكبر قدر من الأموال. والطرق ضيقة، حيث يتسابق المقاولون وأصحاب المال، جشعًا وأنانية، إلى ضم الجزء المحاذي لمبانيهم لزيادة مساحة البناء، دون الاكتراث لحاجة المشاة. فالأرصفة نادرة، والشوارع غير معبدة ومليئة بالحفر. ولا توجد أي خدمات تُقدم لهم لعدم وجود هيئة قائمة على التنظيم. فمياه الصرف الصحي ليس لها منفذ سوى الشوارع، وبواقي مواد البناء والقمامة ليس لها مكان، وكل ذلك يحتل الجزء الأكبر من الشارع.
2. الاكتظاظ السكاني: الحاجة إلى الخدمات التي يتلقاها المواطن حامل الهوية الإسرائيلية (الزرقاء)، وعدم السماح لهم بالبناء في مناطق أخرى، وارتفاع الإيجارات، وغلاء المعيشة، وزيادة متطلبات العائلة، وانخفاض الأجور، كل ذلك دفعهم إلى البحث عن بديل، فأدى بهم للجوء إلى منطقة كفر عقب لتقليل العبء عليهم. مما أدى إلى تجمع عدد كبير من السكان باختلاف بيئاتهم السابقة. لذا، تعددت الثقافات والعادات الاجتماعية، واختلفت النفسيات وأسلوب التعامل واللهجات، وتباين المستوى المعيشي، مما أدى إلى خلق خلافات وصلت في بعض الأحيان إلى نزعات قبلية تطورت إلى الجريمة.
3. الاختناقات المرورية: مع زيادة عدد السكان في المنطقة، وكونها بعيدة نسبيًا عن مركز المدينة، والحاجة الماسة لاستخدام المواصلات لأداء الواجبات اليومية (العمل، المدارس...)، وصعوبة استخدام المواصلات العامة ومحدوديتها، مما اضطر السكان إلى شراء سيارات خاصة لتسهيل التنقل، جاء ذلك عليهم بأمر مغاير وخلق مشكلة جديدة هي الازدحام، لعدم وجود مواقف خاصة وضيق الشوارع، وكونها موجودة على ضفاف الشارع العام الرئيسي المؤدي لمدينة رام الله والقدس. ما زاد الأمر سوءًا بالاختناقات المرورية التي جعلت الوضع فيها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
4. جدار الفصل العنصري: هو الحبل الذي يلف عنق المناطق الفلسطينية المسماة بالضفة الغربية بذريعة الدوافع الأمنية، وبالأخص مدينة كفر عقب كونها الأقرب من الحاجز. فضاق عليهم النطاق بعزلهم عن مدينة القدس، فدفع عددًا منهم إلى تغيير مكان إقامته، وزاد من الاختناقات المرورية، وفرض عليهم قيودًا للدخول أو الخروج عبر الحاجز الذي انتهك الحقوق الأساسية للسكان (معلمين، طلاب، موظفين...) من خلال اجتياز الجدار بشكل يومي لإنجاز مصالحهم. مما جعلهم يحسبوا ألف حساب ويفكروا مئة مرة عند قرارهم القيام بزيارة أقاربهم، خوفًا من العودة إلى المعاناة اليومية على الحاجز. ما أدى إلى حالة من التفكك الأسري والعزلة الاجتماعية، وكان لها التأثير الأكبر من الضغوط التي خلقت بين السكان حالة من التوتر وعدم تحمل بعضهم البعض.
في غياب السلطة وتفشي الأنانية وتعمق الفجوات، يجب تشكيل لجنة منتخبة من السكان تتسلم مهام المسؤولية وتتحكم بزمام الأمور ويكون لها كلمة مسموعة. ومن مهامها:
1. تبني سياسة تتميز بالمساواة، تؤدي إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، وتعزيز الأمن المجتمعي.
2. محاولة الإصلاح في البنى التحتية (تنظيم البناء الجديد، تنظيف الشوارع، تعبيد الطرق، معالجة التمديدات الصحية).
3. تنظيم المرور ووضع قوانين يجب اتباعها في الشارع.





شارك برأيك
كفر عقب.. فوضى واضطراب