منذ سنوات طويلة، يثار جدل واسع حول طبيعة العلاقة غير المباشرة بين حركة حماس وإسرائيل، وهي علاقة تبدو على السطح مواجهة دموية لا تعرف التهدئة، لكنها في العمق تحمل تعقيدات تجعلها أقرب إلى تشابك مصالح متناقضة أكثر منها صراعاً مطلقاً. إسرائيل من جانبها استفادت من وجود حماس في غزة باعتبارها الخصم المثالي الذي يبرر استمرار الحصار والعمليات العسكرية ويغطي على مشروعها السياسي في تقويض فكرة الدولة الفلسطينية الموحدة. فمجرد وجود كيان معادٍ في غزة يتيح لها أن تقدم أمام العالم رواية دائمة عن خطر يهدد أمنها، ويمنحها فرصة لإضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطع الطريق على أي مسار سياسي قد يفضي إلى حل الدولتين.
وفي هذا السياق تحديداً، تشكّل حماس رصيداً ثميناً لليمين الإسرائيلي الذي يرفض التسوية السياسية ويراهن على تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية. فحماس، بخطابها الرافض للاعتراف بإسرائيل وصواريخها التي تنطلق بين حين وآخر من غزة، تقدم اليمين بصورة المنتصر في المعركة الدائمة من أجل "أمن إسرائيل". هذا الواقع يخدم الأحزاب اليمينية في الداخل الإسرائيلي، إذ يوحّد الرأي العام خلفها، ويضعف حجج خصومها من التيارات الوسطية أو اليسارية التي تنادي بالمفاوضات والتسويات. وهكذا يصبح وجود حماس، حتى وإن كان عدائياً، ذريعة مثالية يرفعها اليمين في وجه المجتمع الدولي، مؤكداً أنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن أن يصنع السلام.
أما حماس فقد بنت خطابها وشرعيتها على فكرة المقاومة الدائمة ضد الاحتلال، مدركة أن استمرار المواجهة مع إسرائيل هو ما يمنحها البقاء في صدارة المشهد الفلسطيني. في ظل غياب مشروع وطني جامع أو قدرة عملية على إنهاء الاحتلال، تحولت المواجهة المستمرة إلى رصيد سياسي للحركة، إذ تطرح نفسها باعتبارها الجهة التي لم تتنازل ولم تدخل في اتفاقيات سلام تُفرّط بالحقوق التاريخية. وبهذا المعنى فإن إسرائيل وحماس، رغم العداء المعلن بينهما، عزز كل منهما موقع الآخر على نحو غير مباشر؛ فإسرائيل وجدت في حماس مبرراً لإدامة واقع الانقسام الفلسطيني وصعود اليمين داخلياً، وحماس وجدت في إسرائيل عدواً دائماً يبرر وجودها وخياراتها السياسية والعسكرية.
هذه العلاقة الملتبسة تفسر كيف أن كل جولة حرب بين الطرفين تنتهي بالعودة إلى نقطة الصفر، دون حسم نهائي ودون تغيير جوهري في الواقع. بل إن كل طرف يخرج من الحرب وهو أكثر تمسكاً بخياراته وأكثر قدرة على تبريرها أمام جمهوره. وهكذا تصبح حماس، عن قصد أو عن غير قصد، ألعوبة بيد إسرائيل وذخيرة متجددة لليمين فيها، وتصبح إسرائيل في المقابل العدو الذي يمنح حماس الشرعية والديمومة. وفي النهاية يبقى الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر، عالقاً بين قوة احتلال تفرض سياساتها بالقوة وحركة مقاومة تبرر استمرار الانقسام بذريعة الصراع المفتوح.
غير أن هذه المعادلة لم تبق محصورة داخل حدود فلسطين وإسرائيل، بل انعكست على الإقليم برمته. فبعض الأطراف العربية وجدت في بقاء الانقسام الفلسطيني مبرراً لتهميش القضية أو للتطبيع مع إسرائيل بدعوى أن الفلسطينيين غير قادرين على توحيد صفوفهم. وفي المقابل، تستثمر قوى إقليمية أخرى مثل إيران وتركيا وقطر في دعم حماس لتعزيز نفوذها الإقليمي وإبراز نفسها كحامية للقضية الفلسطينية. أما على الصعيد الدولي، فإن القوى الكبرى كثيراً ما استغلت وجود حماس لتبرير انحيازها لإسرائيل تحت شعار "محاربة الإرهاب"، وهو ما سمح لإسرائيل بتوسيع نفوذها وعلاقاتها الدبلوماسية في الغرب. وبهذا يصبح المشهد أكثر تعقيداً، إذ لا تقتصر العلاقة الملتبسة بين إسرائيل وحماس على طرفين متنازعين، بل تتحول إلى ورقة إقليمية ودولية تُستَخدم في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
لكسر الحلقة المفرغة بين إسرائيل وحماس ولتخفيف آثارها على الفلسطينيين، يجب أولاً التركيز على الوحدة الفلسطينية الداخلية، إذ أن إنهاء الانقسام بين غزة والضفة هو حجر الزاوية في أي مسار سياسي ناجح، فوجود قيادة فلسطينية موحدة وقادرة على التفاوض بصوت موحد يقلل من فرص استغلال الانقسام من قبل إسرائيل أو أي طرف إقليمي لتحقيق مصالحه الخاصة، ويتطلب ذلك حواراً وطنياً جاداً وتوافقاً على برنامج سياسي موحد وإصلاح المؤسسات الفلسطينية لضمان الشفافية والمساءلة. في الوقت نفسه، يجب أن يكون المجتمع الدولي أكثر عدالة في التعامل مع أطراف النزاع، بحيث لا يُستخدم وجود حماس ذريعة لتبرير السياسات الإسرائيلية الاستيطانية أو العسكرية، فدعم آليات ضغط دولية ملموسة على إسرائيل لوقف الاستيطان ورفع الحصار مع تقديم حوافز ملموسة للفلسطينيين لتعزيز الاستقرار والتنمية يمكن أن يخفف من تغذية الصراع ويخلق بيئة أكثر ملاءمة للحل السياسي. إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في غزة يلعب دوراً محورياً، إذ أن الوضع المعيشي الصعب في القطاع يجعل السكان أكثر تأثراً بخطاب المقاومة ويزيد من اعتمادها كوسيلة للبقاء السياسي، لذلك فإن مشاريع تنموية توفر فرص عمل وتحسن البنية التحتية والخدمات الأساسية يمكن أن تقلل من هذه التبعية وتعزز الاستقرار المحلي. من ناحية أخرى، يعتبر تغيير الخطاب وبناء ثقافة سياسية تقوم على الحوار والتسامح والحقوق المتبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عاملاً مهماً لكسر دائرة الصراع، ويجب تشجيع المجتمع المدني على لعب دور فعّال في إعادة تشكيل الوعي الشعبي بعيداً عن الانقسام والكراهية المتبادلة، مما يسهم في خلق أرضية أكثر نضجاً للحلول السلمية. وأخيراً، يجب أن تترافق كل هذه الجهود مع مبادرات إقليمية ودولية لإعادة فتح قنوات تفاوض حقيقية تراعي مصالح الطرفين وتضمن حقوق الفلسطينيين وتوفر الأمن لإسرائيل، بعيداً عن اللعب بالمواجهة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أو إقليمية، فالمسار الوحيد لإنهاء الحلقة المفرغة يكمن في الجمع بين الوحدة الفلسطينية، الضغط الدولي العادل، التنمية الاقتصادية، التوعية السياسية، والمبادرات التفاوضية الصادقة التي تمنح الأمل في مستقبل أكثر استقراراً وسلاماً.





شارك برأيك
العلاقة الملتبسة بين إسرائيل وحماس