بتشييع آخر شهود الإثبات في غزة أمس، يكون العالم قد شيّع الحقيقة في سعير المجمرة، وأرخى حبل الإبادة على غاربه للذئاب المسعورة، لترتيب مسرح الجريمة لارتكاب آخر فصول المأساة باحتلال غزة، وتدمير ما تبقّى من معالمها وتسويته بالأرض، وقتل وتهجير سكانها.
كان أنس ومعه طاقم الجزيرة بمثابة المرآة العاكسة لأوجاع الناس في غزة، وشهود الإثبات على ما يرتكبه الجناة من جرائم مروعة، معظم ضحاياها من الأطفال والنساء، كحال الصور التي وزعتها وكالات الأنباء أمس للأطفال الذين قُتلوا جوعى أثناء نومهم في ما تبقّى من منازل في أطراف وأحياء المدينة، التي تتوعدها الضواري بذات المصير الذي آلت إليه مدينة رفح.
منذ بدء الإبادة في فصولها المتوالية كانت الحقيقة هي الضحية بقتل شهود الإثبات الذين بلغ عددهم ٢٣٨ صحفياً قضوا برصاص القتلة، لتجرّئهم على كشف الحقيقة وإضاءة المساحات التي أراد لها الجناة أن تظل معتمة.
وإذا كان الاعتراف بالجريمة سيد الأدلة، فإن ما أعلنه الجيش الإسرائيلي عن تقصّده قتل أنس ورفاقه يُعفي الجنائية الدولية من عبء البحث عن أثر الذئب، ويقطع الطريق على من يحاولون الاختباء خلف معايير التوازن والموضوعية بإطلاق عبارات تسبقها "قد"، التي ظلت السمة السائدة لجميع البيانات الدولية التي تحاول التخفيف من أثر الجريمة مراعاةً لمشاعر الجاني، وانتقاصًا من حق الضحية.
قتلُ آخر الشهود يقدم الدليل الأوضح على النوايا المبيّتة لاجتياح غزة، وينبئ عن فعلٍ مقصودٍ لإطفاء الأضواء عن مسرح الجريمة قبل أن يدخل الجناة ليمارسوا القتل والتهجير في العتمة.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 12 أغسطس 2025 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
تشييع الحقيقة!