أقلام وأراء

الثّلاثاء 03 يونيو 2025 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل وحماس... حين يخاف العدوّان من نهاية الحرب

في قلب هذا الدمار، وبين ركام البيوت وجثث الأطفال وصرخات الأمهات، تكمن مفارقة لا يمكن أن نتجاهلها نحن الفلسطينيين الذين تعلمنا أن نقرأ الحرب لا فقط بما تتركه من أنقاض، بل بما تكشفه من نوايا. المفارقة المرّة أن طرفي الحرب — إسرائيل وحماس — يبدوان، رغم اختلافهما الظاهري وعداوتهما الدموية، خائفين من شيء واحد: أن تنتهي الحرب.

قد يبدو ذلك جنونًا لمن ينظر من الخارج، لمن يتخيل أن وقف إطلاق النار يعني العودة إلى الحياة، وأن النهايات دائمًا تحمل بارقة أمل. لكننا نحن — الذين عشنا تحت القصف، وعرفنا وجوه المتاريس من الجهتين — نعرف أن الحرب ليست فقط صراعًا على الأرض، بل أيضًا معركة على البقاء في الواجهة. وأن نهايتها قد تعني انهيار سرديات وأجهزة ونُظم كاملة.

إسرائيل، التي ما زالت تتخبّط في صدمة 7 أكتوبر، تحاول جاهدة أن تُعيد لنفسها صورة الدولة القوية التي لا تُخترق. لكن الحقيقة، كما نعرفها نحن، أن الحرب لم تعد وسيلة لاستعادة الردع فقط، بل غطاءً سميكًا يلفّ عجز النظام السياسي الإسرائيلي. فنتنياهو، الذي جرّ البلاد إلى هذه المواجهة وهو محاصر بالفساد والانقسامات، يرى في الحرب طوق نجاة شخصي، وليس فقط وطني. كل يوم إضافي من القتال يعني تأجيلًا للمساءلة، وإزاحةً لمعارضيه، وخنقًا للنقاش الداخلي. أما النصر، فليس مطلوبًا بقدر ما هو مؤجل؛ لأن النصر يعني، في هذه الحالة، لحظة قرار: من سيحكم غزة؟ ومن سيمنع الانفجار القادم؟ وهي أسئلة لا إجابة لها في عقل المؤسسة الإسرائيلية، لذا تفضل البقاء في حالة اشتباك مستمر.

أما نحن، في الضفة والشتات والداخل، فننظر إلى غزة بقلوبٍ ممزقة. ليس فقط لأن الدم يسيل، بل لأننا نرى كيف تُختطف المأساة لتُعاد صياغتها كوسيلة سلطة. حماس، رغم كل ما قدمته في مقاومة الاحتلال، تخشى الآن أن تنتهي الحرب لأن ما بعدها سيكون صعبًا عليها: ملفات ستحاصرها من الداخل والخارج، وأصوات ستسأل بمرارة: لماذا كل هذا الدمار؟ من المستفيد؟ هل كانت هناك رؤية، أم فقط قفزة في المجهول؟ الأسئلة القادمة بعد الحرب أخطر من الرصاص، لأنها تمس جوهر الشرعية، وجدوى الخيارات، ومسؤولية القرار.

نحن الفلسطينيين لم نعد نريد سرديات البطولة المجردة، بل نريد الوضوح. نريد أن نعرف إلى أين تأخذنا الدماء. وأن لا نُطلب إلى المذبح مرارًا من أجل أهداف لا تُقال بصراحة. الحرب، بهذا الشكل، لا تحرر أرضًا، ولا تُسقط احتلالًا، بل تعيد إنتاج السلطة من قلب الحطام. كل طرف يمسك بجثثنا كي يصوغ منها خطابًا للبقاء، لا برنامجًا للتحرر.

لكن، هل يمكن للحرب أن تنتهي فعلًا؟ وهل من طرفٍ يملك الشجاعة لقول: كفى؟ نهاية الحرب ليست مجرد وقف لإطلاق النار، بل كسرٌ لبنية كاملة من المصالح والصمت والخطابات المحنطة. وهي لحظة لا يريدها كثيرون، لأنهم بنوا وجودهم على استمرار النزف.

ومع ذلك، نحن — الشعب — وحدنا من يملك الحق في فرض هذه النهاية. لسنا مجرد ضحايا أو متفرجين. نحن أصحاب الأرض، وأصحاب الدم، وأصحاب الحلم. ويكفي أن نعلن بصوت واضح أن هذه الحرب، مثل كثير غيرها، لم تكن لأجلنا، حتى نبدأ في انتزاع المعنى من أنياب الخراب.

نهاية الحرب لا تُخيفنا، بل تفتح لنا طريقًا نحو سؤال أكبر: كيف نستعيد مشروعنا الوطني من تحت الردم؟ كيف نبني وحدة حقيقية، لا وحدة تحت القصف؟ كيف نكسر هذا التكرار العبثي الذي حوّل قضيتنا من نضال تحرري إلى مسرح دموي لصراعات سلطة وسلاح؟

في النهاية، لا ينتصر من لا يخشى السلام، ومن لا يستعد له. أما الذين يخافون أن تنتهي الحرب، فهم يعرفون أنها لحظة الحساب. ونحن، هذا الشعب الذي لم ينكسر رغم كل شيء، آن له أن يطالب بتلك اللحظة، لا كهدنة، بل كحق.

 

 

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل وحماس... حين يخاف العدوّان من نهاية الحرب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.