إنّ حساب عمر الإنسان بوحدة زمنية مثل بضعة آلاف من الأيام، له وَقعٌ على النفس مغاير لوقع احتساب عمره بوحدات زمنية مثل بضعة من الأيام أو الأعوام، وهو ما نسمعه دارجاً على الألسنة في تعبيرات مثل (ما العمر إلا أيام معدودة) أو (بضع عشرات من الأعوام وينتهي أجل الإنسان).
فالأيام والأعوام على ما فيها من دلالة عددية محددة، فإنها لا تعطي اتساع مدلول الآلاف.
فلو عاش إنسان ستة وستين عاماً على الأرض، فإنه يكون قد مرّ عليه ما يقارب أربعة وعشرين ألف يوم وتسعيناً من أيام الحياة الأرضية. وأغلب البشر يعيشون بضعةً وعشرين ألفاً من الأيام على البسيطة، وقليل منهم مَن ينوف إلى الثلاثين ألفاً.
ولا أدري، هل للإنسان أن يفرح بهذه الحسبة الألفية أم يحزن؟ وهل من المفيد له أن يضع جدولاً مئوياً أو ألفياً بالأيام ليحسب كل بضعة أعوام كم مضى من رصيده الألفي، وكم تبقى له من أيام على وجه التقريب النسبي والاعتبار والاستعداد للرحيل، لا على وجه التنجيم أو كشف الغيب.
إن خارطة الأعمار وانتهاء الآجال مخبأة في عالم الغيب، وهي لا تنفكّ تثير دهشة البشر كل يوم وهم يرون طفلاً ينتهي أجله في التاسعة من عمره، ومراهقاً في السادسة عشرة من عمره ، وشاباً في الثالثة والعشرين من عمره، وامرأة في الثلاثين من عمرها، ولكن ثمة معدلات وسطية لأعمار البشر تصل بهم إلى الستينيات والسبعينيات، وهو ما يعني أنهم قد أخذوا فرصاً حقيقية في خوض غمار الحياة الأرضية.
إن الحياة جميلة لأنها حياة، وهي ثمينة وعزيزة رغم كل ما قد يلابسها من ألم وحزن وتعب، كيف لا وهي منحة من خالق الحياة!
وسواء حسبنا حيواتنا بالأيام أو بالأعوام، وبالمئات أو بالآلاف، فإن فكرة الحياة تظل لدى الإنسان جميلة ومدهشة ومرغوبة، ويظل في باطنه ما يؤمله أن يعيش موفور الصحة أطول فترة ممكنة، في أحسن شروط اجتماعية ممكنة، بل إنه في قرارة نفسه يتمنى أن لا يموت أبداً.
وإن كل مخلوق أُعطي الحياة أحبها وتشبث بها حتى الرمق الأخير فيها، حتى المتصوفون والزهاد أحبوها لأنها درب يؤدي بهم إلى معرفة عظمة الله والاقتراب منه أكثر.
ولا تنفصل حياتنا عن الكون الجميل المدهش بكل ما فيه من كواكب وبحار وجبال ورياح وعناصر أساسية ومعادن وأشجار وحيوانات، فنحن والكون نشكل معاً أعجوبة وجودية حقيقية رغم إلفنا واعتيادنا لأنفسنا ولكوننا .
أن تكون روحاً حياً، ومخلوقاً له جسد مادي، وموجوداً هنا والآن في الكوكب الأرضي، ليس بالأمر العادي أبداً، إنه استثنائي وخارق وجميل إلى أقصى درجة يمكن لعقلنا البشري أن يصل إليها. من قال إننا لا نندهش يومياً لمعجزة وجودنا، وتجدد أيامنا، وتدفق مشاعرنا، وإحساسنا بهذا الشعور الفذ الغامض الذي نسميه الحب؟!
حتى لو لم يردد لسانك كلمة الاندهاش إزاء الوجود والحياة، فإن روحك وكيانك وذرات جسدك ووعيك الظاهر والباطن جميعهم يعبّرون عن اندهاشهم من هذه الأعجوبة المباركة المسماة حياة ! ومن هذا الفضاء الذي نسميه الكون، وهذه المادة المتكثفة التي نسميها الأرض والأشجار والمياه!
قل لي ما هو العادي والمألوف في الدنيا والإنسان والكون؟!
هل الجمال عادي ؟ هل حب الحياة عادي؟ هل التنوع اللانهائي في وجوه البشر وميولهم وقدراتهم وأفكارهم عادي؟ هل حب الإنسان الفطري للخير وللمعرفة وللجمال وللعطاء وللحق وللعدالة وللحرية عادي؟ هل التنفس وارتباط حياتنا به عادي؟ هل مجيئنا للدنيا أطفالاً ومغادرتنا إياها شيوخاً عادي؟ هل إنجابنا لأطفال يسيرون المسار نفسه -بعد أن كنا نحن أطفالاً- عادي؟ هل نزول دموعنا حزناً على آلام إخواننا البشر عادي؟ هل نحن مخلوقات عادية؟
إنّ تأملا بسيطاً في الإنسان والحياة والكون، سيقودنا إلى ارتباط هذه الحياة الأرضية بحياة أُخرى غير منظورة، خالدة، ومتصلة فيها حصيلة أعمالك وبَصَماتك على الأرض، بمكانتك في تلك الحياة الاخرى الجديدة.
ولعل كوكب الأرض ووجودنا فيه ما هو إلا رمز دالّ بسيط، وإشارة بدهية، إلى وجود حياة أخرى أكثر جمالاً وكمالاً وشفافية في حيز آخر من هذا الكون العظيم الممتد.
لذلك، لن تكون أبداً مسيرة الإنسان على الأرض بكل ما سيمر فيها من محطات طفولة وصبا، وتعلّم مدرسي وجامعي، وعمل ووظيفة، وزواج وإنجاب وتربية أبناء وتحمل مسؤوليتهم، ومساهمة في تطوير المجتمع وتقدمه، وتركه تلك البصمة الفريدة الخاصة به على كل من حوله.. عبثية، أو غير مقدّرة.
بل إنها مقدّرة تماماً، وبأدق الموازين، عند من صنع تلك الأعجوبة، أعجوبة الروح والحياة والكون.
إن لحياة الإنسان بكل ما فيها مما يرضيه ولا يرضيه ما بعدها!
وما بعد أجمل وأعظم، لمن عرف أن الكون مؤيد بالحب، وأن الآخر هو أنت بصورة مختلفة أو في مرحلة مختلفة، وأن البشر جميعاً وجوه متعددة للحقيقة الكبرى، وأن التعاون العميق الصادق هو قيمة مقدسة تنهض بها الخليقة وتتطور، وأن إلحاق الأذى بالناس عبر الكلام أو الأفعال إنما هو إلحاق للأذى بنفسك أنت أولا، وإضرار جسيم أيضا بمكانتك في الحياة الأخرى.
وعوداً على بدء .. كيفما حسبت عمرك زمنياً، فإنه زائل، أما ما يبقى منه فهو الأثر، والأثر لا يزول.





شارك برأيك
(مع الحياة)--- أربعة وعشرون ألف يوم في الدنيا