أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

"الشقيف".. سؤال مفتوح على الزمن

لم تكن قلعةُ الشقيف حجارةً مُعلَّقةً على حافّةِ جبل، ولا رقعةً في خرائطِ الجنرالات تُحتلُّ ثم تُطوى في أرشيفِ الحروب. كانت، وما زالت، سؤالاً مفتوحاً على الزمن: كيف يستطيع عددٌ قليلٌ من البشر أن يُحوِّلوا مكاناً محدوداً إلى معنى لا تحدُّه الجغرافيا؟

في حزيران 1982، لم تكن المعركةُ في الشقيف بين سبعةٍ وثلاثين فدائيّاً وألفٍ ومئتي جنديٍّ مدعومين بالطائرات والدبّابات والمدفعيّة فحسب. كانت مواجهةً بين فكرتين؛ فكرةٍ ترى القوّة في فائضِ النار والحديد، وفكرةٍ ترى القوّة في الإنسان حين يُقرِّر أن يصبح أكبر من شروطِ بقائه. ولهذا لم تسقطِ القلعةُ يوم اقتحمها الجنود، لأنَّ القلاع لا تسقط عندما تُقتحم، بل عندما تفقد معناها. أمّا الشقيف فقد احتفظت بمعناها، ولذلك بقيت حاضرة في الذاكرة أكثر ممّا بقي في الخرائط. ولعلّ ما منح هذا المعنى كلَّ هذه الحيويّة أنّ القلعة ارتبطت في الوجدان العربيّ بتجربة الفدائيّ الفلسطينيّ، الذي حوّل الدفاع عن موقعٍ محاصر إلى روايةٍ أوسع من حدود المكان نفسه.

لهذا يعود إليها نتنياهو اليوم، أو غداً، أو بعد أسبوع. لا يعود إلى موقعٍ أثريٍّ، بل إلى رمز. فصنّاع الروايات السياسية والعسكرية لا يلتقطون الصور عند الأماكن العاديّة؛ إنّهم يبحثون دائماً عن الأماكن المشحونة بالدلالة. الصورة هناك ليست صورةً مع الحجر، بل مع الرواية. محاولةٌ للقول إنَّ الزمن انتهى إلى حيث أراد المنتصر أن ينتهي. لكنَّ التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.

فالانتصار العسكريُّ يلتقط صورة، أمّا الذاكرة فتلتقط معنى. والصورة تعيش سنوات، بينما المعنى قد يعيش قروناً.

لهذا تبدو قلعةُ الشقيف مكاناً استثنائيَّ الحضور في التاريخ العربيِّ الحديث. كلُّ من دخلها ظنَّ أنّه امتلكها، لكنّها بقيت تنتمي لأولئك الذين جعلوا منها مرادفاً للصمود. فالأماكن، في النهاية، لا يملكها من يقف فوقها، بل من يترك فيها جزءاً من روحه.

هنا يتردَّد صوتُ محمود درويش كأنَّه كُتب للقلعة نفسها: "هذه آياتُنا... فاقرأ! باسمِ الفدائيِّ الذي خلق من جزمةٍ أفقاً."

أيُّ قدرةٍ تلك التي تجعل من جزمةٍ أفقاً؟

إنّها القدرة على تحويل الشيء الصغير إلى معنى كبير. أن يصبح أثرُ القدم على التراب أوسع من حدود الجغرافيا. أن يتحوّل جسدٌ مُحاصر إلى فكرةٍ لا يمكن حصارها. فالفدائيُّ، في جوهر صورته الشعريّة عند درويش، ليس حاملَ بندقيّةٍ فحسب؛ إنّه صانعُ أفق، أي صانعُ إمكانيّة. يثبت أنّ الإنسان يستطيع، حتّى في أكثر لحظاته هشاشةً، أن يخلق معنىً يتجاوز قوّته المادّيّة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً:

ما الذي تبقّى منّا؟ وما الذي تغيَّر فينا؟

تبقّى منّا ذلك الإيمان العنيد بأنَّ الأرض ليست عقاراً، بل ذاكرة. تبقّى ذلك الميل الغامض إلى الوقوف حين يبدو الوقوف مستحيلاً. تبقّت أسماءُ الذين رحلوا، لا بوصفها أسماءً في سجلِّ الشهداء، بل بوصفها علاماتٍ على الطريق.

لكنَّ أشياء كثيرةً تغيَّرت أيضاً.

تغيَّر الزمن. تغيَّرت الأدوات. تبدَّلت الخرائط والتحالفات واللغات. وصارت الهزائم أكثر تعقيداً من أن تُرى بالعين المجرّدة، والانتصارات أكثر التباساً من أن تُقاس بعدد المواقع المسيطر عليها. لم يعد السؤال: من يملك القلعة؟ بل: من يملك المعنى الذي تمثِّله القلعة؟

لأنَّ المعركة الحقيقيّة، بعد كلِّ هذه العقود، ليست على الشقيف نفسها، بل على روايتها.

هل هي قلعةٌ اقتُحمت؟

أم قلعةٌ أثبتت أنّ قلّةً من البشر تستطيع أن تجعل جيشاً كاملاً يدفع أثماناً لم يكن يتوقّعها؟

هل هي حجرٌ فوق تلّة؟

أم ذاكرةٌ تقول إنَّ الإنسان، حين يؤمن بقضيّته، يمكن أن يصبح أكبر من الحسابات العسكريّة كلِّها؟

لهذا، إذا اقتحم نتنياهو يوماً قلعة الشقيف ليلتقط صورة النصر، فإنَّ الكاميرا قد تلتقط وجهه، لكنّها لن تستطيع أن تلتقط ما يراه التاريخ. فالتاريخ لا يحفظ الصور بقدر ما يحفظ الأسئلة.

والشقيف، منذ أربعة عقود، لم تكن جواباً.

كانت سؤالاً.

وما زالت.

سؤالاً يطلُّ من بين الحجارة على كلِّ من يمرُّ بها:

من الذي انتصر حقّاً؟

أذلك الذي دخل القلعة يوماً؟

أم أولئك الذين جعلوا من القلعة معنىً لا يزال يُقاتل بعد رحيلهم؟

دلالات

شارك برأيك

"الشقيف".. سؤال مفتوح على الزمن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.