تعالى صوت الجوعى، وانفجرت أصوات أمعائهم الخاوية بالصراخ، وتعاظم مشهد الجوع، وركض الناس من الشمال إلى الجنوب، بحثًا عن لقمة طعام تبقيهم على قيد الحياة، ووصلت أخبارهم سماسرة الطعام والشراب، فكانت الأسعار تفوق الخيال. وقيل أن وقية البندورة تباع بسعر ١٦٠ شيقلًا، أي بحوالي ٤٥ دولارًا، وهذا يعني أن تكلفة حبتين من البندورة تساوي حفنة من الدولارات التي لا تقدر عليها الناس، ولا يملكها المواطن في غزة، بعد أن أكلت الحرب أموال وأملاك وأرزاق الناس ولم تشبع بعد.
بعض من سماسرة الحرب استحوذوا على قوت الناس من خلال عمليات سرقة بعض المعونات، وبعضهم تكرّش حتى رقبته من وراء عمليات استغلال حاجة الناس للطعام، فتضخمت ثروتهم، وواصلوا عمليات النصب على نحو وقح، وقد باتوا معروفين لسكان قطاع غزة، الذين لا حول لهم ولا قوة إلا الصبر في مواجهة عدو لا يرحم وسماسرة لا يخافون الله.
حرب الإبادة الجماعية فعلت فعلتها، موتًا وقتلًا وقهرًا وجوعًا وعطشًا، كما فعلت ما لم يسبق قط أن فعلته أية حرب أخرى، في أي بلد آخر عبر العصور والعقود الماضية، وهذا ما شهدناه من تدمير ممنهج للمستشفيات والمراكز الصحية، ودور العبادة والمدارس والجامعات، وكل ذلك كان مترافقًا مع حصار محكم من كل الجهات، الأمر الذي جعل الناس تعيش هذا الجوع المستمر والمتواصل، وجعل الناس تأكل حشائش الأرض وأعلاف الحيوانات في صراع البقاء على قيد الحياة.
البعض مات جوعًا، وما أصعب الموت جوعًا وعطشًا وسط كل ما يحدث في العراء، بين خيام ترتفع حرارتها على نحو لا يطاق.
إنها الحرب تدخل شهرها العاشر، والاحتلال يواصل قصفه وحصاره، ويواصل ممارساته القذرة من دون خجل، يقول أحد الأسرى المفرج عنهم من سجن (سدي تسمان) أنهم عاشوا ظروف اعتقال مستحيلة، وكانوا طيلة الوقت مقيدين بالسلاسل من أيديهم وأرجلهم، ثم خرجت منه دفقة حزن وهو يروي كيف جعل الجنود كلبهم يغتصب رفيقه في السجن؛ هل من بشاعة أقذر من ذلك! وهل من جريمة أبشع من هذا السلوك الوحشي! ولم تتوقف الاعتداءات على نوع معين، فكمية الحقد والكراهية التي تسكن السجانين من جنود الاحتلال، جعلتهم يرتكبون كل ما هو خارج الأخلاق، وكل ما هو قاسٍ وبذيء، والشواهد عديدة منها ما رصدته عين الكاميرا، ومنها ما هو أكثر بشاعة ولم ترصده أية كاميرا حتى الآن.
لقد جاوزت حرب الإبادة في غزة كل الحروب في دمويتها وبشاعتها، وفي حجم الآثار الناتجة عنها، وفي ذات الوقت فقد أظهرت هشاشة النظام العالمي والمواثيق الدولية، كما أظهرت حالة الانحياز الكبيرة التي اتخذتها حكومات الدول التي تضامنت مع الاحتلال ودعمته بالمال والسلاح، إلى جانب أن هذه الإبادة أظهرت الاحتلال على حقيقته، وما ممارساته إلا دلائل إدانة واضحة، في كل محفل دولي خاصة في محكمة العدل الدولية التي نتطلع لأن تكون قراراتها منصفة، وتقدم الجناة إلى محاكمات عادلة، ليلقوا العقوبات المستحقة.
ويلات حرب الإبادة الجماعية في غزة، جحيم مطلق وحمم النار لا تتوقف والقصف مستمر، والواقع الصعب على أرض ينذر بالمزيد، في ظل تلكؤ العالم عن فرض وقف فوري لهذه الحرب، وإدخال المساعدات كي لا تتسع رقعة المجاعة التي يعيشها الناس في غزة.
لقد جاوزت حرب الإبادة في غزة كل الحروب في دمويتها وبشاعتها، وفي حجم الآثار الناتجة عنها، وفي ذات الوقت فقد أظهرت هشاشة النظام العالمي والمواثيق الدولية.





شارك برأيك
بين جحيم الحرب وسماسرة قوت الناس