لم تكن الطفلة سارة رجب، ذات التسعة أعوام، تعلم أن زيارتها لضريح والدها الشهيد قبيل عيد الأضحى ستكون الوداع الأخير قبل أن تلحق به. فبعد أن سقت قبره بالماء، باغتت صواريخ الاحتلال البناية التي كانت تأويها في اليوم الأول من العيد، لتنتهي رحلة طفلة عاشت مرارة اليتم والفقد لعامين متتاليين.
بدأت فصول المأساة في منتصف نوفمبر من عام 2023، حين استهدفت طائرة انتحارية شقة العائلة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة. أسفر الهجوم حينها عن استشهاد والدتها آية وشقيقيها الصغيرين عبد الرحمن ومالك، بينما نجت سارة بأعجوبة مع والدها سامح رغم إصابتها بحروق جسدية بالغة.
عانت سارة بعد تلك الحادثة من أزمات نفسية حادة، حيث اضطرت للنزوح إلى جنوب القطاع بعيداً عن والدها الذي حاصره الاحتلال في الشمال. وصفت عمتها فاطمة تلك المرحلة بأنها كانت الأصعب، حيث لجأت الطفلة للانعزال وبدأت تفرغ صدمتها برسم الصواريخ وهي تخترق أجساد عائلتها وتحولهم إلى أشلاء.
حاولت العائلة الحفاظ على معنويات سارة من خلال الرسائل المصورة المتبادلة مع والدها، معبرة في كل مرة عن اشتياقها الشديد له ولأشقائها الذين غيبهم الموت. كانت سارة تعيش على أمل اللقاء، وهو ما تحقق مؤقتاً مع سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأول في مطلع عام 2025.
عادت سارة إلى حضن والدها في مدينة غزة، معتقدة أن الحرب قد وضعت أوزارها وأن الأمان قد عاد لملاذها الأخير. إلا أن استئناف العدوان في مارس 2025 أعاد الطفلة إلى دوامة النزوح والخوف، حيث تنقلت بين بيوت عمتها وخالتها هرباً من التوغلات العسكرية المستمرة.
في منتصف نوفمبر 2025، تلقت سارة الضربة القاضية باستشهاد والدها في قصف استهدف بناية سكنية غرب غزة. وبذلك أصبحت الطفلة الناجية الوحيدة من أسرتها الصغيرة، لتنضم إلى قائمة مأساوية تضم آلاف العائلات التي لم يتبقَ منها سوى فرد واحد يصارع ذكريات الفقد.
ماذا فعل الأطفال حتى يحل بهم كل هذا؟ لقد رحلت سارة لتلحق بعائلتها التي لم يبقَ منها أحد.
تشير إحصاءات مصادر رسمية في غزة إلى وجود أكثر من 6020 أسرة فلسطينية تعرضت للإبادة الجزئية وبقي منها ناجٍ وحيد. وتجسد قصة سارة الواقع الأليم الذي يعيشه أطفال القطاع، حيث تلاحقهم الكوابيس والمشاهد القاسية لأشلاء أحبائهم التي مزقتها القذائف الإسرائيلية.
مساء اليوم الأول من عيد الأضحى، وتحديداً في 27 مايو، دكت طائرات الاحتلال منزل جد سارة لأمها بعدة صواريخ ثقيلة. أدى القصف إلى استشهاد سارة فوراً، برفقة خالتها إسراء البالغة من العمر 16 عاماً، وجدها عماد الذي كان يبلغ 57 عاماً، ليرتقوا جميعاً في لحظة واحدة.
برحيل سارة، أُغلق ملف عائلة رجب في السجل المدني الفلسطيني، حيث لم يعد هناك أي فرد يحمل اسم هذه الأسرة الصغيرة. وتعد هذه العائلة واحدة من بين 2700 أسرة أبادتها إسرائيل بالكامل منذ بدء العدوان، مما أسفر عن شطب أسماء أكثر من 8500 شهيد من السجلات الرسمية.
تتحدث عمتها فاطمة بحرقة عن اللحظات الأخيرة، مؤكدة أن سارة كانت تردد عبارة 'اشتقت إليهم' طوال صباح يوم العيد. ويبدو أن روحها كانت تتحضر للرحيل واللحاق بوالديها وشقيقيها، لتنهي معاناة طفلة تحملت ما لا تطيقه الجبال من ألم وفقدان ونزوح.
تضع هذه المأساة المجتمع الدولي أمام تساؤلات أخلاقية كبرى حول مصير الأطفال في غزة الذين تستهدفهم آلة الحرب بلا هوادة. فقصة سارة ليست مجرد رقم في الإحصائيات، بل هي صرخة توثق جريمة إبادة جماعية تمسح عائلات بأكملها من الوجود وتترك خلفها ركاماً وذكريات دامية.





שתף את דעתך
مأساة عائلة رجب.. رحيل الطفلة سارة يغلق السجل المدني لأسرة فلسطينية أبادها الاحتلال