لطالما سادت في الوعي السياسي العربي مقولة شهيرة للرئيس الراحل أنور السادات، مفادها أن 99% من أوراق اللعبة في منطقة الشرق الأوسط تقع في يد الولايات المتحدة. هذه القناعة لم تكن مجرد تقدير سياسي، بل تحولت إلى عقيدة رسخت حقيقة مغلوطة مفادها أن أمريكا قوة لا تقهر، وأن أي محاولة لمقاومة المشروع الصهيوني هي ضرب من العبث.
إن الهزائم التاريخية لا تبدأ في ميادين القتال فحسب، بل تتشكل أولاً في العقول والنفوس قبل أن تترجم إلى واقع مرير. ويبدو أن تجربة نكسة عام 1967 تركت أثراً عميقاً في وجدان القيادات التي عاصرتها، مما دفعهم لتبني رؤية قاصرة ترى في التفوق المادي الغربي قدراً محتوماً لا يمكن الفكاك منه.
لقد حرص الاستعمار التقليدي، البريطاني والفرنسي، عند انسحابه من المنطقة على توريث السلطة لنوعية من القادة الذين لا يؤمنون إلا بالحسابات العددية والمادية. هؤلاء القادة غيبوا منطق التاريخ الذي يؤكد أن إرادة الشعوب وروح الأمة هي المحرك الأساسي للتحرر، وليس فقط توازن القوى العسكري الجاف.
هذا النهج الانهزامي استمر لعقود، حيث دأبت بعض القيادات الفلسطينية، وعلى رأسها محمود عباس، على وصف العمل المقاوم بـ 'العبثي'. هذا التوصيف يعكس حالة من الهزيمة النفسية المتجذرة التي ترفض رؤية أي إمكانية للتغيير خارج الإطار الذي ترسمه القوى الدولية المهيمنة.
إلا أن المشهد الراهن في المنطقة يقدم رواية مختلفة تماماً تهدم نظرية السادات من جذورها. فالمواجهة الحالية التي تخوضها أطراف المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة بشكل مباشر وجهاراً، تثبت أن أوراق اللعبة تشتتت ولم تعد حكراً على البيت الأبيض.
الموقف الإيراني في مواجهة الضغوط الأمريكية يمثل تحدياً صارخاً لتلك النظريات القديمة. فرغم الحصار والعقوبات الممتدة لعقود، تظهر طهران قدرة على المناورة وفرض معادلات جديدة تجعل واشنطن وتل أبيب في حالة من الحيرة والارتباك الدائمين.
وعلى الجبهة اللبنانية، يقدم حزب الله نموذجاً متطوراً في الإبداع العسكري، حيث كشفت المواجهات عن استخدام تقنيات متطورة مثل المسيرات التي تعمل بالألياف الضوئية. هذه الأسلحة النوعية تجاوزت التكنولوجيا الرادارية الإسرائيلية، مما أحدث صدمة في الأوساط العسكرية التي كانت تظن نفسها متفوقة تقنياً بشكل مطلق.
الهزائم عادة تبدأ في الرؤوس والنفوس قبل أن تكون في الواقع، والنصر متصل بـ 'روح الأمة' قبل إمكاناتها المادية.
إن ما يجري الآن هو 'تجليات' حقيقية لروح المقاومة التي لا تعترف بالمستحيل. فالمفاجآت التي تظهر في الميدان، سواء في غزة أو جنوب لبنان، هي نتاج تراكم طويل من الإعداد والإيمان بجدوى المواجهة، بعيداً عن لغة الاستسلام التي سادت في حقب سابقة.
التصدعات لم تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل البنية السياسية للغرب نفسه. فسحب الولايات المتحدة لآلاف الجنود من ألمانيا يعكس توتراً داخلياً في حلف الناتو، ويشير إلى أن الغرب لم يعد كتلة واحدة صلبة تتحكم فيها الأجندات الصهيونية كما كان في السابق.
لقد أحدثت عملية 'طوفان الأقصى' زلزالاً في الوعي العالمي، حيث أعادت طرح الأسئلة الصامتة حول جدوى الهيمنة الغربية. هذا الحدث لم يكن مجرد جولة قتالية، بل كان إعلاناً عن ولادة مرحلة جديدة تتشكل فيها القوى بناءً على الصمود الميداني لا الوعود الدبلوماسية الزائفة.
الحيرة الإسرائيلية تظهر بوضوح في تصريحات بنيامين نتنياهو، الذي يحاول التستر وراء لغة القوة والاستعظام بينما تتساقط المسيرات على رؤوس جنوده. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها الكيان في مواجهة ابتكارات المقاومة.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز الموقف اللبناني الداخلي كعنصر قوة، فرغم الضغوط الهائلة للتفاوض، هناك إجماع وطني على تجنب الانجرار إلى حرب أهلية. هذا الوعي السياسي يكمل العمل العسكري ويحمي الجبهة الداخلية من الاختراق في لحظات الصراع الكبرى.
إن الاقتصاد العالمي نفسه بات رهينة لهذه التحولات، حيث أن الحصار والمواجهات في الممرات المائية تفرض تكاليف باهظة على الجميع. أمريكا التي كانت تظن أنها تدير الأزمات، وجدت نفسها غارقة في أزمة تهدد استقرارها الاقتصادي ونفوذها الدولي المتراجع.
ختاماً، فإن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم، من صمود غزة إلى إبداعات المقاومة في لبنان، ليس مجرد أحداث عابرة ستتحول إلى ذكريات. إنه تدشين لروح جديدة تسري في كيان الأمة، لتعيد صياغة تاريخها بعيداً عن أوهام التبعية المطلقة لأمريكا وأوراق لعبها المزعومة.





שתף את דעתך
ما وراء وهم 'أوراق اللعبة': كيف أعادت المقاومة صياغة موازين القوى؟