ב 04 מאי 2026 10:35 am - שעון ירושלים

حان وقت التغير لا الوعود.. الحقوق تُنتزع ولا تُعطى



لم تمضِ سوى أربعٍ وعشرين ساعة على إسدال الستار عن فعاليات اليوم العالمي للهيموفيليا في فلسطين، لكن الزمن في داخلي توقّف عند تلك اللحظات الثقيلة التي امتلأت بأصوات الألم. أجلس هذا المساء مثقلاً بما رأيت وسمعت، وكأنني خرجت لتوّي من سرديةٍ لا تنتمي إلى الواقع، بل إلى عالمٍ آخر تُروى فيه الحكايات على هيئة نزفٍ مستمر- نزفٍ في الجسد، وفي النفس، وفي كرامة الحياة.
لم تكن تلك مجرد شهادات عابرة، بل كانت وجوهًا حيّة تُجسّد المعاناة. أبٌ يتحدث بحرقة عن سنواتٍ ضائعة بين تأخر التشخيص وقسوة النتائج؛ طفلٌ حُرم من حقه في الحركة، يرافق والده على كرسيٍّ متحرك متنقلاً بين المدن بحثًا عن تأهيلٍ وعلاجٍ لا ينبغي أن يكون ترفًا. وفي الخلفية، يلوح غياب الطبيب المختص بالدم، وانقطاع العلاج، وكأن حياة هذا الطفل معلّقةٌ على خيطٍ هشّ من الإهمال.
وفي زاوية أخرى من المشهد، أمٌّ تختصر وجع العالم في دموعها. ثلاثة أبناء يحملون عبء المرض، وثالثهم يواجه تشخيصًا مزدوجًا يزيد المشهد قتامة. خوفها ليس عابرًا، بل مقيمٌ في تفاصيل يومها، في قلقها على مستقبلٍ لا تملك له ضمانًا، وفي عجزها أمام منظومةٍ لا تُنصف أبناءها.
أما المعاناة النفسية والاجتماعية، فهي فصلٌ آخر لا يقل قسوة. عزلة، قلق، اضطراب، ووصمةٌ صامتة تُثقل كاهل المرضى وعائلاتهم. وما سمعناه ليس إلا عيّنة صغيرة من معاناة الذكور والاناث من المرضى واهاليهم، بينما يقف خلفها مئات الحالات الموثقة، وآلافٌ أخرى ما زالت خارج دائرة الاعتراف والرعاية.
ثلاثة عقود مضت منذ انطلاق الجهود التطوعية وتأسيس العمل المنظم لخدمة مرضى نزف الدم في فلسطين من خلال الجمعية الفلسطينية لامراض نزف الدم. ومن قبلها أجيالٌ تعاقبت، وحقبٌ سياسية تغيّرت قبل ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة ، من أنظمةٍ مختلفة إلى بدايات السلطة الوطنية. ورغم القرارات التي حملت في طياتها وعودًا بالإنصاف، بقيت الخدمات متقطعة، غير مكتملة، أو بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب.
ليس إنكارًا للجهود، لكنها الحقيقة التي لا يمكن تجميلها: تغيّرت الوجوه، تعاقب المسؤولون في السلطة الوطنية الفلسطينية، وتبدّلت الخطط، لكن جوهر المشكلة ظلّ قائمًا. ما زلنا نتحدث عن استراتيجيات، وعن خططٍ لم تكتمل، وعن خدماتٍ أساسية لم تُرسّخ بعد.
إن القضية اليوم لم تعد تحتمل التأجيل أو الترحيل. نحن لا نطالب بالمستحيل، ولا نسعى لاختراع حلولٍ خارجة عن المألوف، بل نطالب بحقوقٍ بديهية أقرتها الإنسانية قبل القوانين. آن الأوان لأن تتحول هذه الحقوق إلى واقعٍ ملموس، عبر تثبيت أسس علاج مرضى نزف الدم ضمن أولويات النظام الصحي، وبقراراتٍ حاسمة تضمن الاستدامة.
إن الطريق واضح، وإن تأخر الوصول:
أن يُنشأ مركزٌ وطني  لامراض الدم مرجعي يُعيد للمرضى ثقتهم بالنظام الصحي،
وأن تتوفر رعاية تخصصية شاملة بإشراف كفاءات طبية واطباء مؤهلين بتخصصات الدم وامراض النزف،
وأن تُطوّر مختبراتٌ تعمل بلا انقطاع، لأن المرض لا ينتظر،
وأن يُضمن العلاج الآمن من عوامل التخثر بكافة انواعها وبشكلٍ دائم، لا كمنّةٍ مؤقتة،
وأن تُفتح أبواب العيادات التخصصية أمام مضاعفات المرض بشكل دوري وشمولي،
وأن تُتاح الجراحات والخدمات الطارئة دون تأخيرٍ أو تردد،
وأن يُوفَّر التأهيل والعلاج الطبيعي كجزءٍ أصيل من رحلة الشفاء،
وأن يُحتضن المرضى نفسيًا واجتماعيًا، لا أن يُتركوا لعزلتهم،
وأن يُدمجوا في المجتمع والتعليم والعمل بكرامةٍ كاملة،
وأن يُؤمَّن الدم ومشتقاته  الآمنه لكل من يحتاجه، بلا خوفٍ أو نقص.
هذه ليست قائمة مطالب، بل خريطة كرامة.
وهذه ليست رفاهية، بل الحد الأدنى من الحق في الحياة.
لقد آن الأوان لأن نصغي جيدًا لتلك الأصوات التي لا تطلب سوى أن تعيش بكرامة، وأن نُدرك أن التأخير لم يعد مجرد
تقصير، بل هو شكلٌ من أشكال المعاناة المستمرة.

* ناشط مجتمعي وإعلامي فلسطيني مهتم بالحقوق الصحية من مؤسسي والرئيس الحالي لمجلس إدارة  الجمعية الفلسطينية لأمراض نزف الدم

תגים

שתף את דעתך

حان وقت التغير لا الوعود.. الحقوق تُنتزع ولا تُعطى

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.