ש 17 ינו 2026 2:14 pm - שעון ירושלים

لماذا لا يسقط النظام الإيرانيقراءة في مقومات البقاء ، والحرب الهجينة، وحدود الاحتجاج

رائد محمد الدبعي

   حبس العالم أنفاسه خلال اليومين الماضيين، ترقّبًا لضربةٍ أمريكيةٍ قاصمةٍ ضد النظام في إيران، وسط تصعيدٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ غير مسبوق، وتحركاتٍ عسكريةٍ أوحت وكأنّ لحظة الحسم قد اقتربت. غير أنّ هذا الترقّب المشحون لم ينجح في زعزعة القناعة الراسخة لدى مراكز الأبحاث الرصينة وصنّاع القرار الاستراتيجيين، الذين ظلّوا متوافقين على استنتاجٍ واحد: النظام الإيراني ليس على وشك السقوط.

فخلف الضجيج المتولّد عبر فضاءات الإعلام الاجتماعي، ثبّتت معظم مراكز الأبحاث الدولية — بما فيها مجلس العلاقات الخارجية، ومؤسسة بروكينغز، ومؤسسة راند، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومجموعة الأزمات الدولية، ومعهد تشاتام هاوس، والمركز الأوروبي للسياسات، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومعهد الشرق الأوسط — نتيجةً واحدة مفادها أنّ النظام الإيراني لا يزال قائمًا وقادرًا على امتصاص الصدمات، وأنّ مجمل التطورات الميدانية والسياسية، والتهديد باستخدام القوة العسكرية، لا تمثّل سوى فصلٍ جديدٍ في صراعٍ طويل الأمد تُدار معاركه بأدواتٍ أكثر تعقيدًا، حيث لا تكون الضربة العسكرية سوى عنصر ضغط ضمن منظومة أوسع من الاستنزاف والحرب الهجينة، لا رافعة إسقاطٍ سريعة.

تتعدّد الأسباب التي تجعل من هذا الاستنتاج واقعيًا ومنطقيًا وأكثر ترجيحًا.

أولًا: تماسك بنية السلطة والأدلجة العميقة

يتجاوز دور بنية النظام الصلبة، وفي مقدّمتها الحرس الثوري، والأجهزة الاستخباراتية، والنظام القضائي، الوظائفَ الأمنية والقضائية التقليدية، ليشكّل أحد الأعمدة الأساسية المندمجة في قلب النظام، وعموده الفقري الأيديولوجي والسياسي والاقتصادي.

يلعب الحرس الثوري، على سبيل المثال، مجموعةً مركّبةً من الأدوار الأمنية والاقتصادية والعقائدية والسياسية. فعلى المستوى الأمني، يشكّل خط الدفاع الأول عن النظام في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية؛ إذ يتولّى حماية النظام السياسي، وإدارة ملفات الأمن الداخلي الحسّاسة، ومواجهة الاحتجاجات حين تُصنَّف كتهديدٍ «أمني–نظامي»، وهو الأمر الحاصل في الأزمة الراهنة.

ويستند هذا الدور إلى عقيدةٍ تقوم على قدسية مبدأ «الدفاع عن الثورة»، والدفاع عن بقاء النظام باعتباره بقاءً للمؤسسة الأمنية المتداخلة معه. ويُغذّى هذا الولاء عبر بنيةٍ أيديولوجيةٍ متماسكة، تُعاد صياغتها باستمرار من خلال مؤسساتٍ ثقافيةٍ وتعليمية، وخطابٍ ديني–ثوري تعبوي، وسردية «الدولة المحاصَرة». وعليه، لا يجري الحديث عن موظفين أمنيين، بل عن فاعلين مُؤدلجين يرون في الدفاع عن النظام دفاعًا عن الهوية، ما يجعل أي محاولة انشقاق تُصنَّف بوصفها «خيانةً وجودية».

إلى جانب ذلك، تحمي شبكةُ المصالح الاقتصادية هذا الولاء العقائدي؛ إذ يلعب الحرس الثوري دورًا اقتصاديًا محوريًا عبر السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على قطاعاتٍ استراتيجية، تشمل الطاقة، والاتصالات، والبناء، والموانئ، بما يوفّر له قدرةً عاليةً على الالتفاف على العقوبات عبر شبكاتٍ اقتصاديةٍ موازية. ويجعل هذا النفوذ الاقتصادي بقاءَ النظام مصلحةً مباشرةً للنخب العسكرية والبيروقراطية، إذ إنّ السقوط لا يعني فقدان السلطة فحسب، بل فقدان الثروة والنفوذ والحماية القانونية.

ويُضاف إلى ذلك الدور السياسي الذي يلعبه الحرس الثوري في الحياة السياسية الإيرانية، عبر التأثير في اختيار النخب، ورسم الخطوط الحمراء للعمل السياسي، وتوجيه السياسات الإقليمية والأمنية.

تتكامل الأدوار الوظيفية للحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية في دائرةٍ متشابكة: فالعقيدة تحمي الولاء، والاقتصاد يحمي المصالح، والأمن يحمي السيطرة، والسياسة تحمي الاستمرارية. ويجعل هذا التشابك أي محاولة لفصل أحد هذه الأبعاد عن الآخر شبه مستحيلة.

وبفضل هذه المعادلة الدقيقة، يصبح انقسام النخبة الصلبة أمرًا بالغ الصعوبة، وهو العامل الذي يُعدّ حاسمًا في سقوط الأنظمة السلطوية. فمعظم حالات الانهيار الكبرى — من الاتحاد السوفييتي إلى أنظمة الربيع العربي — سبقتها لحظة تفكك أو انقسام داخل مؤسسات القوة.

في الحالة الإيرانية، لم تتحقق هذه اللحظة، بل تُظهر الأجهزة الأمنية حتى الآن تماسكًا وقدرةً عاليةً على السيطرة والولاء. وطالما بقيت هذه الأجهزة موحّدةً في رؤيتها وولائها، يبقى النظام قادرًا على الصمود، حتى في ظل أزماتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ خانقة. فتماسك النظام في النموذج الإيراني السلطوي لا يرتبط بمسألة القبول الشعبي أو بنموذج روسو في نظرية العقد الاجتماعي، بقدر ما يرتكز إلى مقاربةٍ هوبزيةٍ تُقدّم الأمن على الحقوق والحريات، حيث لا يحتاج النظام إلى إجماعٍ وطني ليستمر، بل إلى تماسك أدوات القوة، وهو الشرط المتوافر حتى اللحظة.

ثانيًا: معارضة ضعيفة وغير موحّدة

تُظهر الخارطة الجغرافية والأيديولوجية للمعارضة الإيرانية هشاشتها ومحدودية قدرتها على التأثير؛ إذ تعاني من التفكك التنظيمي، والتناقض السياسي، والعجز عن إنتاج بديلٍ حُكميٍّ واقعي.

تنقسم المعارضة جغرافيًا بين معارضة الداخل ومعارضة المنفى. وتتركز المعارضة الداخلية في المدن الكبرى مثل طهران، وأصفهان، وشيراز، وتبريز، ومشهد، إضافةً إلى الأطراف القومية كالأكراد في الغرب، والبلوش في الجنوب، والعرب في الأحواز، وبعض الحراك الأذري. وتعاني هذه المعارضة من عدم المركزية، وتركيزها على القضايا الحقوقية، وضعف القيادة والتنظيم، ما يدفع النظام إلى تبنّي سياسة القمع المباشر بحقّها. ورغم تمتّعها بشرعيةٍ اجتماعية، فإنها تفتقر إلى التحوّل السياسي المنظّم.

أما معارضة المنفى، المتمركزة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية، فعلى الرغم من قدرتها على الوصول إلى الإعلام الدولي وصنّاع القرار الغربيين، فإنها تعاني من ضعف الامتداد التنظيمي داخل إيران، ما يضعها أمام أزمة تمثيلٍ حقيقية.

أيديولوجيًا، تتوزّع المعارضة بين تيارٍ ليبراليٍّ علمانيٍّ منقسم، وتيارٍ يساريٍّ متراجع التأثير، ومعارضةٍ إثنيةٍ قوميةٍ تتركز في مناطق محدودة وتعجز عن الاتفاق على مطالب موحّدة. ولا تكمن المشكلة في التنوّع بحد ذاته، بل في العجز عن تحويله إلى عامل قوة ضمن مشروعٍ سياسيٍّ جامع.

ثالثًا: غياب أدوات الضغط الاستراتيجية

نادراً ما تُسقط المظاهرات الرمزية نظامًا سلطويًا متماسكًا. فذلك يتطلّب نقل الصراع من الشارع إلى مفاصل الدولة والاقتصاد عبر أدواتٍ كالإضرابات الطويلة، والمقاطعة الاقتصادية، والعصيان المدني المستدام. غير أنّ التجربة الإيرانية تُظهر نمطًا متكرّرًا: تصعيد، ثم قمع، ثم انحسار، بفعل قدرة النظام على قطع سلاسل التنسيق، وتعطيل الإنترنت، ورفع كلفة التنظيم، واستثمار خطاب «المؤامرة الخارجية» لتبرير القمع.

رابعًا: الاقتصاد الموازي كأداة ضبط سياسي

تمتلك إيران ما تصفه مراكز الأبحاث بـ«اقتصاد التكيّف»، حيث تسيطر مؤسسات النظام، وعلى رأسها الحرس الثوري، على قطاعاتٍ استراتيجية عبر شبكاتٍ اقتصاديةٍ موازية، وشركات واجهة، وآليات التفاف على العقوبات. ويؤدي ذلك إلى نقل كلفة الضغوط الاقتصادية من السلطة إلى المجتمع، في حين تبقى النخبة الحاكمة محميةً عبر الاحتكار، والحماية السياسية، وإعادة توزيع الامتيازات.

في ضوء ما سبق، يتّضح أنّ النظام الإيراني لا يصمد بفعل القمع وحده، ولا يسقط بفعل الاحتجاج وحده. فالصراع القائم ليس صراع لحظةٍ حاسمة، بل صراع استنزافٍ طويل الأمد تُدار معاركه بأدواتٍ هجينة، تُقيّد السلوك دون إسقاط النظام، وتُرهق المجتمع دون تفكيك بنية السلطة. وبين رهان الخارج على الضغط المتدرّج، ورهان الداخل على الصمود المؤسسي، تبقى إيران عالقةً في معادلةٍ معقّدة: نظامٌ متماسك، مجتمعٌ مأزوم، ومعارضةٌ عاجزة عن التحوّل إلى بديل. وهي معادلة تفسّر لماذا يبدو الانهيار، رغم كل الضجيج، أبعدَ من أن يكون وشيكًا.


 

 

תגים

שתף את דעתך

لماذا لا يسقط النظام الإيرانيقراءة في مقومات البقاء ، والحرب الهجينة، وحدود الاحتجاج

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.