عادت قضية 'خور عبد الله' لتتصدر المشهد السياسي والدبلوماسي بين بغداد والكويت، بعد خطوة عراقية تمثلت في إيداع قوائم إحداثيات وخريطة محدثة للمجالات البحرية لدى الأمم المتحدة. وتأتي هذه الخطوة استناداً إلى أحكام اتفاقية قانون البحار لعام 1982، حيث تهدف بغداد من خلالها إلى توثيق حدودها السيادية وفق رؤيتها القانونية والفنية.
في المقابل، لم تتأخر الكويت في إبداء رد فعل حازم، حيث سلمت مذكرة احتجاج رسمية إلى القائم بالأعمال العراقي، معتبرة أن الإحداثيات الجديدة تتضمن ادعاءات تمس مناطق بحرية تقع تحت سيادتها الكاملة. وأكدت المصادر الكويتية أن هذه المناطق، ومن ضمنها 'فشت العيج' و'فشت القيد'، هي مرتفعات مائية ثابتة ومستقرة تاريخياً وقانونياً لصالحها.
وشددت الخارجية الكويتية في بيانها على ضرورة الالتزام بالتفاهمات الثنائية المسبقة والمرجعيات الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 833. وترى الكويت أن أي تحرك أحادي الجانب في هذا الملف يمثل خروجاً عن الأطر القانونية التي رسمت الحدود بين البلدين عقب حرب الخليج الثانية.
من جهتها، دافعت السلطات العراقية عن موقفها مؤكدة أن تحديد المجالات البحرية هو شأن سيادي بحت ينسجم مع التطورات الحديثة في القانون الدولي للبحار. وأوضحت مصادر رسمية أن الإيداع يهدف إلى توحيد الإجراءات السابقة في وثيقة فنية واحدة تعتمد النظام الجيوديسي العالمي لعام 1984 لضمان الدقة والوضوح القانوني.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك العراقي يعزز الموقف القانوني لبغداد في تحديد البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والجرف القاري. كما تأتي هذه الخطوة في ظل جدل داخلي عراقي واسع أعقب حكم المحكمة الاتحادية العليا عام 2023، والذي قضى بعدم دستورية المصادقة على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله.
وعلى الصعيد الإقليمي، برزت مواقف داعمة للكويت من قبل دول خليجية، حيث أعلنت قطر تضامنها الكامل مع السيادة الكويتية على مناطقها البحرية. كما أعربت السعودية والإمارات عن قلقهما إزاء أي تعديلات قد تمس المنطقة المغمورة المقسومة، والتي تخضع لترتيبات ثنائية خاصة بين الرياض والكويت.
ويشير خبراء سياسيون إلى أن الخطوة العراقية تحمل أبعاداً قانونية تهدف لتثبيت حقوق بحرية عبر أدوات معترف بها دولياً. ويرى الدكتور ليث القيسي أن لجوء بغداد للأمم المتحدة يمنحها منصة رسمية لتوثيق ملفها، مما يؤسس لقاعدة بيانات يمكن استخدامها في أي تحكيم دولي مستقبلي قد يطرأ على الملف.
الإيداع لدى الأمم المتحدة يمنح بغداد منصة توثيق رسمية، ويؤسس لملف متكامل يمكن الدفاع عنه قانونياً أمام أي جهة تحكيمية.
وفي ذات السياق، اعتبر محللون أن الاعتراض الكويتي يندرج في إطار حماية المكتسبات القانونية التي تحققت منذ عام 1991. وأكدوا أن معالجة هذا الملف المعقد تتطلب حواراً تقنياً عميقاً بين خبراء القانون البحري والهندسة الجيوديسية بعيداً عن التجاذبات السياسية والإعلامية التي قد تزيد من حدة التوتر.
من جانبه، أوضح الكاتب علي الحارثي أن المناطق المتداخلة في الخليج تتسم بحساسية مضاعفة نظراً لارتباطها بأمن الطاقة وحركة الملاحة العالمية. وأشار إلى أن أي تغيير في الخرائط المودعة يفرض ضرورة مراعاة الاتفاقيات الثنائية القائمة، خاصة في المناطق التي تشهد استثمارات مشتركة للموارد الطبيعية.
وتشير القراءات السياسية إلى أن الخرائط في منطقة الشرق الأوسط ليست مجرد وثائق فنية، بل هي اختبارات ثقة سياسية محملة بإرث تاريخي ثقيل. فبينما يسعى العراق لإعادة تعريف موقعه البحري بعد عقود من الحروب، تتمسك الكويت بقرارات الشرعية الدولية التي رسمت حدودها الحالية.
المجتمع الدولي يراقب هذه التطورات باهتمام، نظراً لأن استقرار الممرات المائية في الخليج يعد ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. ويرى مراقبون أن مسار التسوية الأمثل يكمن في القنوات الدبلوماسية الهادئة التي تجمع الفنيين والمسؤولين بعيداً عن ضغوط الرأي العام المحلي في كلا البلدين.
تاريخياً، بقيت اتفاقية خور عبد الله نقطة تجاذب مستمرة رغم استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بعد عام 2003. وقد أدى قرار المحكمة الاتحادية العراقية الأخير إلى فتح الباب مجدداً أمام تساؤلات حول مدى التزام العراق بالاتفاقيات الدولية الموقعة في فترات سابقة.
وتقوم حالياً شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار بالأمم المتحدة بنشر القوائم المودعة، مما يتيح للدول الأعضاء الاطلاع عليها وتسجيل ملاحظاتها الرسمية. هذه الآلية تمنح النزاع طابعاً مؤسسياً دولياً، وقد تؤدي إلى تراكم ملفات قانونية تستخدم في حال اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
يبقى السؤال الجوهري قائماً حول ما إذا كان الطرفان سيتجهان نحو التحكيم الدولي الشامل، أم سيفضلان مسار التفاوض الثنائي المباشر. وتؤكد لغة البيانات الرسمية الصادرة من بغداد والكويت حرصاً متبادلاً على التمسك بالقانون الدولي، رغم التباين الواضح في تفسير الإحداثيات والحدود البحرية.





Share your opinion
أزمة 'خور عبد الله' تتجدد: خرائط عراقية لدى الأمم المتحدة تثير احتجاجاً كويتياً وقلقاً إقليمياً