تستعد العاصمة الأمريكية واشنطن لاستضافة الجولة الثالثة من المفاوضات المتعلقة بمقترح الحكم الذاتي في منطقة الصحراء الغربية، والمقرر عقدها يومي الاثنين والثلاثاء. تأتي هذه الخطوة في إطار حراك دبلوماسي مكثف تقوده الولايات المتحدة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية بالنزاع الإقليمي الطويل.
وتشهد هذه المرحلة تسارعاً غير مسبوق في وتيرة اللقاءات، حيث تعد هذه الجولة هي الثالثة في غضون أقل من شهر واحد. وكان المسار قد بدأ بجولة أولى في ولاية فلوريدا نهاية يناير الماضي، تلتها جولة ثانية احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد قبل نحو أسبوعين، مما يعكس رغبة دولية في حسم الملف.
يشارك في هذه المفاوضات وفود رفيعة المستوى تضم وزراء خارجية كل من المغرب والجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى الممثل الدبلوماسي لجبهة البوليساريو. كما تحضر الأمم المتحدة كطرف مراقب ومسهل عبر مبعوثها الشخصي للصحراء، ستيفان دي ميستورا، لضمان توافق المخرجات مع القرارات الدولية.
يتولى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، رئاسة هذه الجولات التفاوضية المباشرة. وقد أعرب بولس في تصريحات صحفية عن تفاؤله بإمكانية الوصول إلى أرضية مشتركة، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تهدف لإبرام اتفاق رسمي قبل حلول فصل الصيف.
وتشير تقارير مطلعة إلى أن شهر مايو المقبل قد يشهد التوقيع النهائي على الاتفاق في حال تجاوز العقبات الفنية والقانونية. وتركز النقاشات الحالية على تفاصيل دقيقة تتعلق بمضمون الحكم الذاتي وكيفية تطبيقه على أرض الواقع بما يضمن استقرار المنطقة وتنميتها.
المسار الأول للمفاوضات ينصب على الجوانب السياسية والسيادية، حيث يناقش الوفد المغربي مع جبهة البوليساريو تفاصيل المقترح المكون من 40 صفحة. وتتضمن النقاط الحساسة آلية تعيين رئيس حكومة الإقليم، وما إذا كان التعيين سيصدر عن الملك أو عبر البرلمان المحلي المنتخب.
كما تشمل المباحثات الرموز السيادية لمنطقة الحكم الذاتي، بما في ذلك العلم الخاص بالإقليم ومدى صلاحيات المؤسسات المحلية. ويسعى المفاوضون إلى إيجاد صيغة توازن بين السلطة المركزية في الرباط والإدارة الذاتية الموسعة التي يطالب بها المجتمع الدولي كحل واقعي.
المفاوضات تحتاج إلى الوقت، ونأمل في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن نزاع الصحراء قبل حلول الصيف المقبل.
وتمثل إدارة الموارد الطبيعية أحد أكبر التحديات التي تواجه المتفاوضين في جولة واشنطن الحالية. ويجري البحث في كيفية تقاسم عائدات الفوسفات والصيد البحري والنشاط الزراعي، بالإضافة إلى وضع أطر قانونية لاستغلال الثروات المستقبلية المحتملة مثل الغاز والبترول في المنطقة.
أما المسار الثاني للمفاوضات، فيتعلق بصياغة شكل العلاقة المستقبلية بين منطقة الحكم الذاتي ودول الجوار، وتحديداً الجزائر وموريتانيا. وتهدف هذه التفاهمات إلى ضمان اندماج اقتصادي وأمني يحمي الحدود المشتركة ويعزز التعاون الإقليمي في شمال أفريقيا.
وفي هذا السياق، برزت مطالب موريتانية تدعو إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية، خاصة فيما يتعلق بميناء نواذيبو. ويقترح الجانب الموريتاني خلق تكامل بين مينائه وميناء الداخلة لتجنب التنافس السلبي، بالإضافة إلى تسهيل حركة تنقل السكان والقبائل عبر الحدود الشمالية.
كما تتضمن المقترحات الموريتانية تحويل منطقة 'لكويرة' إلى مركز تنسيق تجاري ونقطة عبور مدنية بعيدة عن المظاهر العسكرية. ويهدف هذا التصور إلى تحويل المنطقة الحدودية إلى جسر للتواصل الاقتصادي والاجتماعي يخدم كافة الأطراف الموقعة على الاتفاق المرتقب.
من جانبه، يترقب مجلس الأمن الدولي تقريراً مفصلاً في أبريل المقبل حول مدى التقدم المحرز في هذه المفاوضات. ويستند التحرك الحالي إلى القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي قاعدة أساسية وجدية للتوصل إلى حل سياسي دائم.
ومن المتوقع أن تشمل المباحثات إعادة النظر في تفويض قوات 'المينورسو' التابعة للأمم المتحدة والمتواجدة في المنطقة منذ عقود. وقد يتم تحويل مهام هذه القوات من مراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء إلى أدوار جديدة تدعم تطبيق اتفاق الحكم الذاتي وإرساء الأمن.
تأتي هذه الضغوط الأمريكية المكثفة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى تتطلب إنهاء النزاعات المزمنة. ويرى مراقبون أن نجاح جولة واشنطن سيمهد الطريق لإنهاء واحد من أقدم النزاعات في القارة الأفريقية، مما سيفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون المغاربي.





Share your opinion
واشنطن تقود جولة مفاوضات حاسمة بشأن الصحراء الغربية وتدفع باتجاه اتفاق قبل الصيف