يعود التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى واجهة الأحداث العالمية بشكل أعنف، حيث ترصد مصادر عسكرية حشداً أمريكياً غير مسبوق في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. وتشير التقارير إلى نشر قرابة أربعين ألف جندي في قواعد مختلفة، مدعومين بحاملتي طائرات وتسع سفن حربية وعشرات المقاتلات، مما يوحي بجدية واشنطن في توجيه ضربة عسكرية محتملة.
على الجانب الآخر، برز علي لاريجاني، البالغ من العمر 67 عاماً، كقائد فعلي لشؤون الدولة الإيرانية بتكليف مباشر من المرشد الأعلى، متجاوزاً في نفوذه دور الرئيس مسعود بزشكيان. ويشغل لاريجاني حالياً رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يقود التحركات الدبلوماسية والعسكرية في ظل حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها البلاد.
اتخذت القيادة الإيرانية إجراءات احترازية صارمة لمواجهة أي استهداف محتمل، حيث حدد المرشد الأعلى أربع طبقات متعاقبة للخلافة في المناصب السيادية والعسكرية. كما صدرت توجيهات للمسؤولين بتسمية أربعة بدلاء لكل منهم لضمان استمرارية القيادة في حال وقوع عمليات اغتيال أو انقطاع في الاتصالات الحيوية.
ميدانياً، وضعت طهران قواتها المسلحة في أعلى درجات التأهب، ونشرت منصات الصواريخ الباليستية على طول الحدود الغربية والسواحل الجنوبية المطلة على الخليج. وتزامنت هذه التحركات مع إجراء مناورات عسكرية تضمنت محاكاة لإغلاق مضيق هرمز واختبار فاعلية المنظومات الصاروخية والمسيرات الانتحارية.
تعتبر إسرائيل الطرف الأكثر حماساً في المنطقة لدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة مع طهران، معتبرة البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً لمشروعها. وتأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة لواشنطن في إطار التنسيق لهذا التصعيد، خاصة بعد الضربات الصاروخية التي طالت العمق الإسرائيلي في وقت سابق.
في المقابل، تتبنى تركيا والسعودية مواقف حذرة ومعارضة لأي تصعيد عسكري شامل، حيث تخشى أنقرة من تدفق اللاجئين وإحياء المشاريع الانفصالية الكردية على حدودها. أما الرياض، فتبدو قلقة من اضطراب أمن الطاقة وعودة التوتر الحدودي مع اليمن، خاصة في ظل الهدنة الهشة التي ترعاها طهران مع حركة أنصار الله.
تمتلك طهران أوراق ضغط استراتيجية قد تحول أي مواجهة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية خانقة، وعلى رأسها التهديد بإغلاق مضيق هرمز. ويرى خبراء أن استهداف ناقلات النفط قد يقفز بأسعار الخام إلى حاجز 200 دولار للبرميل، مما سيؤثر بشكل مباشر على المستهلك الأمريكي والاقتصاد الصيني والأوروبي.
الاستسلام ليس وارداً في عقيدة النظام الإيراني، وأي حرب مدمرة في الإقليم ستدفع طهران لاستخدام أوراقها الاقتصادية والعسكرية القصوى.
داخلياً، فعلت إيران خطة أمنية شاملة تشمل نشر وحدات خاصة وكتائب الباسيج في المدن الكبرى لمنع أي اضطرابات قد تصاحب العمليات العسكرية. وتهدف هذه الخطة إلى تعقب شبكات التجسس وضمان استقرار الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة والعقوبات الاقتصادية المستمرة.
رغم الخطاب التصعيدي من قبل الرئيس ترامب ووزير خارجيته مارك روبيو، إلا أن واشنطن تدرك الطبيعة البراغماتية للنظام الإيراني وقدرته على التفاوض. فالتاريخ يشهد على تفاهمات سابقة في ملفات أفغانستان والعراق، مما يجعل خيار التفاوض تحت النار قائماً لتجنب حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
يبرز سيناريو الضربة الجوية الإسرائيلية المحدودة كأحد الخيارات المطروحة لتقليل الكلفة السياسية والعسكرية على الولايات المتحدة. ويهدف هذا السيناريو إلى حصر المواجهة بين طرفين وتجنب تعطيل إمدادات النفط العالمية، مع تدخل واشنطن لاحقاً لفرض شروط تفاوضية جديدة على طهران.
السيناريو الثاني يتضمن شن حرب مشتركة بين واشنطن وتل أبيب تستهدف شل القدرات العسكرية والمدنية للنظام الإيراني بضربة قاضية. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر هائلة في حال تمكنت إيران من امتصاص الضربة الأولى والرد بشكل واسع يستهدف القواعد الأمريكية والمفاعلات النووية الإسرائيلية.
يبقى خيار الوساطة العمانية هو المخرج الدبلوماسي الأكثر ترجيحاً، حيث يجري العمل على اتفاق يقضي بتنازل طهران عن اليورانيوم المخصب بنسبة عالية. ويتضمن هذا المقترح العودة لاتفاق عام 2015 مع إبقاء بعض العقوبات إرضاءً لإسرائيل وضمان استمرار الضغط على النظام الإيراني من الداخل.
تراقب القوى الدولية مثل روسيا والصين الموقف عن كثب، حيث ترفضان أي تصعيد عسكري يهدد مصالحهما الاستراتيجية في المنطقة. وتعتبر موسكو وبكين طهران حليفاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، وأي زعزعة لاستقرارها ستنعكس سلباً على توازنات القوى العالمية في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
في نهاية المطاف، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معادلة معقدة توازن بين حماية مصالح حليفتها إسرائيل والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي. فالحرب مع إيران ليست مجرد نزهة عسكرية، بل هي مقامرة قد تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط وتؤثر على مستقبل الرئاسة الأمريكية في ظل انتخابات الكونغرس القادمة.





Share your opinion
طبول الحرب تقرع في الخليج: سيناريوهات المواجهة بين واشنطن وطهران وإعادة ترتيب البيت الإيراني