كشفت وثائق رسمية نشرتها الحكومة البريطانية مؤخراً عن كواليس صادمة داخل أروقة صنع القرار في لندن، حيث أظهرت المراسلات تجاهلاً متعمداً للتحذيرات التي أطلقها وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ بشأن الوضع الإنساني والطبي الكارثي في قطاع غزة. وتأتي هذه الوثائق في سياق التحقيقات المتعلقة بفضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة، وهو الشخصية المثيرة للجدل بسبب ارتباطاته السابقة بملف جيفري إبستين.
وأظهرت المراسلات المسربة هجوماً حاداً شنه ماندلسون على ستريتينغ، واصفاً إياه بـ 'الهستيري' و'المثير للشفقة' نتيجة إصرار الأخير على عرض ملفات طبية توثق الجرائم المرتكبة في غزة على وزراء الحكومة. واعتبر ماندلسون في رسائل عبر تطبيق 'واتساب' أن تحركات وزير الصحة تعكس 'عدم نضج سياسي'، مدعياً أن الوزير يمر بـ 'أزمة منتصف العمر' بسبب تعاطفه مع الضحايا المدنيين.
من جانبه، علق ويس ستريتينغ على هذه الوثائق مؤكداً أن محاولاته لتسليط الضوء على المأساة الطبية في غزة كانت تشبه 'الاصطدام بجدار من الطوب' داخل الحكومة. وأوضح في تصريحات صحفية أنه بذل جهوداً مضنية بعيداً عن الأضواء لدفع الحكومة البريطانية نحو اتخاذ موقف أخلاقي ينسجم مع حجم المعاناة التي نقلها أطباء بريطانيون عائدون من القطاع.
وتضمن الملف الذي قدمه ستريتينغ لمجلس الوزراء، والمكون من 22 صفحة، شهادات موثقة لثلاثة أطباء، من بينهم جراحون يعملون في مستشفيات كبرى في لندن. ووصف هؤلاء الأطباء تجاربهم القاسية تحت القصف الإسرائيلي، مؤكدين أنهم اضطروا لإجراء عمليات جراحية معقدة لأطفال دون توفر الحد الأدنى من المسكنات أو التخدير.
وأشارت الوثائق إلى أن التقارير الطبية احتوت على صور مروعة لأطفال رضع يعانون من سوء تغذية حاد، وأطفال آخرين فقدوا أطرافهم جراء الغارات الجوية. وأكد الأطباء في شهاداتهم أن نصف الضحايا الذين استقبلوهم كانوا من الأطفال، وهي إصابات وصفوها بأنها الأكثر وحشية التي شاهدوها طوال مسيرتهم المهنية في مناطق النزاعات الدولية.
ورغم قوة هذه الأدلة، إلا أن ماندلسون واصل سخريته من ستريتينغ في مراسلاته مع الوزير بات ماكفادين، حيث انتقد توزيع مقاطع الفيديو والمذكرات على أعضاء الحكومة في يوليو 2025. واعتبر ماندلسون أن هذه التحركات تضر بصورة الحكومة، في حين كان ستريتينغ يرى أنها ضرورة أخلاقية ملحة لضمان ألا تكون الحرب في غزة 'حرباً بلا شهود'.
وفي رد حديث له عبر منصة 'إكس'، شدد ستريتينغ على أن دوافعه كانت إنسانية بحتة ولم تكن ناتجة عن أزمة شخصية كما زعم ماندلسون. وأعرب عن صدمته من حجم الاستخفاف الذي تعاملت به الدوائر المقربة من رئاسة الحكومة مع الشهادات المؤلمة التي قدمها، مشيراً إلى أن التجاهل كان سياسة ممنهجة في ذلك الوقت.
شعرت في ذلك الوقت وكأنني أصطدم بجدار من الطوب، والآن فقط أدركت مدى الاستخفاف والاستهتار الذي جرى التعامل به لتجاهل تلك المخاوف.
ولم تقتصر التسريبات على قضية غزة، بل امتدت لتكشف عن نظرة ماندلسون الدونية لرئيس الوزراء كير ستارمر نفسه، حيث وصفه في إحدى الرسائل بأنه 'محاصر ومحروم' في داوننغ ستريت. كما ادعى ماندلسون أن ستارمر يفتقر إلى الحماس والقيادة، واصفاً مجلس الوزراء بأنه يفتقد للروح والمبادرة في التعامل مع الأزمات الكبرى.
وتأتي هذه الفضيحة في وقت يواجه فيه كير ستارمر ضغوطاً متزايدة للاستقالة من داخل حزب العمال، خاصة بعد الخسائر المدوية التي مني بها الحزب في الانتخابات البلدية الأخيرة. وقد زادت استقالة ستريتينغ من حدة الأزمة، حيث دعا علانية إلى تغيير القيادة لإنقاذ الحزب من حالة التخبط التي يعيشها.
ويرى مراقبون أن نشر هذه الوثائق يضع الحكومة البريطانية في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي والمحلي، حيث تظهر ازدواجية المعايير في التعامل مع ملف حقوق الإنسان في غزة. كما تثير التساؤلات حول نفوذ شخصيات مثل ماندلسون في توجيه السياسة الخارجية البريطانية رغم عدم شغلهم مناصب رسمية منتخبة.
وكان البرلمان البريطاني قد أقر قانوناً في فبراير الماضي يلزم الحكومة بالشفافية الكاملة بشأن تعيين ماندلسون، وهو ما أدى في النهاية إلى خروج هذه المراسلات للعلن. وتكشف الوثائق أن الصراعات الداخلية في 'داوننغ ستريت' كانت تغلب على القضايا الإنسانية الملحة، مما أدى إلى تأخير الاعتراف بالدولة الفلسطينية لفترة طويلة.
ستريتينغ، الذي زار الضفة الغربية سابقاً ودعا لفرض عقوبات على المستوطنات، أكد أنه لم يكن الوزير الوحيد الذي حاول التغيير، لكن 'الجدار' الحكومي كان أقوى من محاولاتهم. وأضاف أن الفخر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية لاحقاً لا يلغي حقيقة أن الحكومة استغرقت وقتاً طويلاً جداً للوصول إلى هذا القرار الأخلاقي.
وتشير المصادر إلى أن هذه التسريبات قد تكون المسمار الأخير في نعش حكومة ستارمر الحالية، حيث تتصاعد المطالب بإجراء تحقيق مستقل في كيفية تعامل الحكومة مع التقارير الطبية الواردة من غزة. كما يطالب نشطاء حقوقيون بمحاسبة المسؤولين الذين تعمدوا تهميش الشهادات التي توثق جرائم الحرب.
وفي ختام تصريحاته، أكد ستريتينغ أن التاريخ سيسجل من وقف مع الحق ومن اختار السخرية من آلام الضحايا، مشدداً على أن الحقيقة ستظهر مهما حاول البعض طمسها. وتبقى الساحة السياسية البريطانية في حالة غليان بانتظار رد رسمي من رئاسة الحكومة على هذه الاتهامات الخطيرة التي تمس جوهر السياسة الخارجية والأخلاقية للمملكة المتحدة.




