تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً متواصلاً من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي كثف اعتداءاته الجوية والمدفعية على مناطق واسعة في الجنوب والبقاع رغم سريان تمديد الهدنة. وطالت الغارات الجوية بلدات طيردبا وزوطر الشرقية وجبشيت، بالإضافة إلى بلدة سحمر في البقاع الغربي، مما أدى إلى دمار واسع في الممتلكات.
وفي سياق متصل، استهدف القصف المدفعي المركز محيط بلدات أرنون وميفدون ويحمر الشقيف، وصولاً إلى منطقة الميتم الواقعة بين النبطية الفوقا وميفدون. وتأتي هذه الهجمات في ظل تحليق مكثف للطيران الحربي والمسير الذي لا يغادر الأجواء اللبنانية، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الميدانية والإنسانية.
وتتعرض بلدة الخيام الحدودية لعمليات تدمير ممنهجة، حيث أفادت مصادر ميدانية بسماع دوي انفجارات عنيفة ناتجة عن قيام قوات الاحتلال بتفخيخ ونسف مربعات سكنية كاملة. وتتم عمليات التجريف تحت غطاء ناري كثيف، مما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان التي غطت سماء المنطقة وسط حالة من الذعر بين الأهالي.
وكشفت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة ثقيلة للضحايا منذ بدء سريان الهدنة، حيث استشهد أكثر من 400 مواطن وأصيب الآلاف بجروح متفاوتة الخطورة. وسجلت الساعات الأخيرة بعد التمديد الأخير للهدنة ارتقاء 6 شهداء، مما يعكس هشاشة الاتفاقات القائمة أمام استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتتزامن هذه الاعتداءات مع إصدار جيش الاحتلال سلسلة من إنذارات الإخلاء المتتالية لعدد من القرى والبلدات الحدودية، مما دفع مئات العائلات للنزوح القسري نحو مناطق أكثر أمناً. وتستهدف هذه السياسة إفراغ المنطقة من سكانها وتسهيل عمليات التجريف التي تطال البنى التحتية والمرافق العامة في الجنوب.
وعلى الصعيد السياسي، تواجه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل عقبات جوهرية تحول دون الوصول إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار. وتتمثل هذه العقد في التعارض الجذري بين الشروط التي تفرضها تل أبيب والمطالب الوطنية التي تتمسك بها الحكومة اللبنانية في بيروت.
الهدنة الحالية هي 'نصف حرب' ومرحلة انتقالية بين المواجهة الكبرى وإمكانية التوصل لتفاهمات تعيد الوضع لما قبل أكتوبر 2023.
وتشترط إسرائيل كخطوة أولى لتوقيع أي اتفاق سلام نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وهو شرط تراه الدولة اللبنانية غير واقعي في ظل التوازنات الحالية. كما يصر الاحتلال على الاحتفاظ بالحق في تنفيذ ضربات عسكرية مستقبلية تحت ذريعة حماية أمنه، وهو ما يرفضه لبنان جملة وتفصيلاً.
وفي المقابل، يطالب الوفد اللبناني المفاوض بانسحاب إسرائيلي كامل وفوري من كافة الأراضي المحتلة دون قيد أو شرط، معتبراً الشروط الإسرائيلية انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية. ويرى لبنان أن تثبيت أي 'منطقة عازلة' داخل حدوده هو أمر غير مقبول وينتقص من وحدة وسلامة أراضيه.
من جانبه، اعتبر الباحث السياسي أسعد بشارة أن الهدنة الحالية لا تمثل نهاية للحرب، بل هي مجرد 'نصف حرب' تنحصر فيها العمليات العسكرية في مناطق محددة بالجنوب. وأشار بشارة إلى أن الدولة اللبنانية تبذل جهوداً مضنية لاحتواء الموقف ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهة شاملة قد تطال العاصمة بيروت مجدداً.
وأوضح بشارة أن الخيار التفاوضي برعاية أمريكية يظل المسار الوحيد المتاح حالياً، نظراً لقدرة واشنطن على الضغط على الجانب الإسرائيلي للتوصل إلى تفاهمات واقعية. ومع ذلك، حذر من أن الهدنة تبقى مرحلة انتقالية قد تنهار في أي لحظة إذا ما استمرت إسرائيل في تنفيذ 'ضرباتها الوقائية'.
وتبقى التوقعات تشير إلى إمكانية خروج الأمور عن السيطرة رغم الجهود الدولية لضبط النفس، خاصة مع إصرار الاحتلال على منع حزب الله من إعادة تجهيز قدراته العسكرية. ويظل جوهر الأزمة قائماً كقنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في حال فشل الوسطاء في جسر الهوة بين مطالب الطرفين المتناقضة.





