فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 1:24 مساءً - بتوقيت القدس

3 شهداء في غزة وحماس تبحث مع المخابرات التركية خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار

تصاعدت حدة التوترات الميدانية في قطاع غزة يوم الثلاثاء، حيث استشهد ثلاثة مواطنين فلسطينيين وأصيب تسعة آخرون جراء عمليات قصف وإطلاق نار نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تواصل فيه إسرائيل خروقاتها المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن، مما يهدد بانهيار التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها مؤخراً.

وفي تفاصيل الاعتداءات الميدانية، أكدت مصادر طبية في مستشفى ناصر استشهاد الشاب علي ياسر العديني، البالغ من العمر 28 عاماً، إثر تعرضه لرصاصة مباشرة في الرأس أطلقها جنود الاحتلال في مدينة حمد السكنية شمال خان يونس. وتعكس هذه الحادثة استمرار سياسة القنص واستهداف المدنيين في المناطق التي تشهد تواجداً عسكرياً إسرائيلياً رغم سريان التهدئة.

وفي وسط القطاع، نفذت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة استهدفت تجمعاً للمواطنين في منطقة بئر أبو صلاح ببلدة الزوايدة، مما أسفر عن استشهاد المواطن خميس محمود جويفل (47 عاماً) وإصابة خمسة آخرين بجروح متفاوتة. ونُقل المصابون إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح لتلقي العلاج، وسط تحذيرات من تكرار استهداف التجمعات المدنية بالمسيرات.

من جانبه، أقر الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عمليات تصفية استهدفت خمسة فلسطينيين في قطاع غزة خلال الأيام القليلة الماضية، زاعماً أنهم كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد قواته. وتتزامن هذه الادعاءات مع استمرار عمليات نسف المباني والمنشآت السكنية التي يقوم بها جيش الاحتلال في المناطق التي يسيطر عليها شمال وجنوب القطاع، في انتهاك واضح لبنود الاتفاق.

وعلى المسار السياسي، عقد وفد رفيع المستوى من قيادة حركة حماس برئاسة محمد درويش، رئيس المجلس القيادي، جلسة مباحثات معمقة في تركيا مع رئيس المخابرات التركية إبراهيم قالن. وضم الوفد قيادات بارزة من بينهم خالد مشعل وخليل الحية وزاهر جبارين، حيث تركز النقاش حول سبل إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار من الانهيار.

وأوضحت حركة حماس في بيان رسمي أن المباحثات تناولت بشكل أساسي تصاعد العدوان الإسرائيلي وتنكر حكومة الاحتلال لالتزاماتها المقررة في اتفاق شرم الشيخ. وأشار الوفد إلى أن إسرائيل لم تستكمل تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق، بل وعمدت إلى تصعيد عمليات القتل والقصف اليومي لعرقلة أي تقدم في المراحل التالية.

وجدد وفد الحركة التزامه الكامل باتفاق وقف إطلاق النار، معرباً عن تقديره للجهود الكبيرة التي تبذلها أطراف الوساطة في تركيا ومصر وقطر. وطالبت الحركة المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ موقف واضح وحاسم تجاه التنكر الإسرائيلي للاتفاق الذي حظي بضمانة ورعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

ولم تقتصر المباحثات على ملف غزة فحسب، بل استعرض وفد حماس الجرائم المتواصلة في مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى، محذراً من محاولات التهويد المتسارعة والاقتحامات المتكررة. كما تطرق الاجتماع إلى اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية وما يتعرض له الأسرى داخل السجون من عمليات تعذيب وانتهاكات ممنهجة.

وتشير الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية إلى أن عدد ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 قد وصل إلى 932 شهيداً وأكثر من 2800 جريح. وتؤكد الوزارة أن طواقم الإسعاف لا تزال تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى ضحايا تحت الركام وفي الطرقات بسبب القيود العسكرية المستمرة.

يُذكر أن قطاع غزة يعاني من دمار هائل طال نحو 90% من بنيته التحتية جراء حرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في أكتوبر 2023 واستمرت لعامين بدعم أمريكي واسع. وخلفت تلك الحرب حصيلة ثقيلة بلغت نحو 73 ألف شهيد و173 ألف جريح، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تواصل سلطات الاحتلال تقييد دخول المساعدات الإنسانية والطبية الضرورية، مما يفاقم معاناة السكان المحاصرين. ويبقى الترقب سيد الموقف بشأن قدرة الوسطاء الدوليين على إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها وضمان استمرارية الاتفاق السياسي ومنع انزلاق الأوضاع نحو جولة جديدة من المواجهة الشاملة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:54 مساءً - بتوقيت القدس

مبادرة ترامب لتوسيع 'أبراهام': مقايضة الملف الإيراني بالتطبيع وحتمية الأمن الإقليمي

يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة وضعت النظريات السياسية التقليدية أمام اختبارات معقدة، خاصة مع استمرار التوترات الناتجة عن الحرب في غزة والمواجهات المباشرة بين إسرائيل وإيران. وفي خضم هذا الغموض، برزت مبادرة دبلوماسية مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى لدمج مسارين متناقضين في صفقة واحدة كبرى.

تعتمد رؤية ترامب الجديدة على ربط إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الصراع مع طهران بشرط إلزامي يقضي بانضمام دول إقليمية وازنة إلى 'اتفاقيات أبراهام'. وتشمل هذه القائمة المقترحة كلاً من السعودية وقطر، بالإضافة إلى مصر والأردن وتركيا وباكستان، في محاولة لصياغة هندسة إقليمية تضمن مصالح واشنطن.

يرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق إنجاز تاريخي ينهي استنزاف الموارد في الصراعات الشرق أوسطية. كما يكشف التوجه الجديد عن قناعة أمريكية بأن أي اتفاق أمني مع إيران لن يكتب له النجاح دون وجود مظلة إقليمية واسعة تضمن استدامته وتشرك القوى الكبرى كأطراف ضامنة.

أكد ترامب عبر منصته 'تروث سوشال' أن المفاوضات مع الجانب الإيراني تسير في اتجاه إيجابي، لكنه لم يتردد في التلويح بخيارات خشنة في حال فشل المسار الدبلوماسي. هذه الازدواجية تهدف إلى الضغط على كافة الأطراف للقبول بالمقايضة المطروحة بين التهدئة العسكرية والمكاسب السياسية المتمثلة في التطبيع.

على الصعيد الميداني، أثبتت الأشهر الماضية أن كلفة المواجهة المباشرة باهظة جداً على الاقتصاد العالمي، خاصة مع الشلل الذي أصاب حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. هذا الواقع جعل من الدبلوماسية المخرج الوحيد المتاح لواشنطن لتجنب الانزلاق في حرب شاملة لا تلوح في أفقها بوادر نصر حاسم.

رغم الضغوط الأمريكية، أظهرت العلاقات الخليجية الإيرانية قدرة على الصمود أمام أعاصير التصعيد، حيث يسود إدراك متبادل بأن أمن ضفتي الخليج متلازم بنيوياً. وتستند هذه الحتمية إلى المصالح الاقتصادية المشتركة، خاصة مع تبني دول المنطقة لرؤى تنموية طموحة تتطلب استقراراً أمنياً شاملاً.

تعتبر السعودية أن استقرار المنطقة هو الركيزة الأساسية لنجاح 'رؤية 2030' وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يتطلب بيئة صفرية المشاكل. وفي المقابل، تجد إيران في الانفتاح على جيرانها طوق نجاة لكسر العزلة الدولية وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية التي أنهكت كاهل الدولة لسنوات طويلة.

تظل القضية الفلسطينية العقبة الهيكلية الأبرز أمام طموحات ترامب، حيث ترفض الرياض منح ورقة التطبيع دون ثمن سياسي حقيقي. وتتمسك القيادة السعودية بضرورة وجود مسار دائم وغير قابل للتراجع لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.

يرى محللون أن أي محاولة لتجاوز الحقوق الفلسطينية في ظل المشاهد الدامية في غزة ستواجه برفض شعبي واسع في العالمين العربي والإسلامي. فالاستقرار السياسي والشرعية الشعبية للأنظمة الحاكمة مرتبطان بشكل وثيق بالعدالة في حل القضية الفلسطينية، مما يجعل القفز فوق هذا الملف مغامرة غير محسوبة.

بالإضافة إلى الموقف السعودي، تواجه المبادرة الأمريكية جداراً من الرفض لدى دول مثل مصر والأردن وتركيا التي تمتلك علاقات سابقة مع إسرائيل. هذه الدول تسعى حالياً لتهدئة الأوضاع وحل الأزمات من جذورها، بدلاً من الانخراط في تحالفات أمنية جديدة قد تزيد من حالة الاستقطاب في الشارع العربي.

لقد تضررت صورة القيادة الإسرائيلية الحالية بشكل كبير في الوجدان الجمعي العربي نتيجة الممارسات العسكرية في قطاع غزة والملاحقات القانونية الدولية. هذا الواقع جعل من فكرة بناء شراكات استراتيجية جديدة مع الحكومة الإسرائيلية الحالية أمراً في غاية الصعوبة، نظراً للحساسية السياسية والأخلاقية العالية.

يتجه الشرق الأوسط نحو ضرورة التأسيس لنظام أمن جماعي محلي ينبع من احتياجات المنطقة نفسها بعيداً عن الإملاءات الخارجية. إن نجاح أي تسوية شاملة يتطلب حواراً مباشراً ومستداماً بين القوى الإقليمية الأربع الكبرى: الرياض، وطهران، والقاهرة، وأنقرة، لتقاسم المسؤوليات الأمنية والاقتصادية.

أثبتت التجارب السابقة أن الرهان على الوعود الخارجية المتبدلة بتبدل الإدارات في البيت الأبيض لا يوفر استقراراً طويل الأمد. لذا، فإن العبور نحو نظام إقليمي مستدام يمر عبر بوابة التفاهمات البينية والاعتراف بأن الأمن هو مشروع محلي مشترك لا يمكن استيراده كسلعة جاهزة.

في الختام، تظل مطالبة ترامب بتوسيع اتفاقيات أبراهام كشرط للاتفاق مع إيران استراتيجية تعاني من خلل في فهم التوازنات الجديدة. إن مفتاح الاستقرار في المنطقة لم يعد بيد واشنطن وحدها، بل يكمن في التعايش السلمي بين العرب وإيران والحل العادل للقضية الفلسطينية كمدخل إلزامي لأي سلام حقيقي.

اقتصاد

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:54 مساءً - بتوقيت القدس

اقتصاد الصالح العام.. رؤية ماريانا مازوكاتو لإعادة تعريف النجاح بعيداً عن منطق السوق

قدمت الاقتصادية ماريانا مازوكاتو في مؤلفها الأحدث 'اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة' مرافعة فكرية لإعادة التفكير في هيكلية النظام الاقتصادي العالمي. وترى مازوكاتو أن النجاح لا ينبغي أن يقاس بمجرد تراكم الأرباح، بل بمدى قدرة الدولة والقطاع الخاص على التعاون لتحقيق غايات مجتمعية كبرى.

يأتي هذا الطرح في وقت حساس تشهده الساحة السياسية البريطانية، حيث تواجه حكومة حزب العمال انتقادات حول ضبابية رؤيتها الاقتصادية. وقد شكلت أفكار مازوكاتو سابقاً حجر الزاوية في وعود رئيس الوزراء كير ستارمر، إلا أن الكتاب الجديد يضع هذه الوعود تحت مجهر النقد والمساءلة.

تنتقد المؤلفة بشدة النظرة النيوليبرالية التي تحصر دور الحكومات في إصلاح أعطال السوق فقط، وتدعو بدلاً من ذلك إلى أن تكون الدولة شريكاً فاعلاً في الابتكار. وتؤكد أن الاقتصاد يجب أن يُدار كمشروع جماعي تشارك فيه كافة فئات المجتمع لضمان توجيه الاستثمارات نحو قضايا ملحة كالمناخ والصحة.

يقوم النموذج المقترح في الكتاب على خمسة مبادئ أساسية تهدف إلى تغيير مسار 'البوصلة الاقتصادية' التقليدية. أول هذه المبادئ هو تحديد غاية واضحة للنمو، بحيث لا يكون التوسع الاقتصادي هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لتحسين جودة حياة المواطنين وتحقيق الاستدامة.

وتشدد مازوكاتو على أهمية المشاركة الشعبية في صياغة السياسات العامة، معتبرة أن فرض القرارات من الأعلى يضعف الثقة العامة. كما تدعو إلى تعزيز التعلم الجماعي بين المؤسسات لضمان تبادل الخبرات والمعرفة التي تساهم في خلق قيمة مضافة حقيقية للمجتمع.

فيما يخص توزيع الثروة، يطرح الكتاب مفهوم 'التوزيع المسبق' كبديل عن المعالجات الضريبية اللاحقة التي تأتي بعد تراكم الأرباح. ويقضي هذا المفهوم بتصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية لضمان حصول العمال والمجتمعات على نصيب عادل من عوائد الابتكار والتمويل العام.

وترفض الاقتصادية البريطانية الادعاء بأن حماية البيئة تعيق النمو الاقتصادي، معتبرة أن المشكلة تكمن في طبيعة الأهداف الموجهة للنمو وليس في النمو ذاته. وتدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي ليشمل معايير الاستدامة والعدالة الاجتماعية كجزء أصيل من عملية الإنتاج.

يتضمن الكتاب نقداً ضمنياً لتجربة حزب العمال الحالية، حيث ترى مازوكاتو أن شعار 'إطلاق النمو' يفتقر إلى العمق المطلوب. وتؤكد أن المهمة الوطنية الحقيقية ليست في زيادة الأرقام، بل في تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسلكه الاقتصاد لخدمة المصلحة العامة.

وتشير المصادر إلى أن مازوكاتو تدافع عن ضرورة استبدال منطق 'سد الثغرات' برؤية استباقية تعالج جذور الفقر والتهميش. وترى أن هذه الأزمات ليست آثاراً جانبية حتمية، بل هي نتيجة لخيارات سياسية واقتصادية يمكن تغييرها عبر إعادة هيكلة العقود الحكومية.

كما يقترح الكتاب فرض شروط صارمة على الشركات التي تتلقى دعماً حكومياً، بما يضمن التزامها بأهداف بيئية واجتماعية محددة. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان أن الثروة الناتجة عن الموارد العامة تعود بالنفع على دافعي الضرائب وليس فقط على المساهمين في الشركات.

وفي سياق المساءلة، يركز المبدأ الخامس في الكتاب على الشفافية المطلقة في إدارة الموارد الاقتصادية. وتؤكد المؤلفة أن خضوع الحكومات والشركات للرقابة المجتمعية هو الضمان الوحيد لعدم انحراف الاقتصاد عن مسار الصالح العام الذي رسمته في أطروحتها.

تستشهد مازوكاتو بنجاحات سابقة في العمل الجماعي، مثل تطوير اللقاحات خلال الجائحة، كدليل على قدرة الاقتصادات على تحقيق المعجزات عندما تتوحد الأهداف. وتدعو إلى تبني هذا النهج 'الرسالي' في مواجهة التحديات الوجودية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.

يمتد أثر هذا النقاش إلى خارج الحدود البريطانية، ليطرح تساؤلات جوهرية على الاقتصادات الناشئة والعربية حول جدوى السياسات التقليدية. فبينما تنشغل الكثير من الدول بمؤشرات النمو الصماء، يذكر الكتاب بأن العدالة الاجتماعية يجب أن تكون في قلب العملية التنموية.

في الختام، يمثل كتاب 'اقتصاد الصالح العام' دعوة لاستعادة الأخلاق والسياسة إلى صلب العلوم الاقتصادية. وتخلص مازوكاتو إلى أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه المجتمعات اليوم ليس 'كم ننتج؟'، بل 'لصالح من ننتج؟' وكيف يمكننا الإبحار باقتصاداتنا نحو مستقبل أكثر إنصافاً.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:54 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من مخطط إسرائيلي أمريكي لإنهاء الوصاية الهاشمية على الأقصى: هل تقترب المواجهة؟

سلط الكاتب والمعلق السياسي البريطاني بيتر أوبورن الضوء على التصعيد الإسرائيلي الممنهج تجاه المسجد الأقصى المبارك، محذراً من محاولات تقويض ترتيبات 'الوضع القائم' التاريخية. وأشار أوبورن في مقال تحليلي إلى أن المساعي الإسرائيلية الحالية تحظى بدعم مباشر من شخصيات نافذة في الدوائر الأمريكية المقربة من دونالد ترامب، مما يضع الوصاية الهاشمية في مهب الريح.

تعتبر الرؤية التحليلية أن استهداف الحرم القدسي الشريف يتجاوز كونه صراعاً موضعياً، بل يمثل تهديداً قد يفتح الباب أمام مواجهة دينية شاملة في الشرق الأوسط. ويرى الكاتب أن إسرائيل دأبت منذ عقود على إحكام قبضتها التدريجية على الموقع، مستشهداً باقتحام أرييل شارون للمجمع عام 2000 كبداية لسياسة الاستيلاء الفعلي التي نشهد فصولها اليوم.

من الناحية القانونية والشرعية، يتولى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مسؤولية صيانة وأمن المسجد الأقصى، إلا أن الممارسات الميدانية تعكس واقعاً مغايراً. فقد أفادت مصادر ميدانية بأن قوات الأمن الإسرائيلية باتت تتدخل في أدق التفاصيل الإنشائية والإدارية داخل المجمع، بما في ذلك منع أعمال الترميم البسيطة دون إذن مسبق.

كشفت تقارير صحفية مؤخراً عن مؤامرة تقودها أطراف في واشنطن وتل أبيب تهدف لتجريد العائلة المالكة الأردنية من دورها التاريخي في القدس. وتتضمن هذه الخطة، التي يروج لها جاريد كوشنر والسفير مايك هكابي، منح إسرائيل صلاحية تعيين الأئمة والتحكم في محتوى خطب الجمعة، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الأردنية.

تستند هذه التحركات الإسرائيلية إلى سابقة تقسيم الحرم الإبراهيمي في الخليل، وهو النموذج الذي يسعى اليمين المتطرف بزعامة إيتمار بن غفير لتكراره في الأقصى. ويقوم بن غفير، الذي يعتبر الإرهابي باروخ غولدشتاين بطلاً له، باقتحامات متكررة تهدف إلى فرض واقع جديد يمهد لبناء 'الهيكل الثالث' المزعوم على أنقاض قبة الصخرة.

تغيرت عقيدة جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي 'الشاباك' تحت ضغوط حكومة نتنياهو اليمينية، حيث بدأ الجهاز يتماهى مع تطلعات اليمين الديني. وأشارت تقارير إلى أن رئيس الجهاز الجديد، ديفيد زيني، أظهر إشارات رمزية تدعم السيطرة اليهودية على 'جبل الهيكل'، مما ينهي عقوداً من الحذر الأمني تجاه استفزاز المسلمين.

أمام هذه التعديات، يواجه العاهل الأردني ضغوطاً هائلة لاتخاذ موقف حاسم يتجاوز بيانات الاحتجاج الدبلوماسية المعتادة. ورغم الاعتماد الاقتصادي والأمني للأردن على بعض الاتفاقيات، إلا أن المساس بالأقصى يمس شرعية النظام الهاشمي المستمدة من نسبه النبوي ودوره التاريخي في حماية المقدسات.

يؤكد 'الكتاب الأبيض' الذي أصدره الأردن قبل سنوات أن الدفاع عن المسجد الأقصى هو 'فرض عين' على كل مسلم، ويمنح الملك الحق في إعلان 'حرب عادلة'. وتوضح الوثيقة أن الهاشميين لم يفرطوا في شبر واحد من مساحة الحرم البالغة 144 دونماً، وأنهم مستعدون لبذل الغالي والنفيس لحمايته.

تشير مصادر مطلعة إلى أن الملك عبد الله الثاني أرسل رسائل واضحة لواشنطن وتل أبيب في فبراير 2025، أكد فيها استعداد بلاده للمواجهة العسكرية. وجاء هذا التهديد رداً على أطروحات إسرائيلية تتعلق بالتهجير القسري للفلسطينيين، مما يعكس جدية عمان في حماية أمنها القومي ومقدساتها.

تمتلك الأردن أوراق قوة استراتيجية في أي مواجهة محتملة، أبرزها الحدود الطويلة والممتدة على مسافة 400 كيلومتر مع إسرائيل. وتتميز هذه الحدود بتضاريس جبلية وعرة تجعل من السيطرة الأمنية الإسرائيلية عليها أمراً شبه مستحيل في حال غياب التنسيق الأمني الأردني، مما يفتح الباب أمام حرب عصابات طويلة.

يعيش الشارع الأردني حالة من الغليان بسبب حرب الإبادة الجماعية في غزة والانتهاكات المستمرة في الضفة الغربية، وهو ما يزيد من الضغط الشعبي على القيادة. ويشعر الأردنيون، بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون، بمسؤولية تاريخية تجاه القدس، مما يجعل أي تحرك عسكري دفاعاً عن الأقصى يحظى بإجماع وطني واسع.

يرى خبراء أن إسرائيل والولايات المتحدة قد تسيئان تقدير الموقف الأردني، معتقدتين أن الضغوط الاقتصادية ستجبر الملك على الإذعان. إلا أن التاريخ يثبت أن قضايا الهوية والدين في المنطقة تتجاوز الحسابات المادية، وأن الملك قد يجد في المواجهة وسيلة لضمان بقاء شرعيته وعرشه أمام الأطماع التوسعية.

حذر الشيخ عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية في القدس، من أن المساس بالوصاية الهاشمية هو مساس بعقيدة ملياري مسلم حول العالم. وأكد الخطيب أن الهاشميين، بوصفهم من سلالة النبي، لن يسمحوا أبداً بتغيير هوية المسجد الأقصى، محذراً من أن أي تغيير في الوضع القائم سيشعل فتيل حرب دينية عالمية.

في نهاية المطاف، يجد الملك عبد الله الثاني نفسه أمام خيار وجودي بين القبول بالأمر الواقع الذي تفرضه إدارة ترامب ونتنياهو، أو خوض غمار مواجهة غير متكافئة. إن مستقبل المنطقة بأسرها، وليس فقط السلالة الهاشمية، يعتمد على كيفية إدارة هذا الصراع حول أقدس المواقع الإسلامية في فلسطين المحتلة.

اقتصاد

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:54 مساءً - بتوقيت القدس

قفزة مليارية في ثروة الوليد بن طلال خلال 24 ساعة

شهدت ثروة الأمير السعودي الوليد بن طلال قفزة نوعية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مما عزز من مكانته المتقدمة ضمن قائمة أثرياء العالم. ووفقاً لبيانات اقتصادية حديثة، فقد ارتفعت القيمة الإجمالية لأصوله لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ فترة، وسط تفاؤل في الأسواق المالية.

وأظهرت مؤشرات فوربس اللحظية للمليارديرات أن ثروة الأمير السعودي استقرت عند نحو 23.6 مليار دولار. وتأتي هذه الزيادة لتعكس القوة الشرائية والاستثمارية التي تتمتع بها المحفظة الخاصة برئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة في الأسواق الدولية والمحلية.

وبحسب الأرقام المسجلة خلال تعاملات يوم الأحد الموافق 31 أيار/ مايو، فقد حققت الثروة نمواً بنسبة بلغت 4.18 بالمئة مقارنة بإغلاق اليوم السابق. وتعادل هذه النسبة زيادة مالية تقدر بنحو مليار دولار أمريكي جرى تحصيلها في غضون يوم واحد فقط من التداولات النشطة.

وعزت مصادر اقتصادية هذا الارتفاع المفاجئ إلى الأداء القوي الذي سجلته القطاعات الاستثمارية التي يركز عليها الأمير في الآونة الأخيرة. وبرز قطاع التكنولوجيا كأحد المحركات الرئيسية لهذا النمو، خاصة مع الطفرة التي تشهدها الشركات المرتبطة بتقنيات الذاء الاصطناعي عالمياً.

وتمتلك شركة المملكة القابضة، التي يقودها الوليد بن طلال، استراتيجية استثمارية متنوعة مكنتها من امتصاص تقلبات السوق. وتتوزع هذه الاستثمارات بين قطاعات حيوية تشمل العقارات الفاخرة، وسلسلة فنادق عالمية، بالإضافة إلى حضور قوي في قطاع الإعلام والخدمات المصرفية.

ويُعرف عن الأمير الوليد بن طلال قدرته على اقتناص الفرص في الأسواق الناشئة والمستقرة على حد سواء، وهو ما ساعده على البقاء كأحد أبرز المستثمرين العرب. وتعد هذه القفزة في ثروته دليلاً على نجاح الرهانات الاستثمارية طويلة الأمد التي يتبناها في مجالات الابتكار الرقمي.

وفي سياق متصل، واصلت شركة المملكة القابضة توسيع نطاق عملياتها التشغيلية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها. وتهدف الشركة من خلال هذا التوسع إلى تنويع مصادر الدخل والاستفادة من الفرص المتاحة في قطاعات الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية المتطورة.

وتشير التقارير المالية إلى أن عام 2026 شهد تسجيل مستويات قياسية لإجمالي ثروات المليارديرات حول العالم. ويأتي هذا الارتفاع الجماعي مدعوماً بزيادة قيم الأصول والأسهم في البورصات العالمية، رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجه بعض المناطق.

وتشتد المنافسة بين كبار المستثمرين العالميين على المراكز الأولى في قوائم الثراء، حيث تلعب أسهم شركات التقنية الكبرى دوراً حاسماً في ترتيب هؤلاء الأفراد. وقد نجح الوليد بن طلال في الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة تضعه دائماً في دائرة الضوء الاقتصادية.

ويرى محللون أن استثمارات الأمير في الذكاء الاصطناعي تعكس رؤية مستقبلية تتماشى مع التحولات الجذرية في الاقتصاد العالمي. إذ أصبحت هذه التقنيات تمثل العمود الفقري للنمو المالي في العقد الحالي، مما يفسر القفزات المليارية المفاجئة في قيم الشركات المرتبطة بها.

ختاماً، تظل ثروة الوليد بن طلال تحت مجهر المراقبين الماليين نظراً لتأثيرها المباشر على حركة بعض الأسهم القيادية. ومع استمرار الأداء الإيجابي للأسواق، يتوقع خبراء أن تواصل هذه الثروة مسارها التصاعدي في ظل استراتيجية التنويع التي تتبعها المملكة القابضة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من كارثة وبائية تفتك بأطفال غزة وسط انتشار القوارض وتلوث المياه

تتصاعد التحذيرات الطبية والإنسانية من كارثة صحية وشيكة تفتك بأطفال قطاع غزة، نتيجة الاكتظاظ الشديد في مخيمات النزوح والتدهور البيئي الحاد. وأفادت مصادر طبية بأن توسيع الاحتلال الإسرائيلي لسيطرته الميدانية وحشر مئات الآلاف في مساحات ضيقة يفاقم الأوضاع الصحية للأطفال الذين باتوا عرضة للأوبئة الفتاكة.

ويستقبل مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوبي القطاع عشرات الحالات اليومية المصابة بأمراض ناتجة عن التلوث، وسط عجز في الإمكانيات الطبية المتاحة. وتشير التقارير الدولية إلى أن نحو 800 ألف طفل نازح يعانون حالياً من مزيج من سوء التغذية الحاد والأمراض المعدية التي تنتشر بسرعة البرق في خيام النازحين.

وأكد الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى الأطفال والولادة في مجمع ناصر أن القطاع يمر بأزمة بيئية غير مسبوقة بعد حصر السكان في أقل من 40% من مساحة غزة. وحذر الفرا من أن التهديدات بتقليص هذه المساحة إلى 30% ستؤدي إلى انفجار وبائي لا يمكن السيطرة عليه في ظل انعدام المقومات الأساسية للحياة.

وتشكل النفايات المتراكمة خطراً داهماً، حيث تتحلل وتسرب سوائلها السامة إلى خزان المياه الجوفية، مما يلوث مصدر المياه الوحيد المتبقي للسكان. وبالتوازي مع ذلك، تشهد المخيمات تكاثراً مخيفاً للقوارض والحشرات التي أصبحت تمتلك مناعة ضد المبيدات الحشرية التقليدية، وتغزو خيام النازحين متلفة مستلزماتهم البسيطة.

ورصدت الطواقم الطبية انتشاراً واسعاً لأمراض جلدية معدية مثل الجرب، بالإضافة إلى لدغات حشرات غريبة تسبب التهابات حادة. والأخطر من ذلك هو ظهور حالات مصابة بـ 'حمى التيفوس'، وهو مرض خطير يسبب ارتفاعاً شديداً في درجات الحرارة وتجلطات في الدم قد تؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم التدخل طبياً بشكل عاجل.

وتلعب أزمة الطاقة دوراً محورياً في تدهور الوضع الصحي، حيث يؤدي انقطاع الكهرباء التام عن المخيمات إلى فساد الأطعمة القليلة المتوفرة. وبسبب غياب وسائل التبريد، يضطر النازحون لتناول أغذية قد تكون ملوثة أو تالفة، مما يرفع من معدلات الإصابة بالتسمم الغذائي والنزلات المعوية الحادة بين الرضع والأطفال.

وشهدت المستشفيات العاملة ضغطاً هائلاً، حيث قفز عدد المراجعين في أقسام الأطفال من 100 حالة يومياً إلى أكثر من 450 حالة خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية. كما ارتفعت أعداد الحالات التي تتطلب مبيتاً طبياً من 25 حالة إلى نحو 100 حالة، مما اضطر إدارة المستشفى لافتتاح أقسام إضافية في المستشفيات الميدانية.

وناشدت الكوادر الطبية المجتمع الدولي والمنظمات الصحية العالمية للتدخل الفوري لإنقاذ الإنسان الفلسطيني من سياسة التدمير الممنهج لمقومات الحياة. وأوضح أطباء ميدانيون أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الضغوط البيئية والصحية إلى دفع السكان نحو التهجير القسري عبر جعل غزة مكاناً غير قابل للعيش الآدمي.

من جانبهن، عبرت أمهات نازحات عن يأسهن من الظروف المعيشية، حيث أكدت السيدة شيماء موسى أن أطفالها يعانون من إصابات جلدية مستمرة بسبب تلوث الجو والمياه. فيما أشارت السيدة صفاء إلى ترددها الدائم على المستشفى لعلاج ابنها الذي تدهورت حالته الصحية، في ظل عجز الأسرة عن توفير أبسط أنواع الأدوية أو المنظفات.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

دراسة بحثية: الجريمة المنظمة في الداخل المحتل 'حوكمة عنيفة' تتغذى على التواطؤ الإسرائيلي وتراجع السياسة

خلصت دراسة اجتماعية حديثة أعدتها الباحثة الفلسطينية الدكتورة همت زعبي، إلى أن الجريمة المتفشية في البلدات العربية داخل الخط الأخضر لم تعد مجرد انحراف سلوكي، بل باتت تشكل تهديداً استراتيجياً ينطوي على 'حوكمة عنيفة'. وأوضحت الدراسة المنشورة عبر مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن منابع هذه الظاهرة تتجاوز مجرد التواطؤ الأمني الإسرائيلي، لتصل إلى جذور بنيوية مرتبطة بتراجع العمل السياسي الجماعي وتفكك الأطر الوطنية.

وتقترح زعبي، المقيمة في برلين والمنحدرة من مدينة الناصرة أن مواجهة هذا التمدد الإجرامي لا يمكن أن تقتصر على الاحتجاجات التقليدية أو السياسات القطرية المعزولة عن المجتمع. ودعت الباحثة إلى ضرورة إعادة بناء النسيج الاجتماعي من القاعدة إلى القمة، وتعزيز الثقة المفقودة بين المكونات المحلية، مع تطوير تنسيق مستمر بين التنظيمات القاعدية لضمان مواجهة شاملة تتجاوز ردود الفعل الآنية.

وتعقد الدراسة مقارنة تحليلية بين واقع الجريمة المنظمة في أراضي 48 وبين نماذج مشابهة في بلدان أمريكا الجنوبية، ليس من باب الاستنساخ، بل لتسليط الضوء على الشروط البنيوية المتشابهة. وترى زعبي أن هذه المقارنة تساعد في فهم كيف يتحول العنف إلى أداة فاعلة في المجتمعات المهمشة، وكيف يمكن التفكير في شروط المواجهة الجماعية لمواجهة سياسات الإفقار والتهميش المتعمد.

وتؤكد الباحثة أن الجريمة المنظمة في السياق الاستعماري لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من نزع الملكية والتهميش السياسي الذي تمارسه مؤسسات الدولة الإسرائيلية. ومع ذلك، تركز الدراسة على الكيفية التي تحولت بها هذه الجريمة إلى نمط لإدارة الحياة اليومية، حيث تعيد ترتيب العلاقات والسلطات داخل المجتمع الفلسطيني وتحدد شروط البقاء والعمل تحت وطأة التهديد الدائم.

وتنطلق الورقة البحثية من فرضية أن الجريمة أصبحت 'شرطاً حاكماً' يعيد صياغة علاقة الأفراد بالمكان وبمؤسسات الحكم الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. وتظهر الأدبيات الاجتماعية أن الجماعات الإجرامية تسعى لإنتاج شكل من الضبط الاجتماعي، يصبح فيه العنف هو الوسيلة الأساسية لتنظيم السلوك وفرض قواعد الحركة والتنقل، وحتى اختيار أماكن السكن والعمل.

وتشير زعبي إلى أن حالة فلسطينيي 48 تطورت ضمن سياق 'عملية مزدوجة' تتمثل في انسحاب متعمد للدولة من مسؤولياتها في توفير الأمن المدني، مقابل حضور أمني واستخباراتي مكثف يهدف للقمع السياسي. هذا الفراغ المتعمد سمح لعصابات الإجرام بالنمو والتحول إلى قوة اقتصادية تسيطر على مفاتيح التنمية داخل القطاع الخاص الفلسطيني، مما زاد من تعقيد المشهد الاجتماعي.

وقد رصدت الدراسة تحولاً نوعياً في عمل هذه العصابات، حيث انتقلت من الجرائم التقليدية إلى فرض الإتاوات والسيطرة على ميزانيات السلطات المحلية العربية. وأوضحت أن هذا التغلغل وصل إلى حد التدخل في العطاءات الحكومية والتأثير على نتائج الانتخابات البلدية، مما جعل المؤسسات المحلية رهينة لمراكز القوى الإجرامية التي تبني ثرواتها من دماء المجتمع.

وتربط الباحثة بين هذا التدهور وبين تراجع التشكلات السياسية الجمعية وتصدع الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل، بالإضافة إلى تآكل نفوذ الأحزاب والنقابات. هذا الغياب السياسي جعل قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك المقاولون والتجار، مكشوفين أمام الابتزاز في ظل غياب فعلي للشرطة الإسرائيلية التي قد تكون أحياناً على علم بهذه الجرائم أو مستفيدة منها.

وتتماشى هذه الخلاصات مع اتهامات لجنة المتابعة العليا، التي تؤكد أن المؤسسة الإسرائيلية أطلقت يد الجريمة منذ هبة القدس والأقصى عام 2000 كإجراء عقابي. وترى اللجنة أن الهدف من هذا الصمت الأمني هو إشغال الفلسطينيين في الداخل بنزاعاتهم الداخلية وصرف أنظارهم عن القضايا الوطنية والسياسية الجوهرية التي تمس وجودهم وحقوقهم.

وتتابع زعبي موضحة أن الجريمة المنظمة دخلت مفاصل الحياة كلها، وأصبح ينظر إليها كأحد أشكال 'الحوكمة والضبط' التي تتقاطع مع منطق الحكم القائم. وفي ظل غياب الأمان، تحولت عصابات الإجرام إلى وسيلة حكم تدار بواسطة الترهيب، مما دفع ببعض الفئات المهنية كالأطباء والمثقفين للجوء إليها أحياناً لطلب الحماية أو حل النزاعات.

وتحذر الدراسة من أن هذا الواقع يشير إلى فراغ تنظيمي عميق يتطلب بناء سلطة اجتماعية مضادة متجذرة في المجتمع نفسه لمواجهة هذا التغول. وتشدد زعبي على أن 'المحلي' هو موقع الإمكان الوحيد للفعل الجماعي، حيث يمكن من خلاله إعادة إنتاج علاقات الثقة وتطوير شبكات تنسيق تؤدي وظائف مؤسساتية تحمي الحياة اليومية للسكان.

ويتطلب هذا المسار انخراطاً فعلياً من الفاعلين المركزيين في المجتمع، بمن في ذلك المربون والأطباء ومديرو المؤسسات وأصحاب المصالح الاقتصادية. وترى الباحثة أن الخروج من المبادرات المعزولة إلى تنظيمات محلية مستقلة على مستوى القرية والمدينة هو السبيل الوحيد لإعادة بناء البنية الاجتماعية التي جرى تفكيكها بشكل منهجي على مدار عقود.

وفيما يتعلق بالمستوى السياسي القطري، تنبه زعبي إلى ضرورة وجود علاقة تكاملية لا تنافسية مع التنظيمات المحلية، محذرة من اختلاف مصادر الشرعية بين الطرفين. فالعمل المحلي ينبثق من هم وجودي مرتبط بحماية الحياة، بينما تتحرك السياسة القطرية غالباً ضمن حسابات تمثيلية وحدود تفرضها منظومة الحكم الإسرائيلية، مما يتطلب حذراً في التعامل.

وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن الدور الفاعل للسياسي القطري يشترط الالتزام بدعم التنظيمات المحلية وحمايتها من الاحتواء أو التفريغ، بدلاً من السعي لقيادتها. إن استعادة الأمان في مناطق 48 تتطلب مساراً طويلاً من العمل القاعدي الذي يضع حماية الإنسان الفلسطيني فوق أي اعتبارات سياسية ضيقة، لمواجهة مشروع التفكيك الذي تقوده الجريمة المنظمة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

منازل غزة المائلة.. حياة معلقة على حافة الانهيار وأجساد تقاوم الجاذبية

في مشهد يجسد قسوة الواقع السكني في قطاع غزة، تضطر عائلات فلسطينية للتعايش مع منازل مالت جدرانها وأرضياتها بفعل الغارات الإسرائيلية. هبة عرفات، إحدى القاطنات في هذه الأبنية، تصف كيف تتحول ساعات النوم إلى صراع مع الجاذبية، حيث يستيقظ أفراد أسرتها ليجدوا أنفسهم قد انزلقوا بعيداً عن أماكنهم الأصلية نتيجة ميلان الأرضية.

تؤكد هبة أن العيش في هذه البيئة غير المتزنة تسبب لأفراد أسرتها بأمراض مزمنة تتعلق بفقدان التوازن، منها الصداع المستمر والدوخة وآلام المفاصل والظهر. وتضيف أن أبسط المهام اليومية، مثل وضع زجاجة ماء أو الطهي على موقد الغاز، باتت تتطلب ابتكار وسائل لإسناد الأشياء ومنعها من الانزلاق أو الانقلاب، مما يحول الروتين إلى عبء جسدي ونفسي.

المخاطر لا تتوقف عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى السلامة الجسدية المباشرة، حيث يتعرض الأطفال والكبار للانزلاق والتعثر المتكرر أثناء الحركة داخل المنزل. وتصف هبة حالة من الإرباك البصري تصيب السكان، إذ تبدو البيوت المستقيمة المحيطة بهم مائلة عند النظر إليها من نوافذ منزلهم الذي يتوهمون استقامته تحت تأثير الاعتياد.

ورغم هذه الظروف الخطيرة، يجد السكان أنفسهم مجبرين على البقاء تحت أسقف مهددة بالانهيار، معتبرين أن مرارة العيش في منزل مائل تظل أخف وطأة من العودة إلى الخيام ومراكز الإيواء. هذه المفاضلة القاسية تعكس حجم الأزمة السكنية الخانقة التي خلفها الدمار الواسع في البنية التحتية والوحدات السكنية بجميع مناطق القطاع.

في نموذج آخر للمعاناة، يقطن صالح أحمد في مبنى يبلغ انحرافه نحو متر وعشرين سنتيمتراً، ويضم خمس عائلات يبلغ عددهم نحو 50 فرداً. يشير صالح إلى أن الميلان أثر حتى على أداء العبادات، حيث يجد المصلون صعوبة بالغة في السجود والاستقرار على الأرض، مما يتطلب مجهوداً عضلياً إضافياً لمقاومة انزلاق الجسد.

ويعاني صالح من صداع دائم يتركز في مؤخرة الرأس، ويحتاج يومياً إلى نحو عشر دقائق فور استيقاظه لإعادة ضبط إحساسه بالاتزان قبل القدرة على المشي. ويصف كيف أن الأشياء البسيطة مثل كؤوس الماء قد 'تبتعد' عن مكانها بفعل الميلان، مما يجعل الحذر الشديد رفيقاً دائماً لكل حركة داخل جدران المبنى.

القلق الأكبر الذي يطارد سكان هذه الأبنية هو وقوع أي قصف قريب، إذ يخشون أن تؤدي الاهتزازات الارتدادية إلى انهيار المبنى بالكامل. فالمباني التي فقدت أساساتها باتت تعتمد على أعمدة متفرقة ومتهالكة لا تضمن الحد الأدنى من الأمان الإنشائي، مما يجعلها قبوراً محتملة لقاطنيها في أي لحظة.

أما أحمد عرفات، الذي يعاني من إصابة في النخاع الشوكي، فقد وجد نفسه عاجزاً عن الوصول إلى شقته في الطوابق العليا بسبب ميلان الدرج الذي استحال عائقاً أمام كرسيه المتحرك. واضطر أحمد لنصب خيمة عند مدخل البناية للإقامة فيها، بينما تعيش زوجته وأبناؤه في الطوابق المائلة، في انقسام قسري تفرضه الجغرافيا المشوهة للمنزل.

من الناحية الهندسية، يحذر المختص في المنشآت الآيلة للسقوط، المهندس محمود عبيد، من أن هذه البيوت فقدت عناصر ارتكازها الأساسية على التربة. ويوضح أن الأساسات لم تعد تؤدي وظيفتها الإنشائية، مما يجعل تصنيفها الهندسي 'آيلة للسقوط' بشكل قطعي، حتى لو بدت للعيان متماسكة أو صلبة في بعض أجزائها.

ويؤكد عبيد أن هذه المباني تقف فعلياً على 'شفا جرف هار'، وأن خطر انهيارها قائم في أي لحظة وبشكل مفاجئ، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ويشير إلى أن هذه الظاهرة باتت تغطي مساحات واسعة من قطاع غزة، حيث تضررت آلاف الوحدات السكنية بدرجات متفاوتة من الميلان والضعف الإنشائي غير المرئي.

إلى جانب المخاطر الإنشائية، يبرز البعد النفسي والسلوكي كأحد أخطر تداعيات العيش في بيئات غير متزنة، حيث يؤكد خبراء أن غياب الاستقرار المكاني يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب. فالإنسان مهيأ فطرياً للعيش فوق أرضيات مستوية، والخلل في هذا التوازن يرسل إشارات إجهاد مستمرة للجهاز العصبي.

وتأتي هذه المعاناة في ظل استمرار سلطات الاحتلال في عرقلة جهود إعادة الإعمار ومنع دخول المواد اللازمة لترميم ما دمرته الحرب. ورغم مرور أشهر على توقف العمليات العسكرية، إلا أن الركام الذي يقدر بنحو 60 مليون طن لا يزال يغلق الأفق أمام العائلات التي تحلم ببيت آمن ومستقيم.

وتشير تقديرات وزارة الأشغال والإسكان الفلسطينية إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية دمرت نحو 90% من منازل القطاع وبنيته التحتية بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا الدمار الشامل حول غزة إلى منطقة منكوبة سكنياً، حيث تفتقر مئات آلاف العائلات إلى مأوى يحقق الحد الأدنى من المعايير الإنسانية والهندسية.

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن أكثر من 330 ألف وحدة سكنية تضررت كلياً أو جزئياً، وهو ما يمثل أكثر من 70% من إجمالي الوحدات في القطاع. هذه الأرقام الصادمة تفسر لماذا يختار الفلسطينيون المخاطرة بحياتهم داخل المنازل المائلة، في ظل انعدام أي خيارات بديلة تلوح في الأفق القريب.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يشن حملة اعتقالات واسعة في الضفة تطال طالبات جامعيات

نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واسعة النطاق في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة والقدس، أسفرت عن اعتقال 35 مواطناً فلسطينياً على الأقل. وأفادت مصادر حقوقية بأن هذه العمليات جرت في الفترة ما بين مساء أمس الاثنين وفجر اليوم الثلاثاء، حيث طالت الاعتقالات فئات متنوعة من المجتمع الفلسطيني في إطار التصعيد المستمر.

وشملت قائمة المعتقلين أربع طالبات من جامعة بيرزيت شمال مدينة رام الله، بالإضافة إلى عدد من الأسرى المحررين الذين أعاد الاحتلال اعتقالهم. وتركزت الاقتحامات العسكرية بشكل مكثف في محافظتي طولكرم ونابلس، بينما توزعت بقية المداهمات والاعتقالات على بلدات وقرى في محافظتي الخليل ورام الله، وسط عمليات تفتيش وتخريب للممتلكات.

وأكدت مصادر من نادي الأسير الفلسطيني أن الاحتلال يواصل تصعيد عمليات الملاحقة والتحقيق الميداني بوتيرة غير مسبوقة منذ مطلع العام الجاري. وأشارت المصادر إلى أن هذا السلوك يأتي امتداداً للإجراءات القمعية التي تضاعفت منذ بدء العدوان الشامل في أكتوبر 2023، مستهدفاً ترهيب الفلسطينيين عبر حملات اعتقال يومية ومنظمة.

وفي سياق متصل، حذرت الهيئات الحقوقية من الاستهداف المتزايد للنساء الفلسطينيات، حيث يتم استخدامهن كرهائن للضغط على ذويهن أو كأداة للعقاب الجماعي. وتتضمن هذه العمليات اقتحامات ليلية مروعة للمنازل واستخدام أساليب تحقيق قاسية تهدف إلى كسر الإرادة الشعبية، وهو ما يمثل مؤشراً خطيراً على تدهور الأوضاع الإنسانية والقانونية للمعتقلين.

وتشير المعطيات الإحصائية الأخيرة إلى أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال وصل إلى نحو 9400 معتقل، من بينهم 84 أسيرة و360 طفلاً. ومن بين هذا العدد الإجمالي، يواجه 3376 فلسطينياً الاعتقال الإداري التعسفي، وهو نظام يتيح للاحتلال احتجاز المواطنين دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة، استناداً إلى ما يسمى بالملفات السرية التي يُحرم المحامون من الاطلاع عليها.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

توصية عسكرية إسرائيلية بشن عملية واسعة في مناطق سيطرة حماس بغزة

أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال الإسرائيلي رفعت توصية رسمية إلى القيادتين السياسية والعسكرية، تحث فيها على تنفيذ عملية عسكرية مركزة تستهدف المناطق التي لا تزال حركة حماس تحتفظ فيها بنفوذ ميداني وإداري داخل قطاع غزة.

وذكرت التقارير أن هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجية الاحتلال الرامية إلى تفكيك ما تبقى من البنية التنظيمية والقدرات العسكرية للحركة، وضمان عدم قدرتها على استعادة السيطرة أو إعادة ترتيب صفوفها في الجيوب التي لا تزال خارج القبضة العسكرية الإسرائيلية الكاملة.

وتشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى ضرورة التحرك في هذه المناطق لمنع حماس من ممارسة أي أدوار سلطوية أو إدارية، حيث تسعى تل أبيب من خلال هذه العملية المقترحة إلى إنهاء أي مظهر من مظاهر الحكم التابعة للحركة وتضييق الخناق على تحركاتها الميدانية المتبقية.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني في غزة: شهداء في غارات مكثفة ونسف مربعات سكنية تزامناً مع مباحثات القاهرة

صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من خروقاتها الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة خلال الساعات الأخيرة، حيث نفذت عمليات تدمير واسعة طالت مربعات سكنية كاملة. وأفادت مصادر ميدانية بأن أصوات انفجارات ضخمة هزت المناطق الشرقية لحي التفاح شرقي مدينة غزة، ناتجة عن عمليات نسف مكثفة للمباني نفذها جيش الاحتلال، مما أدى إلى تطاير الشظايا وصولاً إلى خيام النازحين القريبة.

وفي وسط القطاع، شنت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة استهدفت بلدة الزوايدة فجر اليوم، ما أسفر عن ارتقاء شهيد وإصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة. وتأتي هذه الغارة في سياق سلسلة من الاستهدافات الجوية التي لم تتوقف رغم التفاهمات المعلنة، مما يفاقم حالة الذعر بين السكان الذين يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية.

المناطق الشرقية لمدينة غزة، وتحديداً أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح، شهدت أيضاً إطلاق نار كثيف وقصفاً مدفعياً متواصلاً من المواقع العسكرية الإسرائيلية المتمركزة على الحدود. وتستغل قوات الاحتلال سيطرتها الميدانية في هذه المناطق لتنفيذ عمليات تجريف واسعة واستحداث تحصينات عسكرية جديدة، في خطوة تعكس نية البقاء لفترات أطول.

وأكدت مصادر محلية أن هذه التحركات العسكرية تجري ضمن ما يُعرف بمناطق 'الخط الأصفر'، وهي المساحات التي كان من المفترض انسحاب جيش الاحتلال منها بموجب بنود اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن الوقائع على الأرض تثبت عكس ذلك، حيث يواصل الاحتلال تعزيز وجوده العسكري وتوسيع نقاط التماس، ضارباً بعرض الحائط التفاهمات الدولية.

وفي مدينة خانيونس جنوبي القطاع، استشهد مواطن فلسطيني برصاص قوات الاحتلال في محيط مدينة حمد السكنية شمال غربي المدينة. وذكر شهود عيان أن قناصة الاحتلال المتمركزين في المناطق القريبة يطلقون النار بشكل مباشر على كل من يتحرك في تلك المنطقة، مما يعيق حركة المواطنين ويمنعهم من الوصول إلى ممتلكاتهم.

كما استهدفت غارة إسرائيلية أخرى سيارة مدنية كانت تسير على طريق صلاح الدين الاستراتيجي، وتحديداً في المنطقة الواقعة شرق دير البلح وسط القطاع. وأكدت مصادر طبية وصول عدد من الشهداء والجرحى إلى المستشفيات نتيجة هذا الاستهداف المباشر، الذي يندرج ضمن سياسة ملاحقة المركبات المدنية على الطرق الرئيسية.

سياسياً، تتجه الأنظار حالياً إلى العاصمة المصرية القاهرة، التي تستضيف جولة جديدة وحاسمة من المباحثات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره الشامل. وتشارك في هذه الجولة وفود من الوسطاء الدوليين والإقليميين، في محاولة للتوصل إلى صيغة تضمن التزام كافة الأطراف بالبنود المتفق عليها ووقف نزيف الدماء.

وحذرت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى من أن استمرار الخروقات الإسرائيلية الممنهجة يضع الاتفاق في مهب الريح ويقوض جهود الوسطاء. وأشارت الفصائل إلى أن الصمت الدولي تجاه هذه الانتهاكات يشجع الاحتلال على مواصلة جرائمه، مؤكدة أن الحفاظ على الاتفاق مرهون بوقف العدوان والانسحاب الكامل من المناطق المتفق عليها.

ويسعى الوسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا إلى طرح مقاربات جديدة تهدف إلى جسر الهوة بين الطرفين وتوفير ضمانات حقيقية لاستمرار الهدوء. وتعتبر هذه الجولة بمثابة 'فرصة أخيرة' لإنقاذ المسار السياسي، خاصة في ظل الضغوط الشعبية والإنسانية المتزايدة داخل قطاع غزة نتيجة استمرار الحصار والقصف المتقطع.

ووفقاً لآخر إحصائية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد ارتكب جيش الاحتلال أكثر من 3076 خرقاً منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي. وأدت هذه الخروقات إلى استشهاد 939 فلسطينياً وإصابة نحو 2889 آخرين، بالإضافة إلى اعتقال عشرات المواطنين، مما يعكس حجم الانتهاكات المستمرة للتهدئة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع في استخدام الآليات الثقيلة الإسرائيلية جنوب لبنان خشية مسيرات حزب الله

أفادت تقارير صحفية عبرية بأن قيادة الجيش الإسرائيلي اتخذت قراراً بتقليص الاعتماد على المعدات والآليات الثقيلة في العمليات الجارية بجنوب لبنان. وشمل هذا الإجراء تراجعاً ملحوظاً في استخدام الحفارات والجرافات العسكرية التي كانت تعمل في الخطوط الأمامية، وذلك عقب رصد تحولها إلى أهداف مكشوفة وسهلة للاستهداف من قبل الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله.

وذكرت المصادر أن هذا التغيير التكتيكي جاء مدفوعاً بتصاعد خطر المسيرات الانقضاضية المزودة بتقنيات الرؤية الليلية، والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً ومقلقاً للتحركات الميدانية. وقد تسببت هذه الطائرات مؤخراً في مقتل جنديين إسرائيليين خلال هجومين منفصلين وقعا في غضون أيام قليلة، مما استدعى إعادة تقييم شاملة لآلية عمل القوات في المناطق المفتوحة.

وتسود حالة من الذهول والصدمة داخل أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نتيجة التطور النوعي في قدرات حزب الله الجوية، خاصة في الشق المتعلق بالعمليات الليلية. وأوضحت مصادر مطلعة أن الجيش لم يعتد على مواجهة هذا النمط من الهجمات الدقيقة في الظلام، حيث كان يعتمد تاريخياً على تفوقه التكنولوجي المطلق في الرؤية الليلية والتحرك الآمن خلال ساعات الليل.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المسيرات الليلية نجحت في كسر احتكار الاحتلال للسيطرة على الميدان بعد غياب الشمس، مما أدى إلى شلل جزئي في عمل الوحدات الهندسيّة. ويحاول الجيش حالياً البحث عن حلول تقنية أو تكتيكية لمواجهة هذا التحدي الجديد الذي أفقد آلياته الثقيلة ميزة الحماية، وجعل من بقائها في الميدان عبئاً عسكرياً وبشرياً كبيراً.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنيست الإسرائيلي يخطو الخطوة الأولى نحو حل نفسه وتحديد موعد للانتخابات المبكرة

خطا الكنيست الإسرائيلي خطوة دراماتيكية نحو إنهاء ولايته الحالية، بعد أن صادق في وقت متأخر من ليل الثلاثاء بالقراءة الأولى على مشروع قانون حل نفسه. وجاءت هذه المصادقة بأغلبية ساحقة بلغت 106 أصوات من أصل 120 عضواً، دون تسجيل أي معارضة تذكر، مما يعكس رغبة جماعية في التوجه نحو صناديق الاقتراع.

وعلى الرغم من هذا التوافق الواسع في التصويت، إلا أن المسار التشريعي لم ينتهِ بعد، حيث يتطلب القانون المرور عبر القراءتين الثانية والثالثة ليصبح نافذاً بشكل رسمي. وتفتح هذه الخطوة الباب أمام مرحلة من التجاذبات السياسية حول التفاصيل النهائية وموعد إجراء الانتخابات المقبلة.

ومن المقرر أن يُحال مشروع القانون الآن إلى لجنة الكنيست المختصة لإجراء مناقشات معمقة وصياغة البنود النهائية قبل إعادته للهيئة العامة. وتعتبر هاتان المرحلتان هما الحاسمتان اللتان ستحددان بشكل قطعي موعد حل البرلمان وبدء الفترة الانتقالية للحكومة الحالية.

وتشير التقديرات الأولية والمقترحات المطروحة إلى أن موعد الانتخابات المبكرة سيتراوح ما بين الثامن من سبتمبر والعشرين من أكتوبر المقبلين. وسيتم حسم التاريخ النهائي خلال المداولات التشريعية المقبلة، مع مراعاة التوازنات السياسية بين أحزاب الائتلاف والمعارضة.

من جانبها، أكدت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها التامة لإدارة العملية الانتخابية ضمن أي جدول زمني يقره الكنيست، حتى لو تقلصت المدة القانونية المعتادة. وأوضح القائم بأعمال مدير اللجنة، دين ليفني أن الكوادر الفنية مستعدة للتعامل مع الضغط الزمني المتوقع لضمان نزاهة الاقتراع.

ومع ذلك، تبرز تحديات لوجيستية جدية تتعلق بتزامن المواعيد المقترحة مع الأعياد اليهودية، مما قد يعيق عمليات فرز الأصوات والرقابة. وحذرت اللجنة من أن اختيار تاريخ 15 سبتمبر قد يتطلب تمديد مهلة إعلان النتائج الرسمية لضمان الدقة الفنية والقانونية في ظل العطلات الرسمية.

وفيما يتعلق بالنشاط البرلماني الحالي، ستبقى اللجان قادرة على تمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل حتى لحظة المصادقة النهائية على حل الكنيست. ومن أبرز هذه القوانين مقترح فصل صلاحيات المستشار القضائي للحكومة، وخطة إعادة هيكلة قطاع الإعلام التي يسعى الليكود لإقرارها.

وبمجرد إقرار الحل نهائياً، ستتوقف كافة المسارات التشريعية المفتوحة وتُجمد القوانين التي لم تكتمل مراحلها، إلا في حالات التوافق الشامل. ويهدف هذا الإجراء إلى منع استغلال الفترة الانتقالية لتمرير تشريعات حزبية ضيقة دون رقابة برلمانية كاملة.

وتعود جذور هذه الأزمة السياسية إلى الخلاف العميق بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأحزاب الحريدية حول قانون التجنيد. وقد فشلت الحكومة في التوصل إلى صيغة توافقية تعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، مما دفع الحلفاء الدينيين للتلويح بفرط عقد الائتلاف.

وأفادت مصادر سياسية بأن الزعيم الروحي لحزب 'ديغل هاتوراه' أصدر تعليماته للنواب بالتحرك نحو حل البرلمان بعد وصول المفاوضات مع نتنياهو إلى طريق مسدود. ويرى القادة الدينيون أن الذهاب للانتخابات أفضل من القبول بقانون تجنيد لا يلبي تطلعات قاعدتهم الجماهيرية.

وتكشف الكواليس عن تباين في وجهات النظر داخل المعسكر الحريدي نفسه بشأن التوقيت الأمثل للانتخابات، حيث يفضل البعض شهر سبتمبر لضمان حشد الناخبين. وفي المقابل، يحاول حزب الليكود كسب المزيد من الوقت لتأجيل الموعد قدر الإمكان، أملاً في تحسين موقعه في استطلاعات الرأي.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تصدعاً كبيراً في بنية الائتلاف اليميني الحاكم الذي واجه أزمات متلاحقة منذ تشكيله. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تشهد فيه الساحة الإسرائيلية استقطاباً حاداً حول قضايا داخلية وأمنية معقدة.

إن التوجه نحو جولة انتخابية جديدة يضع إسرائيل أمام حالة من عدم اليقين السياسي، في ظل عجز المعسكرات المتنافسة عن تحقيق أغلبية مستقرة. ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة سباقاً مع الزمن لترتيب الأوراق السياسية قبل الدخول رسمياً في معمعة الحملات الانتخابية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

إيهود باراك يهاجم نتنياهو: جيشنا مستنزف والحكومة تبيع الأوهام للجمهور

وجه رئيس الوزراء ووزير الأمن الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، انتقادات حادة وشديدة اللهجة إلى الحكومة اليمينية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. واتهم باراك الحكومة بممارسة التضليل الممنهج ضد الجمهور الإسرائيلي، في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من استنزاف مستمر وتواصل سقوط صواريخ حزب الله على المستوطنات الشمالية.

وأشار باراك في تصريحات نقلتها مصادر إعلامية عبرية، إلى أن الوعود التي يطلقها نتنياهو حول تدمير قدرات حزب الله وإعادته عشرات السنين إلى الوراء هي محض 'هراء'. وأوضح أن الأرقام المعلنة حول خسائر الجيش لا تعكس الواقع الميداني، واصفاً سلوك رئيس الوزراء بأنه مجرد 'عد للجثث' دون تحقيق أهداف استراتيجية حقيقية.

وتطرق الجنرال الأسبق إلى الإعلانات الأمريكية الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الواقع على الأرض كذب تلك الادعاءات فور صدورها. فقد استأنف حزب الله قصفه للمستوطنات الشمالية بعد وقت قصير من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يعكس فشل المقاربة السياسية والأمنية الحالية في احتواء الموقف.

وحذر باراك من الأوهام التي تسوقها الحكومة حول إمكانية القضاء النهائي على حزب الله، مؤكداً أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون احتلال كامل للأراضي اللبنانية. واعتبر أن خيار الاحتلال غير عملي على الإطلاق، وأن الاستمرار في تدمير القرى اللبنانية يمنح الحزب دوراً أكثر أهمية وشرعية داخل النسيج اللبناني بدلاً من إضعافه.

ورأى باراك أن السياسات الحالية تسببت في وصول إسرائيل إلى أخطر وضع سياسي وأمني في تاريخها، نتيجة غياب الرؤية الدبلوماسية. وأكد أن الحروب يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حلول سياسية، بينما تكتفي الحكومة الحالية ببث رسائل البقاء الدائم في لبنان، وهو ما يعزز موقف إيران والمحور الداعم لها في المنطقة.

وفيما يخص العمليات البرية، أعرب رئيس الأركان الأسبق عن خشية عميقة من أن التحركات العسكرية لا ترتبط بأهداف عملية واضحة. وذكر أن حزب الله تطور تاريخياً نتيجة الوجود الإسرائيلي داخل لبنان، متسائلاً عن سبب تأخر الانسحاب في المرات السابقة، ومحذراً من تكرار ذات الأخطاء الاستراتيجية التي تقوي الخصوم.

واختتم باراك حديثه بالإشارة إلى أن القيادات المعارضة مثل نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت يتفوقون على نتنياهو بمراحل في إدارة الأزمات. ودعا إلى ضرورة التحرك الدولي المنسق مع قوى إقليمية ودولية لتقويض شرعية سلاح حزب الله، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية المنفردة التي أثبتت فشلها في تحقيق الأمن المستدام.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنيست يصادق بالقراءة الأولى على حل نفسه والتوجه لانتخابات مبكرة

خطت المنظومة السياسية في دولة الاحتلال خطوة متقدمة نحو إنهاء الدورة البرلمانية الحالية، حيث صادقت الهيئة العامة للكنيست في وقت متأخر من ليل أمس بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بحل البرلمان. وقد حظي هذا التوجه بتأييد واسع وشبه إجماعي، إذ صوت لصالح القرار 106 أعضاء، مما يعكس رغبة سياسية عارمة في التوجه نحو صناديق الاقتراع مجدداً لحسم الأزمات الراهنة.

يأتي هذا التصويت الحاسم بعد ساعات قليلة من توصية لجنة الكنيست بطرح المشروع أمام الهيئة العامة للنقاش العاجل، وهو ما يشير إلى تسارع وتيرة الإجراءات القانونية لفك الارتباط الحكومي الحالي. ومع ذلك، لا يزال المسار التشريعي يتطلب استكمال القراءتين الثانية والثالثة قبل أن يصبح القانون نافذاً بشكل رسمي، وهي مرحلة تتطلب توافقات نهائية حول التفاصيل الفنية والزمنية للعملية الانتخابية.

وبحسب المسودة التي تمت المصادقة عليها، فإن المواعيد المقترحة لإجراء الانتخابات التشريعية المبكرة تتراوح في الفترة ما بين الثامن من أيلول والعشرين من تشرين الأول المقبلين. وتجري حالياً مشاورات مكثفة داخل أروقة الائتلاف الحكومي لبلورة موقف نهائي بشأن التاريخ الدقيق الذي سيتم اعتماده رسمياً، وذلك لضمان جاهزية الأحزاب واللجان المشرفة على العملية الانتخابية.

أفادت مصادر مطلعة بأن الائتلاف يسعى لتحديد موعد يخدم مصالحه السياسية قبل عرض التشريع للتصويت النهائي والقطعي في الأيام القادمة. وفي حال إتمام المصادقة النهائية، ستدخل البلاد في مرحلة انتقالية سياسية تشهد إعادة ترتيب للأوراق الحزبية، وسط ترقب محلي ودولي لما ستسفر عنه نتائج الانتخابات المقبلة وتأثيرها على الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة.

تحليل

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يواجه نتنياهو: التصعيد في لبنان يهدد مفاوضات إيران

سالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 2/6/2026


نسب موقع "آكسيوس" الأميركي  إلى مصادر أميركية مطلعة قولها أن مواجهة حادة وغير مألوفة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، في تطور يعكس حجم القلق داخل الإدارة الأميركية من احتمال انهيار المسار الدبلوماسي الجاري مع إيران واتساع رقعة التوتر الإقليمي.


وبحسب المصادر المطلعة على فحوى الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الزعيمين الاثنين، فإن ترمب وجّه انتقادات لاذعة لنتنياهو بسبب تهديداته بتوسيع العمليات العسكرية واستهداف العاصمة اللبنانية بيروت، معتبراً أن هذا النهج لا يضر فقط بصورة إسرائيل الدولية، بل يهدد أيضاً الجهود السياسية التي تبذلها واشنطن لاحتواء أزمات المنطقة.


وقال مسؤول أميركي إن الرئيس الأميركي أبلغ نتنياهو بشكل مباشر أن أي هجوم واسع على بيروت سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وسيمنح خصومها السياسيين والدبلوماسيين ذرائع إضافية لمهاجمتها، في وقت تواجه فيه انتقادات متزايدة بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية الناجمة عن عملياتها العسكرية.


وأشارت المصادر إلى أن ترمب لم يخفِ استياءه من الطريقة التي يدير بها نتنياهو المواجهة في لبنان، معتبراً أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية تجاوزت حدود الردع والدفاع المشروع إلى سياسة تصعيد قد تقود إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه.


ووفق المعلومات المتداولة داخل الأوساط الأميركية، فإن الرئيس الأميركي ذكّر نتنياهو بالدعم السياسي الذي وفره له خلال السنوات الماضية، بما في ذلك وقوفه إلى جانبه خلال الأزمات القضائية والسياسية التي واجهها داخل إسرائيل، معبراً عن امتعاضه مما اعتبره تجاهلاً إسرائيلياً للمصالح الاستراتيجية الأميركية الأوسع في المنطقة.


ويأتي هذا التوتر في وقت توسع فيه إسرائيل عملياتها البرية في جنوب لبنان، بالتوازي مع التلويح بتوجيه ضربات إلى أهداف داخل بيروت. وأكد مسؤولون أميركيون أن ترمب أبدى قلقاً خاصاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين ومن اعتماد الجيش الإسرائيلي أساليب عسكرية تؤدي إلى تدمير واسع النطاق من أجل استهداف شخصيات أو مواقع محددة تابعة لحزب الله.


 


 


وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضغوط الأميركية نجحت، على الأقل مؤقتاً، في ثني الحكومة الإسرائيلية عن تنفيذ خطط كانت قيد الدراسة لاستهداف مواقع داخل العاصمة اللبنانية، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على استمرار قدرة واشنطن على التأثير في القرارات الإسرائيلية عندما تتعارض مع المصالح الأميركية المباشرة.


وتكتسب هذه الأزمة أهمية إضافية بسبب تزامنها مع المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. فالإدارة الأميركية ترى أن أي تصعيد كبير في لبنان قد يدفع طهران إلى الانسحاب من المحادثات أو التشدد في مواقفها، وهو ما يهدد أحد أبرز الملفات التي يراهن عليها ترمب في سياسته الخارجية.


وكانت إيران قد لوّحت بالفعل بإمكانية إعادة النظر في مسار التفاوض إذا استمرت العمليات الإسرائيلية في لبنان، الأمر الذي دفع البيت الأبيض إلى تكثيف جهوده لمنع تحول الجبهة اللبنانية إلى عامل يقوض المسار الدبلوماسي بأكمله.


ورغم أن نتنياهو أكد بعد الاتصال أن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية ما دامت هجمات حزب الله مستمرة، فإن مصادر أميركية ترى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اضطر إلى التراجع عن بعض خياراته الأكثر تصعيداً تحت ضغط مباشر من البيت الأبيض.


ويعكس هذا السجال المتصاعد تبايناً متزايداً بين أولويات الطرفين؛ فبينما تركز الحكومة الإسرائيلية على توسيع هامشها العسكري في مواجهة حزب الله، تسعى إدارة ترمب إلى منع اندلاع حرب إقليمية قد تطيح بجهودها الرامية إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط عبر التفاهم مع إيران.


وتكشف هذه الأزمة أن العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب لا تلغي وجود خطوط حمراء أميركية عندما تصبح المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة معرضة للخطر. فحين كان التصعيد الإسرائيلي يهدد بصورة مباشرة المفاوضات مع إيران، بدا أن البيت الأبيض مستعد لاستخدام نفوذه السياسي للضغط على نتنياهو. وتؤشر الحادثة إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل، رغم متانته، ليس مطلقاً أو غير مشروط. كما تعكس إدراكاً متزايداً داخل الإدارة الأميركية بأن استمرار الحروب الإقليمية المفتوحة يضعف قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها الدبلوماسية ويستنزف نفوذها الدولي.


ولم يعد الملف اللبناني شأناً منفصلاً عن المفاوضات الأميركية الإيرانية، بل أصبح جزءاً من معادلة تفاوضية أوسع. فطهران تنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أوراق نفوذها الإقليمية، وأي محاولة لإضعافه عسكرياً خلال المفاوضات ستُفسَّر على أنها ضغط سياسي غير مباشر على إيران نفسها. لذلك تخشى واشنطن من أن يؤدي التصعيد الإسرائيلي إلى انهيار الثقة بين الأطراف المتفاوضة. ومن هذا المنطلق، تبدو الجبهة اللبنانية اليوم إحدى أكثر الساحات تأثيراً في تحديد مستقبل أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران.


ويواجه نتنياهو معضلة متزايدة التعقيد تتمثل في التوفيق بين متطلبات المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي وبين الضغوط القادمة من واشنطن. فمن جهة، يحتاج إلى إظهار الحزم العسكري للحفاظ على تماسك ائتلافه السياسي وتفادي الانتقادات الداخلية. ومن جهة أخرى، لا يستطيع تجاهل الضغوط الأميركية بسبب اعتماد إسرائيل الاستراتيجي على الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي توفره الولايات المتحدة. ولذلك قد تشهد المرحلة المقبلة استمراراً لحالة الشد والجذب بين الطرفين، مع محاولة نتنياهو تحقيق مكاسب ميدانية دون الوصول إلى مواجهة تثير غضب البيت الأبيض.

تحليل

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

بقيادة طليب، تصويت مرتقب في مجلس النواب لإنهاء الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على لبنان

رسالة واشنطن




واشنطن –  سعيد عريقات-2/6/2026


تحليل إخباري


يستعد مجلس النواب الأميركي خلال الأيام المقبلة للتصويت على مشروع قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على تفويض صريح من الكونغرس، في خطوة تعكس تنامي الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن الانخراط المتواصل لواشنطن في النزاعات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل.


ويقود هذه المبادرة التشريعية النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، الفلسطينية الأصل، التي تحولت إلى أحد أبرز وجوه المعارضة داخل الكونغرس للسياسات الإسرائيلية وللغطاء السياسي والعسكري الذي توفره لها واشنطن. وتشتهر طليب بمواقفها الجريئة في مواجهة ما يعتبره منتقدون انحيازاً راسخاً داخل المؤسسة التشريعية الأميركية لمصلحة إسرائيل، إذ لم تتردد في تحدي ضغوط جماعات الضغط المؤيدة لها والدفاع عن حقوق الفلسطينيين واللبنانيين في المحافل التشريعية. ومن هذا المنطلق، تقدمت بمشروع قرار يهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على موافقة الكونغرس، بما في ذلك التعاون الاستخباري والعسكري الذي ترى أنه يجعل الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في النزاع.


ويأتي التحرك التشريعي في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب بسبب ما يعتبره معارضون تجاوزاً لصلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الخارجية. وتستند هذه الانتقادات إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، والذي يفرض قيوداً على قدرة الرئيس على إشراك الولايات المتحدة في عمليات عسكرية أو دعم نزاعات مسلحة دون موافقة الكونغرس.


ووفق مذكرة أعدها مكتب النائبة طليب، فإن إدارة ترمب لم تكتف بدعم العمليات الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً، بل شاركت بصورة مباشرة في اتخاذ قرارات تتعلق بالموافقة على بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أو رفضها، فضلاً عن توفير معلومات استخبارية استخدمت في تنفيذ هجمات عسكرية وتنسيق مستمر مع الجيش الإسرائيلي خلال مجريات الحرب.


وتشير المعطيات التي يستند إليها مؤيدو القرار إلى أن استمرار هذا الانخراط يجعل الولايات المتحدة طرفاً فعلياً في النزاع، وليس مجرد داعم خارجي لإسرائيل. ويؤكد هؤلاء أن حجم التنسيق العسكري والاستخباري القائم يتجاوز حدود الدعم التقليدي بين الحلفاء، ما يضع الإدارة الأميركية في مواجهة أسئلة قانونية وسياسية متزايدة داخل الكونغرس.


وتقول طليب إن الحرب الإسرائيلية على لبنان أسفرت منذ مطلع آذارالماضي عن مقتل أكثر من 3400 لبناني، بينهم أعداد كبيرة من المدنيين، معتبرة أن الولايات المتحدة تتحمل جزءاً من المسؤولية عن استمرار العمليات العسكرية نتيجة الدعم الذي تقدمه لإسرائيل. وتعهدت النائبة الديمقراطية بدفع المجلس إلى التصويت على إنهاء المشاركة الأميركية الفورية في ما وصفته بـ"الحرب غير القانونية وغير الأخلاقية" على لبنان.


ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه إدارة ترمب على الملف اللبناني. فالمجلس يستعد أيضاً للنظر في مشروع قرار منفصل يهدف إلى تقييد الحرب الدائرة مع إيران وإنهاء العمليات العسكرية الأميركية المرتبطة بها. ويأتي ذلك في ظل استمرار المواجهات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، رغم الحديث عن وقف إطلاق نار هش ما زال مهدداً بالانهيار في أي لحظة.


وكان الجمهوريون في مجلس النواب قد نجحوا سابقاً في تأجيل التصويت على مشروع القرار المتعلق بإيران قبل عطلة "يوم الذكرى"، بعدما تبين أن عدداً من النواب لا يؤيدون مساعي القيادة الجمهورية لمنع طرحه. إلا أن عودة الكونغرس إلى الانعقاد أعادت الملف إلى الواجهة وسط تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة بإعادة تأكيد دور السلطة التشريعية في قرارات الحرب والسلم.


ويأتي هذا التحرك التشريعي في واشنطن فيما تتزايد المؤشرات إلى احتمال اتساع رقعة المواجهة الإقليمية إذا استمرت الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الاثنين، من أن طهران قد تنتقل إلى مرحلة "المواجهة المباشرة مع العدو" إذا لم توقف إسرائيل هجماتها على الأراضي اللبنانية. وجاءت تصريحات قاليباف عقب اتصال أجراه مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أكد خلاله أن "استمرار العدوان الإسرائيلي لن يؤدي فقط إلى وقف مسار المفاوضات الجارية، بل سيدفع إيران إلى الانخراط بصورة مباشرة في المواجهة". وتعكس هذه التصريحات حجم الترابط المتزايد بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، وتؤكد أن أي تصعيد إضافي في لبنان قد يتحول سريعاً إلى عامل تفجير لمواجهة إقليمية أوسع تشمل أطرافاً عدة، في وقت تبذل فيه جهود دبلوماسية مكثفة لمنع انهيار التهدئة الهشة القائمة بين واشنطن وطهران.


كما تضفي هذه التهديدات الإيرانية بعداً إضافياً على الجدل الدائر داخل الكونغرس، إذ يرى مؤيدو مشروع القرار أن استمرار الدعم الأميركي للعمليات الإسرائيلية في لبنان لا يهدد بإطالة أمد الحرب فحسب، بل قد يجر الولايات المتحدة نفسها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود النزاع اللبناني، وهو ما يجعل التصويت المرتقب اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة التشريعية على كبح الانزلاق نحو حرب أوسع في الشرق الأوسط.


ولا تقتصر أهمية هذه المعركة التشريعية على الحرب في لبنان أو المواجهة مع إيران، بل تمتد إلى جوهر التوازن الدستوري داخل النظام السياسي الأميركي. فمنذ عقود توسعت صلاحيات الرؤساء المتعاقبين في استخدام القوة العسكرية خارجياً دون تفويضات واضحة من الكونغرس، مستفيدين من ظروف الطوارئ والحروب المفتوحة. ويعتبر مؤيدو القرار أن التصويت المرتقب يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الكونغرس على استعادة صلاحياته الدستورية. أما فشله فقد يكرس سابقة جديدة تسمح للبيت الأبيض بالاستمرار في إدارة الحروب الإقليمية عبر الشراكات العسكرية والتحالفات دون رقابة تشريعية فعالة.


ويكشف طرح مشروع القرار عن تحول سياسي مهم داخل واشنطن يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالإجماع التقليدي الذي تمتعت به لعقود داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالأصوات المنتقدة للدعم العسكري غير المشروط أصبحت أكثر جرأة وتنظيماً، خصوصاً بين الديمقراطيين التقدميين وجزء من الناخبين الشباب. وبينما ما زالت الأغلبية في الكونغرس تؤيد التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، فإن النقاش انتقل من مستوى الهامش السياسي إلى قلب المؤسسة التشريعية، وهو تطور يعكس تغيراً تدريجياً في المزاج السياسي الأميركي تجاه الحروب الإقليمية وتكاليفها الإنسانية.


يشار إلى أن الرئيس ترمب يواجه معضلة سياسية متنامية تتمثل في محاولة الجمع بين دعم إسرائيل والمحافظة على صورته أمام قاعدته السياسية التي طالما رفعت شعار تجنب الحروب الخارجية المكلفة. فكلما ازداد الانخراط الأميركي في النزاعات الإقليمية، تعززت الانتقادات التي تتهم الإدارة بالتورط في صراعات لا تحظى بتأييد شعبي واسع. كما أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان وإيران قد يضعف خطاب ترمب القائم على تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على إنهاء الحروب لا توسيعها. ولذلك فإن نتائج التصويت المرتقب قد تحمل تداعيات سياسية تتجاوز السياسة الخارجية إلى الحسابات الانتخابية الداخلية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

وثائق تكشف إخفاقاً أمنياً بريطانياً في تعيين السفير السابق بواشنطن وعلاقته بإبستين

فجرت وثائق رسمية نُشرت حديثاً في العاصمة البريطانية لندن موجة من الجدل السياسي، بعدما كشفت عن تحمل الحكومة المسؤولية الكاملة في قضية تعيين السفير السابق لدى واشنطن، بيتر ماندلسون. وأوضحت التقارير أن التعيين جاء رغم وجود تحذيرات أمنية مسبقة تتعلق بارتباطاته المثيرة للجدل مع تاجر الجنس الراحل جيفري إبستين، وهو ما يضع معايير الاختيار في المناصب السيادية تحت المجهر.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن الحكومة البريطانية لم تتخذ الإجراءات اللازمة لمعالجة المخاوف الأمنية الخطيرة التي رافقت ترشيح ماندلسون لهذا المنصب الدبلوماسي الرفيع. وأكدت المعلومات المسربة أن السفير السابق فشل فعلياً في اجتياز إجراءات الفحص الأمني الرسمي التي تسبق التعيين، ومع ذلك تم المضي قدماً في تنصيبه سفيراً للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة.

وتعود جذور الأزمة إلى علاقة وطيدة جمعت بين ماندلسون وإبستين، الذي تورط في فضائح استغلال جنسي دولية واسعة النطاق هزت أركان النخبة العالمية. وتكشف الوثائق أن هذه العلاقة لم تكن مجرد تعارف عابر، بل تضمنت تجاوزات بروتوكولية وأمنية خطيرة أثارت ريبة الأجهزة الاستخباراتية والرقابية في بريطانيا منذ سنوات طويلة.

وفي تفاصيل صادمة تعود لعام 2009، تبين أن ماندلسون، الذي كان يشغل حينها حقيبة وزارة الأعمال في حكومة غوردون براون، قام بإرسال وثيقة داخلية سرية تابعة لمجلس الوزراء إلى إبستين. هذا التصرف غير القانوني دفع الشرطة البريطانية في ذلك الوقت إلى فتح تحقيق جنائي ضد الوزير السابق، مما عزز من الشكوك حول طبيعة نفوذ إبستين على المسؤولين البريطانيين.

وعلى خلفية هذه التطورات المتلاحقة وتصاعد الضغوط السياسية والإعلامية، اضطر ماندلسون لتقديم استقالته من منصبه في عام 2025. وجاءت هذه الاستقالة بعد أن بات بقاؤه في السلك الدبلوماسي يشكل عبئاً سياسياً كبيراً على الحكومة، خاصة مع ظهور تفاصيل جديدة حول كيفية تجاوزه للتدقيق الأمني الذي يخضع له كبار المسؤولين.

من جانبه، أقر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأنه كان على دراية كاملة بطبيعة العلاقة التي تربط ماندلسون بجيفري إبستين قبل صدور قرار تعيينه سفيراً في واشنطن. هذا الاعتراف أثار موجة من التساؤلات البرلمانية حول مدى نزاهة معايير التعيين، وكيفية السماح لشخصية تحوم حولها شبهات أمنية وجنائية بتمثيل البلاد في أهم العواصم العالمية.

وتواجه الحكومة البريطانية حالياً مطالبات بفتح تحقيق شامل وشفاف حول كيفية الالتفاف على الفحوصات الأمنية الرسمية لصالح شخصيات سياسية نافذة. ويرى مراقبون أن هذه الفضيحة قد تؤدي إلى مراجعة شاملة لكافة التعيينات الدبلوماسية الأخيرة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الإخفاقات التي تمس بالأمن القومي وسمعة بريطانيا الدولية.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يعلن التوصل لاتفاق لوقف التصعيد بين الاحتلال وحزب الله

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نجاح جهود الوساطة في التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف التصعيد العسكري المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله اللبناني. وأوضح ترامب في تصريحات رسمية أن التفاهمات الجديدة تضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار من الجانبين، مشيراً إلى أن التحركات العسكرية التي كانت تستهدف العاصمة اللبنانية قد توقفت تماماً.

وأكد الرئيس الأمريكي أن الوحدات العسكرية الإسرائيلية التي كانت في طريقها نحو بيروت قد صدرت لها الأوامر بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة. وجاء هذا التطور عقب اتصال هاتفي وصفه ترامب بـ 'المثمر للغاية' مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حيث جرى التباحث في آليات تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

وفي سياق متصل، أشار ترامب إلى أن قنوات اتصال فُتحت عبر ممثلين رفيعي المستوى مع قيادة حزب الله، أسفرت عن موافقة الحزب على الالتزام بوقف العمليات الهجومية. وبموجب هذا الاتفاق، تعهدت سلطات الاحتلال بعدم شن أي هجمات جديدة على الأراضي اللبنانية مقابل توقف الحزب عن استهداف المواقع الإسرائيلية، مما يمهد الطريق لاستقرار نسبي على الحدود الشمالية.

وعلى صعيد المسار الدبلوماسي الإقليمي، كشف ترامب أن الإدارة الأمريكية تخوض مفاوضات متسارعة الوتيرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوصول إلى تفاهمات أوسع. وأعرب الرئيس الأمريكي عن تفاؤله بمسار هذه المحادثات التي تجري خلف الكواليس، موجهاً شكره للمتابعين والمهتمين بهذا الملف الشائك الذي يترقبه المجتمع الدولي بحذر.

يأتي هذا الإعلان المفاجئ بعد ساعات من توتر ميداني حاد، حيث أطلقت إيران تحذيرات شديدة اللهجة لسكان شمال فلسطين المحتلة بضرورة الإخلاء الفوري. وكانت طهران قد ربطت هذه التهديدات بأي استهداف إسرائيلي محتمل للضاحية الجنوبية في بيروت، معتبرة أن الانتهاكات المتكررة لاتفاقات السلم السابقة استوجبت رداً رادعاً قبل تدخل الوساطة الأمريكية الأخيرة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:32 صباحًا - بتوقيت القدس

الحقوق المالية المنسية للفلسطينيين: الملف الذي لم يُفتح منذ 78 عامًا

في السياسة، هناك حقوق تُنتزع بالقوة، وحقوق تُستعاد بالقانون، وحقوق تضيع لأنها تُنسى.


وعلى امتداد العقود الماضية، خاض الفلسطينيون معارك الأرض والهوية واللاجئين والأسرى والاستيطان، لكن سؤالًا آخر بقي معلقًا في الظل، وكأنه خارج جدول الأعمال الوطني:


ماذا حدث للحقوق والأصول المالية الفلسطينية التي كانت قائمة قبل عام 1948؟


قد يبدو السؤال للبعض ثانويًا في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من احتلال وحصار واستيطان وعدوان، لكنه في الحقيقة سؤال يرتبط بجوهر العدالة الوطنية والتاريخية. فالشعوب لا تفقد أوطانها فقط، بل قد تفقد أيضًا أموالها ومؤسساتها وأوقافها وحقوقها الاقتصادية عندما تغيب الدولة وتتفكك البنية القانونية التي تحمي هذه الحقوق.


قبل النكبة، كانت فلسطين تمتلك اقتصادًا ناشئًا ومؤسسات مالية وإدارية وأوقافًا وأصولًا عامة وأموالًا مودعة ضمن النظام المالي الذي كان قائمًا خلال فترة الانتداب البريطاني. ومع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، اختفى جزء كبير من الحديث حول مصير تلك الحقوق والأصول، وبقي الملف محاطًا بالأسئلة أكثر من الإجابات.


المشكلة الحقيقية ليست في عدم امتلاك إجابات نهائية حتى الآن، بل في أننا لم نبذل جهدًا وطنيًا مؤسسيًا كافيًا لطرح الأسئلة أصلًا.


ففي عالم القانون الدولي لا تكفي الروايات، ولا تكفي المواقف السياسية، ولا تكفي الخطابات العاطفية. ما يصنع الحقوق هو الوثائق، وما يحفظها هو التوثيق، وما يستردها هو العمل القانوني المنظم.


ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تبدأ من اتهام هذا الطرف أو ذاك، ولا من إطلاق تقديرات مالية غير موثقة، بل من إطلاق مشروع وطني شامل للبحث والتقصي والتوثيق.


إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم على المؤسسات الفلسطينية ليس: كم تبلغ قيمة الأصول الفلسطينية التاريخية؟


بل: هل نملك أصلًا سجلًا وطنيًا موحدًا لهذه الحقوق؟


وهل توجد قاعدة بيانات وطنية تجمع ما يتعلق بالأموال والودائع والأوقاف والأصول العامة الفلسطينية التي تعود إلى ما قبل عام 1948؟


وهل توجد لجنة قانونية متخصصة تعمل بصورة دائمة على هذا الملف؟


إذا كانت الإجابة لا، فإن المشكلة لا تكمن في ضياع الحقوق فحسب، بل في غياب البنية الوطنية القادرة على حمايتها.


إن التجارب الدولية الحديثة تقدم دروسًا مهمة. فالكثير من الدول والشعوب التي تعرضت للاستعمار لم تبدأ معاركها باستعادة الأموال أو الممتلكات، بل بدأت أولًا ببناء ملفات قانونية دقيقة تستند إلى الأرشيفات والسجلات والوثائق التاريخية.


ولهذا فإن الخطوة الأولى المطلوبة فلسطينيًا ليست رفع دعوى أمام محكمة دولية، ولا التوجه إلى الأمم المتحدة، بل تأسيس هيئة وطنية مستقلة لحصر وتوثيق الحقوق المالية الفلسطينية التاريخية.


هيئة تضم مؤرخين وخبراء اقتصاد وقانونيين ومحاسبين ومتخصصين في الأرشفة الدولية، تكون مهمتها البحث في الأرشيفات الفلسطينية والبريطانية والعثمانية والعربية والدولية، وجمع كل ما يتعلق بالأصول والحقوق المالية الفلسطينية قبل النكبة.


هذه الخطوة وحدها كفيلة بنقل القضية من دائرة التكهنات إلى دائرة الحقائق.


أما الخطوة الثانية، فتتمثل في حماية أي حقوق محتملة من الضياع المستقبلي عبر إنشاء صندوق سيادي للحقوق الفلسطينية التاريخية.


قد يتساءل البعض: كيف ننشئ صندوقًا لأموال لم تُسترد بعد؟


والجواب بسيط.


الصندوق ليس مجرد وعاء مالي، بل إطار قانوني ومؤسسي لحماية الحقوق المستقبلية وضمان إدارتها بشفافية واستقلالية إذا جرى استردادها يومًا ما.


فالتاريخ يعلمنا أن بعض الشعوب نجحت في استعادة أصولها المالية، لكنها فشلت لاحقًا في إدارتها، فضاعت الثروة مرة أخرى ولكن بأيدٍ مختلفة.


ومن هنا ينبغي أن يكون التفكير في إدارة الأموال جزءًا من التفكير في استعادتها.


أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في تدويل القضية ضمن إطار العدالة الاستعمارية العالمية.


فالعالم يشهد اليوم نقاشًا متزايدًا حول مسؤوليات القوى الاستعمارية التاريخية تجاه الشعوب التي خضعت لسيطرتها. وتتصاعد المطالبات بإعادة الممتلكات المنهوبة والآثار والأموال والحقوق التاريخية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.


وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الحقوق المالية الفلسطينية باعتبارها ملفًا فلسطينيًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من قضية عالمية تتعلق بالعدالة التاريخية والإنصاف بين الشعوب.


إن تحويل الملف إلى قضية عدالة دولية يمنحه شرعية أوسع، ويخرجه من دائرة التجاذبات السياسية الضيقة.


لكن قبل كل ذلك، يجب أن نعترف بحقيقة أساسية:


الخطر الأكبر على الحقوق الفلسطينية التاريخية ليس فقط من يحتفظ بها أو يرفض الاعتراف بها، بل من احتمال أن تتآكل بفعل النسيان والإهمال وغياب العمل المؤسسي.


فالحقوق لا تسقط بالتقادم قانونيًا فقط، بل قد تسقط عمليًا عندما يغيب من يدافع عنها ويوثقها ويتابعها جيلاً بعد جيل.


لهذا فإنني أدعو سلطة النقد الفلسطينية ووزارة المالية والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات القانونية والاقتصادية إلى إطلاق مبادرة وطنية لتأسيس أول سجل فلسطيني شامل للحقوق والأصول المالية التاريخية.


فقد يكون بين دفاتر الأرشيفات المنسية ما يستحق البحث، وقد يكون في الوثائق المهملة ما يعيد فتح ملفات أُغلقت قبل عقود.


وفي النهاية، ليست القضية قضية أموال فحسب.


إنها قضية ذاكرة وطنية.


وقضية سيادة قانونية.


وقضية حق شعب في أن يعرف ماذا كان يملك، وماذا فقد، وماذا يمكن أن يستعيد.


فما يُوثق لا يضيع، وما يُحمى قانونيًا يبقى حيًا، حتى لو انتظر عقودًا طويلة ليعود إلى أصحابه.


م. غسان جابر

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب.. من الفاشل إلى التلاعب في المنطقة

أثار طلب الرئيس الأمريكي، في المكالمة الجماعية مع زعماء دول عربية وإسلامية، الانخراط في اتفاقات إبراهيم ردود فعل واضحة من قبل المملكة العربية السعودية والباكستان بعدم الربط في أي اتفاق بتعلق بالحرب الإيرانية الإسرائيلية- الإيرانية، بل الارتباط الممكن هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 أو وجود مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية، أي التركيز على لُب الصراع في المنطقة المتعلقة بالأساس في الاحتلال الإسرائيلي.

كما أشار هذا الطلب إلى أن ترمب ما زال متعلقا بتحقيق نصر سياسي لنتنياهو من أجل القبول بالمعادلة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة لمصالحها في المنطقة، وربما إعادة العلاقة مع إيران.

ويبدو أن القراءة الخاطئة للإدارة الامريكية التي بدأت حرباً دون النظر إلى مصالح الدول العربية في الخليج العربي، ألحقت الضرر بمجمل دول الخليج العربي من الناحية الأمنية؛ بسبب استهداف إيران لأراضيها ومنشأتها الاقتصادية خاصة النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، ما أثر بشكل كبير على المصالح الاقتصادية لهذه الدول بسبب منع التدفق الحر للتجارة بما فيها تصدر النفط الخليجي إلى دول العالم.

يرتبط طلب ترمب، المذكور أعلاه، بمسألتين الأولى؛ توظيف هذه الحرب للقول إنه حقق السلام في الشرق الأوسط كإنجاز له- أي لترمب- على طريق توسيع اتفاقيات إبراهيم بتوظيف القوة العسكرية الأمريكية لإخضاع المنطقة، وهي إحدى شعاراته السياسية. والثانية؛ محاولة كسب دعم اللوبي الصهيوني في الولايات الأمريكية لصالح مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل؛ وذلك بسبب فشله في إخضاع كلي لإيران عبر الحرب أو القوة المسلحة.

في ظني، أن أركان الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن إحداث تغيير في منطقة الشرق الأوسط يتطلب إعادة تموضع لمصالح القوى الإقليمية فيها؛ وبخاصة ما يتعلق بأطماع إسرائيل في المنطقة ووقف عدوانها على دول وشعوب المنطقة نحو تحقيق السلام الشامل المبني على الحقوق وفي مقدمتها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لتعزيز الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة.

لكن حتى الآن الرئيس الأمريكي ترمب لم يدرك جوهر العلاقات المتشابكة والمتداخلة في منطقة الشرق الأوسط القائمة على التاريخ والهوية والحقوق والجغرافيا والدين والاقتصاد؛ فالعيش المشترك لا يرتبط بالاقتصاد والازدهار وحده، بل الاعتراف بالمكانة دون إهدار لأي من العوامل المتداخلة الكامنة في المنطقة واعتبارات كل طرف من الأطراف.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان في معادلات الصراع الإقليمي

يحتل لبنان موقعًا محوريًا في التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل على أرضه المصالح المحلية والإقليمية والدولية بصورة معقدة. وقد أدى موقعه الجغرافي على الحدود مع إسرائيل، إلى جانب تركيبته السياسية والطائفية الخاصة، إلى جعله ساحة مهمة للتنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت إيران وإسرائيل بوصفهما من أبرز الأطراف المؤثرة في المشهد اللبناني، الأمر الذي جعل لبنان عنصرًا مهمًا في حسابات الأمن والسياسة الإقليمية.

شهد الدور الإيراني في لبنان تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث عززت طهران حضورها من خلال علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع قوى لبنانية مؤثرة، وعلى رأسها حزب الله. وقد مكّن هذا الحضور إيران من امتلاك أدوات تأثير تتجاوز الحدود اللبنانية لتشمل ملفات إقليمية أوسع. وتنظر طهران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة إقليمية تهدف إلى تعزيز النفوذ السياسي والعسكري ومواجهة الضغوط الخارجية، وخاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الساحة اللبنانية من منظور أمني بالدرجة الأولى. فوجود قوى مسلحة على حدودها الشمالية يمثل، من وجهة نظرها، تحديًا استراتيجيًا دائمًا. لذلك، تتابع إسرائيل التطورات اللبنانية عن كثب، وتحرص على منع أي تغيرات قد تؤدي إلى تعزيز القدرات العسكرية للقوى المعادية لها. كما تستخدم الملف اللبناني في حواراتها مع الولايات المتحدة والقوى الغربية لتأكيد أهمية الدعم السياسي والعسكري لمواجهة ما تعتبره تهديدات متزايدة على حدودها.

وتزداد أهمية لبنان في فترات التوتر الإقليمي، حيث يصبح جزءًا من منظومة الرسائل السياسية والعسكرية المتبادلة بين الأطراف المختلفة. ففي أوقات الأزمات، قد يُستخدم التصعيد المحدود أو التهديد به كوسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض في ملفات أخرى، مثل الملف النووي الإيراني أو الترتيبات الأمنية في المنطقة. ومن هنا، لا يمكن فهم التطورات اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي الأشمل.

مع ذلك، فإن النظر إلى لبنان باعتباره مجرد أداة في يد القوى الخارجية يتجاهل حقيقة وجود عوامل داخلية مؤثرة. فالأزمة الاقتصادية المستمرة، والانقسامات السياسية، والتحديات الاجتماعية، كلها عناصر تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الواقع اللبناني. كما أن الدولة اللبنانية والقوى السياسية المحلية تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع الضغوط الخارجية بما يخدم أولوياتها الداخلية.

علاوة على ذلك، فإن التوازنات الإقليمية والدولية تجعل من الصعب على أي طرف فرض إرادته بشكل كامل على الساحة اللبنانية. فهناك شبكة معقدة من المصالح المتداخلة تشمل قوى عربية ودولية متعددة، الأمر الذي يحد من قدرة أي جهة على التحكم الكامل بمسار الأحداث. ولذلك، يبقى لبنان مساحة للتفاعل والتأثير المتبادل أكثر من كونه مجرد ساحة خاضعة لطرف واحد.

وفي الختام، يمثل لبنان نموذجًا بارزًا لتشابك العوامل المحلية والإقليمية في تشكيل السياسات والأحداث. فبين النفوذ الإيراني، والهواجس الأمنية الإسرائيلية، والمصالح الدولية المختلفة، يظل لبنان جزءًا أساسيًا من معادلات الشرق الأوسط. ويعتمد مستقبله إلى حد كبير على قدرته في تعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي، بما يسمح له بالتعامل مع التحديات الخارجية من موقع أكثر قوة واستقلالية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:16 صباحًا - بتوقيت القدس

من سايكس بيكو إلى بلفور: حين صارت الخريطةُ وعداً وصار الوعدُ نكبةً



في السادس عشر من مايو 1916، لم تكن بريطانيا وفرنسا ترسمان حدود الشرق الأوسط على ورق فحسب، بل كانتا تعيدان اختراع المشرق بوصفه غنيمة سياسية مؤجلة. كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم الإمبراطوريات القديمة، وكانت الدولة العثمانية تتراجع، فيما كانت قناة السويس تؤرق لندن كما لو أنها شريان الإمبراطورية الأخير. في تلك اللحظة لم ينظر العقل الاستعماري إلى العرب بوصفهم شعوبا تنتظر حقها في الاستقلال، ولا إلى فلسطين بوصفها وطنا لشعب قائم في أرضه، بل بوصفهما مادة قابلة للتقسيم وساحة قابلة لإعادة الترتيب.

هكذا ولدت سايكس بيكو: لا كاتفاق حدودي فقط، بل كفلسفة استعمارية كاملة. فلسفة ترى أن خرائط النفوذ أصدق من ذاكرة الشعوب، وأن مصير المجتمعات يمكن أن يقرره رجال يجلسون في غرف مغلقة بعيدا عن تراب البلاد وأسماء أهلها. وما إن فتحت هذه الخرائط السرية حتى صار وعد بلفور ممكنا. لم يكن بلفور انحرافا عن سايكس بيكو، بل نتيجتها الأشد قسوة؛ فإذا كانت سايكس بيكو قد جزأت المشرق إلى مناطق نفوذ، فإن بلفور انتزع فلسطين من معناها الوطني والإنساني والتاريخي، وحولها من أرض لشعبها إلى وعد يمنحه من لا يملك لمن لا يستحق.

بين سايكس بيكو ووعد بلفور لا نقف أمام حدثين متجاورين، بل أمام منطق واحد: تحويل المنطقة من فضاء حضاري متصل إلى خرائط نفوذ مجزأة، ومن شعوب تطلب الاستقلال إلى جماعات ممزقة تدار بالوعود والانتداب. لقد كان وعد بلفور ثمرة مرة لشجرة سايكس بيكو؛ الشجرة التي زرعت التقسيم في الأرض، ثم منحت الغريب حقا فوقها، وفتحت قرنا كاملا من الاحتلال، من الانتداب إلى الاستيطان.

لم تكن الخديعة عابرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخاطب الشريف حسين بلغة الاستقلال العربي، كانت تتفاوض سرا مع فرنسا على تقسيم المشرق، وتتقدم في الوقت نفسه نحو الحركة الصهيونية لتمنحها وعدا في فلسطين. هكذا استدعي العرب إلى الحرب باسم التحرر لا باسم الشراكة، واستعملت الثورة العربية أداة لتفكيك الجسد العثماني، لا لتأسيس دولة عربية مستقلة. أما فلسطين، فأخرجت من سياقها الطبيعي ومن علاقتها العضوية بأهلها ومحيطها، لتصبح فضاء مؤجلا لوظيفة استعمارية أكبر: حماية طريق الإمبراطورية، وتثبيت موطئ قدم دائم في قلب المشرق.

والأكثر مأساوية أن العرب لم يخرجوا من عباءة الإمبراطورية إلى فضاء السيادة، بل إلى غرف الانتداب. كانت السلطنة قد شاخت وتحتاج إلى إصلاح عميق، لكن إسقاط الرابطة السياسية القديمة لم يرافقه بناء رابطة جديدة قادرة على حماية الأرض والقرار. لذلك لم يولد الاستقلال الموعود، بل ولدت كيانات تحت الوصاية، وحدود مرسومة بمسطرة الخارج، ودول مبكرة الهشاشة، تحمل جرح النشأة وقلق الشرعية.

ولا يمكن فهم سايكس بيكو وبلفور بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية طويلا بوصفها حاجزا أمام الاندفاع الروسي نحو المياه الدافئة وطرق الهند. دعموها حين كانت سدا نافعا، ثم قرروا وراثتها حين بات سقوطها محتوما. لم يكن الشرق في المخيال الإمبراطوري ذاتا سياسية، بل ممرا وحاجزا وخزانا للموارد ومسرحا للتوازنات الكبرى.

غير أن الخديعة الكبرى لا تكمن فقط في أن بريطانيا وعدت العرب بما لم تف به، بل في أنها أعادت تعريف المنطقة كلها من خلال عدسة استعمارية تعتبر التنوع علة، والمجتمعات الشرقية عاجزة عن إنتاج الدولة، والغرب وصيا طبيعيا على خرائطها. لم تكن هذه القراءة وصفا بريئا، بل أداة حكم؛ فحين يصنف الخارج المجتمع إلى طوائف وقبائل وأقليات، يصبح تدخله ضرورة، وتصبح الحدود المفروضة حلا.

منذ ذلك الحين تحركت أحجار الدومينو. سقوط السلطنة فتح باب الانتداب، والانتداب فتح باب المشروع الصهيوني، والمشروع الصهيوني فتح باب النكبة، والنكبة فتحت باب اللجوء والحروب والانقلابات، والنكسة فتحت باب الاحتلال الطويل، والاحتلال فتح باب الاستيطان بوصفه سياسة يومية. في هذا المسار لم تكن فلسطين هامشا، بل المختبر الأكثر كثافة لفكرة السيطرة: كيف يتحول شعب كامل إلى “مشكلة”، والمحتل إلى طرف أمني، والحق إلى ملف تفاوض بلا نهاية.

أخطر ما في سايكس بيكو أنها لم تنته بانتهاء لحظتها التاريخية، بل تحولت إلى قابلية مستمرة لإعادة الإنتاج. فالمؤامرات الراهنة ليست نسخة كربونية من اتفاق 1916، لكنها تعمل بروحه ذاتها: تفكيك المجال العربي، تحويل الدولة إلى جزر متنازعة، إضعاف الروابط الوطنية، وإعادة بناء المنطقة حول مصالح الخارج لا إرادة شعوبها. الجميع يلعن سايكس بيكو في الخطاب، لكن كثيرا من القوى يمارسها في الواقع حين يقبل بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومناطق ومليشيات، وحين يستدعي الخارج ضد الداخل.

بهذا المعنى، لا تبدو حروب اليمن والسودان وليبيا والعراق منفصلة عن سؤال الخرائط. إنها تجليات متأخرة لمنطق سايكس بيكو وقد عاد أكثر شراسة: ليس عبر موظف بريطاني وفرنسي يرسمان الحدود فوق طاولة، بل عبر انهيار الدولة من داخلها، وتعدد الجيوش، وتنازع الشرعيات، وصعود المليشيات، وتحول السيادة إلى سلعة تتقاسمها العواصم الإقليمية والدولية. هنا لا ترسم الخريطة من الخارج وحده، بل من الداخل أيضا، حين تفشل الدولة في احتكار العنف المشروع.

لذلك فإن القول إن سايكس بيكو انتهت قول شديد التبسيط. لقد انتهت كوثيقة، لكنها بقيت كمنهج. بقيت حين تحولت الدولة العربية إلى كيان هش يحرسه نظام مستبد أكثر مما يحرسه عقد اجتماعي. وبقيت حين حمت القوى الكبرى أنظمة قمعية باسم الاستقرار، وهي تعلم أن هذا الاستقرار ليس سوى تجميد مؤقت للانفجار. لقد احتاجت خرائط سايكس بيكو إلى أنظمة قوية على شعوبها وضعيفة أمام الخارج؛ أنظمة تمنع المواطنة، وتؤجل الإصلاح، وتكسر المجتمع المدني، وتحتكر الجيش والقانون والثروة.

من هنا تبدو اللحظة الراهنة امتدادا لذلك التاريخ. فخطابات “الشرق الأوسط الجديد”، ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة والصفقات والتطبيع، ليست مجرد عناوين سياسية عابرة؛ إنها محاولة لمنح سايكس بيكو حياة جديدة بأدوات مختلفة. لم تعد الخريطة ترسم بالحبر وحده، بل بالصواريخ، والممرات الاقتصادية، وصفقات السلاح، واتفاقات التطبيع. ولم تعد فلسطين وحدها هي المستهدفة، بل معنى المنطقة كلها: أن تصبح إسرائيل مركز النظام، وأن تتحول الدول العربية إلى هوامش أمنية واقتصادية حولها.

تغيرت الأسماء وبقيت البنية. بالأمس: سايكس بيكو، بلفور، الانتداب، الحماية، مناطق النفوذ. واليوم: الشرق الأوسط الجديد، الاتفاقات الإبراهيمية، الممرات الاقتصادية، الأمن الإقليمي، مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، وإعادة هندسة الدولة الوطنية. ليست هذه المفاهيم متطابقة، ولا يجوز اختزالها كلها في مؤامرة واحدة، لكنها تتحرك، في كثير من استعمالاتها، ضمن منطق قديم: ترتيب المنطقة من خارجها، وتكييف خرائطها مع مصالح القوى الكبرى.

غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول الخارج إلى قدر مطلق، ولا الداخل إلى ضحية بريئة تماما. فقد نجحت سايكس بيكو لأنها وجدت هشاشة عربية، ونجح بلفور لأنه جاء في لحظة غياب قوة فلسطينية وعربية قادرة على فرض نفسها. وما تزال مخططات اليوم تجد طريقها لأن الدولة العربية ضعيفة، والمجتمع منقسم، والنخب مأخوذة بمصالحها، والقانون مطوع للسلطة، والذاكرة مثقلة بالشعارات أكثر من المؤسسات.

لذلك فإن قراءة سايكس بيكو لا ينبغي أن تتحول إلى مرثية طويلة، بل إلى نقد مزدوج: نقد للاستعمار الذي جزأ، ونقد للذات التي لم تبن قوة تمنع التجزئة من التحول إلى مصير. فليس المطلوب أن نبكي السلطنة العثمانية كما لو كانت فردوسا ضائعا، ولا أن نمجد الثورة العربية كما لو كانت خلاصا محققا، بل أن نفهم مأساة الانتقال: كيف سقط فضاء سياسي قديم قبل أن يولد فضاء عربي حديث؟

في هذا المعنى، تكون فلسطين مرآة المشرق كله. فما حدث لها كان أكثر كثافة مما حدث لغيرها، لكنه ليس منفصلا عنه. هي المكان الذي تجمعت فيه خرائط سايكس بيكو، ووعد بلفور، والانتداب، والاستيطان، وفشل النظام العربي، وتواطؤ القوى الكبرى، وعجز القانون الدولي عن حماية الحق حين يصطدم بالقوة. والفلسطيني لم يفقد وطنه لأنه عجز عن التعدد أو الحداثة، بل لأن قوة استعمارية أعادت تعريف وطنه دون رضاه، ثم حمت مشروعا استيطانيا حول الحق الأصلي إلى عبء تفاوضي.

مواجهة سايكس بيكو الجديدة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإغلاق الشروط التي تمنحها الحياة: بناء دولة مواطنة لا دولة غلبة، جيش وطني لا جيوش متنافسة، قانون لا مزاج حاكم، عدالة انتقالية لا انتقام، ومجتمع مدني قادر على ملء الفراغ بين الدولة والناس. فحين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، يأتي الخارج باسم الحماية. وحين تفشل النخب في إنتاج تسوية وطنية، يأتي المبعوث الدولي بخريطة طريق. وحين ينهار العقد الاجتماعي، تعود سايكس بيكو لا بوصفها اتفاقا قديما، بل بوصفها قدرا يوميا يصنعه العجز الداخلي بقدر ما تصنعه الأطماع الخارجية.

من سايكس بيكو إلى بلفور، ومن الانتداب إلى الشرق الأوسط الجديد، يتكرر الدرس القاسي: الجغرافيا التي لا تحرسها قوة تتحول إلى غنيمة، والحق الذي لا تسنده مؤسسة يتحول إلى عاطفة، والذاكرة التي لا تنتج مشروعا تتحول إلى بكاء. الرد الحقيقي على سايكس بيكو ليس تمزيق الخرائط بالكلمات، بل بناء دولة عادلة لا تخاف مواطنيها. والرد الحقيقي على بلفور ليس استعادة اللعنة فقط، بل استعادة فلسطين كقضية حق وسيادة وعدالة. هكذا فقط يمكن أن تتحول الذكرى من طقس حزن إلى بداية وعي، ويمكن أن يتحول الألم إلى مشروع، والذاكرة إلى سياسة، وفلسطين من جرح مفتوح إلى معيار أخلاقي لتحرير المنطقة من قرن كامل من الخديعة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

مشاريع مياه الشرب تتوقف...قطاع غزة مُهدد بالعطش والنازحون يلجأون للبحر مُجددًا

خاص ب "القدس" - صلاح سكيك- تعصف أزمة جديدة بقطاع غزة، تضاف إلى سلسلة الأزمات التي تضرب القطاع منذ أكتوبر 2023، حيث إن المنطقة الساحلية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، ستتحول إلى صحراء بلا مياه شرب خلال صيف 2026.

مؤخرًا، توقفت بعض مشاريع توزيع مياه الشرب على مخيمات النازحين في عدد من مناطق القطاع، والمشروع عبارة عن 30 شاحنة مياه وكل شاحنة تحمل 15 كوبًا، وهذه الكمية تغطي حوالي 300 مخيم يوميًا.

 ومع دخول فصل الصيف، فإن حاجة النازحين لمياه الشرب تتضاعف مقارنة بفصل الشتاء الذي كانت فيه أيضًا أزمة مياه الشرب، وحاليًا يتم الاعتماد على شاحنات المياه التي يرعاها بعض المبادرين ولا تلبي 10‎%‎ من الاحتياج اليومي للنازح، ما يعني أننا أمام كارثة جديدة تضاف إلى كوارث حرب الإبادة.


مياه البحر ليست حلًا


أم رامي، تقف أمام جالوناتها منتظرة قدوم شاحنة المياه والتي كانت تأتي يوميًا، وبسبب نقص المياه باتت تزور مخيمهم مرتان أسبوعيًا، ما يعني أنها ستضطر أن تخفض كمية استهلاك الماء في طهي الطعام، والاستحمام، وغسل الملابس.

وقالت أم رامي في حديث لصحيفة "ے": إنها ستلجأ إلى ما كانت تفعله قبل عام وهي تعبئة جالوناتها من مياه البحر، وهي مياه مالحة ولا تصلح للشرب أو الاستحمام والغسل؛ مستدركة "لكنني رغم ذلك مضطرة أن استخدم مياه البحر في الاستحمام وغسل الملابس والأواني".

وأوضحت أن أبنائها الثلاثة يسيرون مسافة طويلة حتى الوصول إلى شاطئ البحر وهذه العملية تتكرر يوميًا خمس أو ست مرات، داعية دول العالم للتخفيف من حجم الكوارث الإنسانية في قطاع غزة، وأول وأهم هذه الكوارث أزمة المياه.


المياه والمجاعة الثالثة


بدوره، قال حسام حمدان، وهو مزارع نازح في منطقة المواصي: إن أزمة المياه التي تعصف بقطاع غزة ستؤثر على ري الخضروات والفواكه، ما يعني أن أزمة المياه، ستولد أزمة طعام حيث يعتمد الغزيون في طعامهم على الخضروات نظرًا لغلاء بقية الأطعمة وشح الكثير منها.

وأشار حمدان في حديث مع "ے" إلى أن الخضروات بحاجة دائمة للري، ونظرًا لشدة الحرارة في قطاع غزة هذا العام وعدم توفر المياه الكافية، فإن الكثير من المحاصيل ستهلك وستتحول بيئة القطاع إلى بيئة "متصحرة"، دون أي تدخل دولي لحماية السكان أو البيئة، محذرًا من حدوث مجاعة ثالثة بسبب هذا الواقع.


لا نريد أن يتحكم بنا مستوطن حقير


أما محمود الغندور، أكد أنه بسبب أزمة المياه فإن دول الجوار مطالبين إما الضغط على إسرائيل لحل مشكلة المياه وتحديدًا مياه "الماكروت"، أو مد أنابيب المياه إلى القطاع، مضيفًا: "نحن لا نريد بترولًا ولا غازًا.. نريد أن نشرب مياه يا عرب، دون أن يتحكم بنا مستوطن حقير يغلق صنبور المياه كلما أراد".

وأضاف الغندور لصحيفة "ے" أن إسرائيل تريد إبقاء هذه الوضعية في قطاع غزة، واختلاق الأزمات بعد الإبادة والمجاعة، حتى يبدأ الغزيون بالتفكير بالهجرة لدول الخارج، وهذا ما قاله وزير المالية المستوطن بتسئيل سموتريتش قبل أيام.

ودعا في نهاية حديثه المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة، لاستمرار تنفيذ مشاريع مياه الشرب، وعلى رأس هذه المنظمات برنامج الأمن المتحدة الإنمائي "UNDP" والتي تعنى بتوفير مياه الصالحة للشرب للسكان، منذ بداية حرب الإبادة.

ووفق تقرير نشرته الأمم المتحدة، فإن نحو 75% من النازحين في قطاع غزة يعتمدون على المياه التي يتم نقلها عبر الشاحنات، في ظل تدهور حاد للبنية التحتية واستمرار الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أنه بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع حرب الإبادة، لم تعد الخيام المنتشرة في أرجاء القطاع مجرد ملاجئ مؤقتة للنازحين، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يختزل معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم وكل تفاصيل حياتهم السابقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان على صفيح ساخن...تصعيد متواصل وحسابات تتجاوز الميدان

خليل شاهين: الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية

محمد جودة: من المرجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون مواجهة شاملة

نعمان توفيق العابد: التصعيد في لبنان يندرج ضمن مخططات استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال لتحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة

عدنان الصباح: ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية

سليمان بشارات: أهداف التصعيد تتجاوز سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة وتتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني

نهاد أبو غوش: أي توسع للعدوان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل وتعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية



رام الله- خاص بـ"القدس"-

يتجه المشهد في لبنان نحو مزيد من التصعيد، في ظل مؤشرات على أن التحركات العسكرية الجارية لا تنفصل عن مساعٍ لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد على الأرض، مع استمرار العمليات واتساع نطاقها بشكل تدريجي، بما ينسجم مع أطماع وأهداف أيدلوجية إسرائيلية في الإقليم.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التطورات واتساع التصعيد الإسرائيلي على لبنان يتقاطع مع حسابات سياسية وإقليمية أوسع، حيث ترتبط الجبهة اللبنانية بملفات تفاوضية حساسة مع إيران وتوازنات دولية معقدة، ما يجعلها جزءاً من مشهد إقليمي غير مستقر وقابل للتغير.

ويشيرون إلى أن المرحلة المقبلة تبقى مفتوحة على احتمال استمرار التصعيد أو احتوائه عبر تسويات سياسية ودبلوماسية، في ظل هشاشة ميدانية تجعل مسار الأحداث رهناً بتطورات متسارعة على أكثر من مستوى.




تكريس واقع أمني جديد


يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن التطورات الميدانية المتسارعة في لبنان تشير إلى اتجاه إسرائيلي نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية وتكريس واقع أمني جديد يتجاوز فكرة المناطق العازلة التقليدية، في ظل تعثر الجهود السياسية واستمرار حالة الاستنزاف المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله.

ويوضح شاهين أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في جنوب لبنان، رغم اتساعها وتعمقها، لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها توفير الأمن للمستوطنات الشمالية وإعادة الاستقرار إليها.


حالة استنزاف متبادلة


ويرى شاهين أن نمط المواجهة القائم حالياً يعكس حالة استنزاف متبادلة يصعب على إسرائيل تحمل تبعاتها على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي بسبب العجز عن إيجاد حلول حاسمة للتحديات الميدانية المتصاعدة.

ويشير شاهين إلى أن حزب الله نجح في تطوير أساليب المواجهة من خلال تغيير تكتيكاته القتالية والانتقال من الوحدات الثابتة إلى أسلوب حرب المجموعات القائم على حرب العصابات، إلى جانب استخدام وسائل قتالية جديدة، الأمر الذي حدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق إنجازات ميدانية حاسمة.

ويشير شاهين إلى أن توسيع حزب الله لدائرة الاستهداف لتشمل مناطق مثل صفد وعكا وكرميئيل وطبريا أدى إلى عودة مظاهر النزوح في بعض المستوطنات الشمالية، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للحكومة الإسرائيلية.


إسرائيل أمام خيارات محدودة


ويرى شاهين أن إسرائيل تجد نفسها أمام خيارات محدودة، إذ لا تستطيع التراجع أو القبول بوقف إطلاق النار في الظروف الحالية خشية اعتبار ذلك فشلاً جديداً يضاف إلى إخفاقاتها في مواجهة إيران، وإلى عجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة بعد سنوات من الحرب.

ولذلك يرجح شاهين أن تتجه حكومة نتنياهو نحو المزيد من التصعيد والسعي للحصول على دعم أمريكي لتوسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك تكثيف الاستهدافات في الضاحية الجنوبية لبيروت وتنفيذ عمليات نوعية واغتيالات جديدة.


تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة


ويعتبر شاهين أن الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية، خاصة أنها تقوم على اشتراط وقف كامل لأنشطة حزب الله مقابل امتناع إسرائيل عن استهداف بيروت والضاحية الجنوبية.

ويؤكد أن ما يجري حالياً يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على إنشاء ما تسميه إسرائيل "مناطق دفاع" بدلاً من المناطق العازلة التقليدية.

ووفق شاهين، تقوم هذه الاستراتيجية على تدمير البنية العمرانية ومظاهر الحياة في المناطق المستهدفة، وإقامة قواعد ومنشآت عسكرية دائمة تضمن بقاء الجيش الإسرائيلي لفترات طويلة، كما يحدث في أجزاء من قطاع غزة وبعض المناطق الحدودية في جنوب لبنان.

ويوضح شاهين أن المخططات الإسرائيلية قد تتطور نحو فرض السيطرة الكاملة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ثم التوسع شمالاً باتجاه الزهراني والأولي وإقليم التفاح، وصولاً إلى فرض ضغوط مباشرة على العاصمة بيروت عبر حصار بري وبحري دون الحاجة إلى احتلالها أو تدميرها بشكل مباشر.

ويعتقد شاهين أن التصعيد سيبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً ما لم يتم التوصل إلى تفاهم أمريكي ـ إيراني شامل يتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان.


أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة


ومع ذلك، فإن شاهين يوضح أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة، إذ يتوقع أن تحتفظ إسرائيل بالمناطق التي عززت وجودها العسكري فيها، وأن تستخدمها كورقة ضغط خلال أي مفاوضات مستقبلية مع الدولة اللبنانية، سعياً لفرض أجندة أمنية تتصدرها قضية نزع سلاح حزب الله، على غرار الشروط التي تطرحها في مفاوضاتها المتعلقة بقطاع غزة.


مسار متواصل من التصعيد في المنطقة


يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التطورات الجارية على الجبهة اللبنانية تندرج ضمن مسار متواصل من التوتر والتصعيد الذي تشهده المنطقة منذ فترة، في ظل سعي إسرائيل إلى تعزيز مواقعها الميدانية وتحقيق أهداف أمنية وعسكرية تعتبرها ضرورية، مقابل اعتبار الجانب اللبناني هذه التحركات اعتداءً على السيادة اللبنانية ومحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.

ويوضح جودة أن المشهد الحالي لا يقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع ترتبط بموازين القوى وقواعد الاشتباك السائدة بين الأطراف المختلفة.


تحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة


ويشير جودة إلى أن التحركات الميدانية الجارية يمكن فهمها أيضاً في إطار محاولات متبادلة لتحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة استعداداً لأي تفاهمات أو ترتيبات سياسية وأمنية محتملة خلال المرحلة المقبلة.

ويلفت جودة إلى أنه من المبكر تحديد ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية الحالية تعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إحداث تغييرات دائمة على الأرض، أم أنها ترتبط بظروف ميدانية وسياسية مؤقتة فرضتها التطورات الأخيرة، إلا أنها تعكس بصورة واضحة استمرار هشاشة الوضع الأمني على الحدود اللبنانية وإمكانية تجدد التوتر في أي وقت.


استمرار التصعيد ضمن حدود معينة


وحول السيناريوهات المتوقعة، يوضح جودة أن المعطيات الحالية ترجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة، بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو حرب واسعة النطاق، وهو السيناريو الذي يبدو الأقرب في المدى المنظور.

ويلفت جودة إلى وجود احتمال آخر يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية في احتواء التوتر القائم والتوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية من شأنها خفض مستوى التصعيد وإعادة قدر من الاستقرار النسبي إلى المناطق الحدودية.

ولم يستبعد جودة احتمال حدوث تصعيد أوسع إذا طرأت تطورات ميدانية أو سياسية من شأنها تغيير حسابات الأطراف المعنية، لكنه يؤكد أن المؤشرات المتوافرة حتى الآن تدل على إدراك مختلف الأطراف لحجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قد تنجم عن أي مواجهة واسعة.

ويعتقد جودة أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة احتمالات، وأن مسار الأحداث سيتحدد بدرجة كبيرة وفق التطورات الميدانية ومدى نجاح المساعي السياسية والدبلوماسية الرامية إلى منع انزلاق الأوضاع نحو مستويات أعلى من التصعيد.


أبعاد إسرائيلية استراتيجية وأمنية


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في لبنان لا يمثل رد فعل ظرفياً على التطورات الميدانية، بل يندرج ضمن مخططات معدة مسبقاً تستند إلى أبعاد استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال إلى تحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة.

ويوضح العابد أن البعد الاستراتيجي يتمثل في الأفكار التي تروج لها حكومة اليمين الإسرائيلي بشأن إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط وتوسيع رقعة النفوذ والاحتلال، فيما يرتبط البعد الأمني باعتقاد المؤسسة الإسرائيلية أن الحلول العسكرية وإنشاء المناطق العازلة والتوغل داخل الأراضي اللبنانية والفلسطينية يمكن أن توفر حماية طويلة الأمد للمستوطنات الإسرائيلية، وخاصة في المناطق الشمالية.


جزء من مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية



ويشير العابد إلى أن التطورات على الجبهة اللبنانية لا يمكن فصلها عن مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات إقليمية قد تفرض تهدئة على جبهات المواجهة المختلفة.

ويرى العابد أن أحد أهداف التصعيد الحالي يتمثل في محاولة التأثير على هذه المفاوضات أو تعطيلها، إلى جانب السعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية وضرب البنية التحتية العسكرية لحزب الله قبل الوصول إلى أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.

ويلفت العابد إلى أن المشهد الداخلي الإسرائيلي يشكل عاملاً مؤثراً في مسار التصعيد، سواء من خلال الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، أو من خلال الضغوط السياسية والقضائية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يدفع الحكومة إلى التركيز على تحقيق إنجازات ميدانية يمكن استثمارها داخلياً.

ويعتقد العابد أن إسرائيل باتت تتعامل مع المفاوضات القائمة مع الجانب اللبناني من موقع القوة، وتسعى إلى فرض شروطها وانتزاع تنازلات عبر الضغط العسكري المباشر، معتبراً أن هذا النهج يعكس حالة من التغول ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.

ويرى العابد أن نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يفضي إلى تهدئة نسبية على الجبهة اللبنانية، لكنه لا يضمن وقفاً شاملاً ومستداماً لإطلاق النار، خصوصاً في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.

أما في حال فشل تلك المفاوضات أو استبعاد الملف اللبناني من أي تفاهمات إقليمية، فإن العابد يرى أن احتمالات التصعيد العسكري ستبقى قائمة، وقد تمتد إلى توغلات أوسع داخل الأراضي اللبنانية وربما الوصول إلى المدن الرئيسية والعاصمة بيروت بهدف استهداف البنية التحتية لحزب الله وقياداته.

ويعتبر العابد أن فرص نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبقى محدودة، وأن إسرائيل ستسعى في مختلف السيناريوهات إلى استثمار تفوقها العسكري والدعم الأمريكي لفرض رؤيتها وشروطها السياسية والأمنية، ما يجعل مستقبل المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات تتراوح بين السيئ والأسوأ.


مشروع استراتيجي مرتبط بالعقيدة الصهيونية


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما تتعرض له دولة لبنان من اعتداءات إسرائيلية متواصلة لا يمكن فصله عن مشروع استراتيجي قديم يرتبط بالعقيدة الصهيونية القائمة على البحث عن حدود وحواجز طبيعية توفر الحماية لدولة الاحتلال وتمنحها عمقاً جغرافياً وأمنياً، مؤكداً أن التطورات الجارية في جنوب لبنان تتجاوز إطار الردود العسكرية أو تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لتندرج ضمن رؤية تاريخية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

ويوضح الصباح أن الفكر الصهيوني نظر منذ بداياته إلى عناصر طبيعية مثل نهر الأردن ونهر الليطاني وجبل الشيخ وهضبة الجولان وصحراء سيناء باعتبارها حواجز استراتيجية يمكن أن تؤمن حدوداً طبيعية لدولة الاحتلال. ويشير الصباح إلى أن مشروع السيطرة على المنطقة الممتدة بين قمة جبل الشيخ ومصبي الليطاني والزهراني ليس مشروعاً مستجداً، بل يعود إلى ما قبل قيام إسرائيل، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية سعت خلال فترة الانتدابين البريطاني والفرنسي إلى ضم هذه المنطقة إلى نطاق النفوذ البريطاني تمهيداً لإلحاقها بالدولة التي كانت تخطط لإقامتها، إلا أن ذلك قوبل بالرفض من الجانب الفرنسي آنذاك.

ويرى الصباح أن الإصرار الإسرائيلي على البقاء في مناطق جنوب لبنان يعكس أهدافاً تتجاوز نهر الليطاني، معتبراً أن التحركات الميدانية تشير إلى محاولة دفع حدود السيطرة والنفوذ باتجاه مناطق أبعد شمالاً.

ووفق الصباح، فإن وجود أي قوى مقاومة على حدود إسرائيل يمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة لها، خاصة بعد تجربة السابع من أكتوبر 2023، التي أظهرت محدودية الوسائل الأمنية التقليدية في منع الهجمات.


إفراغ جنوب الليطاني من السكان


ويعتقد الصباح أن ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وإلغاء الوجود البشري فيها، بما يؤدي إلى تحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع إقامة مناطق عازلة تمتد تدريجياً نحو الشمال.

ويشير الصباح إلى أن الانشغال الدولي بملفات إقليمية، وفي مقدمتها المفاوضات المرتبطة بإيران والملف النووي والتوترات في الخليج، يوفر هامش حركة أوسع لإسرائيل لتكثيف عملياتها في لبنان وقطاع غزة.

ويحذر الصباح من أن استمرار غياب الضغوط الدولية الفاعلة، إلى جانب الانقسامات الداخلية في عدد من دول المنطقة، يمنح الاحتلال فرصة أكبر لتحقيق أهدافه.

ويؤكد الصباح أن التحدي الأبرز الذي تواجهه المنطقة لا يقتصر على الاحتلال الإسرائيلي أو السياسات الأمريكية، بل يتمثل أيضاً في حالة الانقسام السياسي والجغرافي التي تعاني منها عدة ساحات عربية وإقليمية، ما يضعف القدرة على مواجهة تلك المخططات.


إسرائيل لم تتوقف عن العدوان على لبنان


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن قراءة التطورات الجارية على الساحة اللبنانية تستدعي الانطلاق من حقيقة أساسية تتمثل في أن إسرائيل لم توقف عملياتها العسكرية في لبنان رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، بل واصلت عملياتها الميدانية وعملت على تكريس واقع جديد في الجنوب اللبناني.

ويوضح بشارات أن إسرائيل أبقت على وجودها العسكري وواصلت عمليات التدمير الواسعة للمنازل والبنية الجغرافية في مناطق الجنوب، إلى جانب منع سكان عشرات القرى الحدودية من العودة إلى منازلهم، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة النزوح القسري.

ويوضح بشارات أن حزب الله حرص على الإبقاء على مستوى من المواجهة يمنع ترسيخ صورة الضعف ويحافظ على قدر من معادلة الردع في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل حاولت من خلال الجمع بين استمرار العمليات العسكرية والانخراط في المسار التفاوضي تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات والاتصالات الإقليمية المتعلقة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والثاني إضفاء شرعية على وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية.


إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري


ويوضح بشارات أن التصعيد الأخير يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية، أبرزها أن إسرائيل باتت تتعامل مع لبنان كملف مستقل تسعى من خلاله إلى إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري الذي كان قائماً في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000، بما يضمن استمرار حضورها الميداني داخل الأراضي اللبنانية لفترات طويلة.


الملف اللبناني كورقة ضغط


ويشير بشارات إلى أن هناك تنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف إلى استخدام الملف اللبناني كورقة ضغط إضافية في مواجهة إيران وفي سياق المفاوضات الجارية معها، بما يسمح بتوظيف التطورات اللبنانية ضمن معادلات إقليمية أوسع.

ويشير بشارات إلى أن التصعيد يرتبط بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، في ظل الجدل المتصاعد حول الانتخابات المقبلة ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز موقعه السياسي من خلال استمرار خيار الحرب والتصعيد.

ويلفت بشارات إلى وجود توجه إسرائيلي أمريكي لحصر الملف اللبناني في إطار تفاوضي ثنائي بين لبنان وإسرائيل، وإبعاده عن التأثيرات الإقليمية والدولية التي لعبت فيها أطراف عربية وأوروبية أدواراً مهمة خلال السنوات الماضية.


مسار التصعيد المدروس والمتدرج


ويرجح بشارات أن يبقى مسار التصعيد المدروس والمتدرج هو الاحتمال الأقرب، مع سعي إسرائيل لتحقيق أهداف أمنية وسياسية وعسكرية تحت غطاء ودعم أمريكي.

ويشير بشارات إلى أن هذا التصعيد قد يهدف أيضاً إلى استفزاز إيران ودفعها للانخراط بصورة أكبر في المواجهة بما يسمح بتحميلها مسؤولية التوتر المتصاعد.

ويلفت بشارات إلى وجود سيناريو آخر يقوم على احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار السياسي والتفاوضي بعد تحقيق بعض الأهداف المرحلية، إلا أنه يعتبر هذا الاحتمال أقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

ويؤكد بشارات أن الأهداف الإسرائيلية المطروحة تتجاوز مسألة سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة، وتمتد إلى ترتيبات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.


العجز عن تحويل الإنجازات العسكرية لمكاسب سياسية


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً ودعماً أمريكياً مفتوحاً، تواجه مأزقاً حقيقياً يتمثل في عجزها عن تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، مشيراً إلى أن مسار التصعيد الحالي في لبنان يرتبط بحسابات إسرائيلية وأمريكية متشابكة تتجاوز حدود الميدان اللبناني.

ويوضح أبو غوش أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لم تتوقف فعلياً رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح قنوات تفاوض مع الدولة اللبنانية، بل استمرت من خلال عمليات التدمير الواسعة والتهجير القسري في مناطق جنوب الليطاني، مع إبقاء عشرات القرى الجنوبية خارج نطاق العودة لسكانها. ويرى أبو غوش أن إسرائيل سعت من خلال ذلك إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وترسيخ وجود طويل الأمد في الجنوب اللبناني، مع استمرار اعتمادها على الضوء الأخضر الأمريكي الذي يحدد سقوف التحرك الإسرائيلي واتجاهاته.


حزب الله يفاجئ إسرائيل


ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل فوجئت بعودة حزب الله إلى المواجهة بعد فترة طويلة من ضبط النفس، وبنجاحه في إعادة تنظيم قدراته واستعادة جزء من جاهزيته العسكرية، إضافة إلى استخدام وسائل قتالية جديدة، أبرزها المسيّرات الصغيرة العاملة بالألياف الضوئية، والتي شكلت تحدياً أمنياً وتقنياً للجيش الإسرائيلي.

ويلفت أبو غوش إلى أن تل أبيب تنظر بقلق إلى قدرة حزب الله على التأثير في المشهد السياسي اللبناني وإعاقة أي ترتيبات أو مفاوضات تسعى الحكومة اللبنانية إلى المضي بها بدعم أمريكي وإقليمي.

ويشير أبو غوش إلى أن العدوان الإسرائيلي يترافق مع محاولات لعزل حزب الله سياسياً وشعبياً عبر استهداف بيئته الحاضنة ومؤسساته الاقتصادية والخدمية والتعليمية، إلا أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، بل أسهمت في بروز مواقف وقوى لبنانية جديدة ترفض الضغوط الإسرائيلية وتدعو إلى التمسك بخيار المقاومة.


انقسام إسرائيلي متزايد


ويوضح أبو غوش أن الساحة الإسرائيلية تشهد انقساماً متزايداً بين أصوات تدعو إلى مواصلة التصعيد والحسم العسكري، وأخرى تحذر من الانزلاق مجدداً إلى "المستنقع اللبناني" وتكرار تجربة الاحتلال السابقة التي استمرت حتى عام 2000، كما تتصاعد الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُتهم بتوظيف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويتوقع أبو غوش أن أي توسع إضافي للعدوان على لبنان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل، إذ سيؤدي إلى استنزاف أكبر للقوات الإسرائيلية، وزيادة الحاجة إلى التحصينات والموارد العسكرية، فضلاً عن تعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.


التصعيد وارتباطه بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية


ويعتقد أبو غوش أن مستقبل التصعيد يبقى مرتبطاً أيضاً بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران لا تزال تتمسك بربط أي اتفاق تهدئة أو وقف إطلاق نار شامل بالوضع في لبنان، الأمر الذي يجعل الجبهة اللبنانية جزءاً أساسياً من التوازنات الإقليمية الجارية ويصعب فصلها عن المسارات السياسية الأوسع في المنطقة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخابات الكنيست المقبلة

أنهت الأحزاب العربية الفلسطينية الثلاثة مفاوضاتها، وتم التوصل إلى اتفاق فيما بينها لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، انتخابات الكنيست الاسرائيلي، بقائمة واحدة، إن لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع الحزب الرابع "القائمة الموحدة" برئاسة منصور عباس، لخوض الانتخابات ضمن "القائمة المشتركة".

الأحزاب الثلاثة: 1- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة يوسف جبارين، 2- الحركة العربية للتغيير برئاسة احمد الطيبي، 3- التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة سامي أبو شحادة، وعبر هذا التحالف يمكنهم تحقيق النجاح المضمون للأحزاب الثلاثة، بعد أن خاضوا الانتخابات السابقة الخامسة والعشرين التي جرت في الأول من شهر تشرين الثاني نوفمبر 2022، بقائمتين منفصلتين واحدة للجبهة الديمقراطية مع الحركة العربية للتغيير وحصلت على خمسة مقاعد، بينما أخفق التجمع الوطني الديمقراطي من تجاوز نسبة الحسم وخسر موقعه في الكنيست، وذهبت أصواته الانتخابية وخسر المقاعد الاربعة لصالح حزب الليكود الأكبر عدداً، وفق قوانين الانتخابات الإسرائيلية.

في الانتخابات السابقة حصلت الجبهة الديمقراطية مع العربية للتغيير على 193 ألف صوت، وعلى خمسة مقاعد، بينما فقد التجمع الأصوات التي حصل عليها وهي 138 ألف صوت، ولو خاضوا الانتخابات بقائمة موحدة بين الأحزاب الثلاثة لحصلت على ثمانية مقاعد على الاقل.

القائمة الثالثة العربية الفلسطينية التي خاضت انتخابات الكنيست السابقة، هي "القائمة الموحدة" و حصلت على 178 ألف صوت، وخمسة مقاعد وبذلك حصلت الأحزاب العربية الفلسطينية على عشرة مقاعد فقط، بينما في الانتخابات التي سبقتها حينما شكلت قائمة موحدة من الأحزاب الأربعة فقد حصلت على 15 مقعداً، مما يدلل على أهمية التحالف والوحدة والعمل المشترك بين الأحزاب الأربعة، بل ثمة مشاركة يمكن أن تتم بتوسيع حجم الائتلاف والتحالف لضم الحزب الديمقراطي العربي برئاسة النائب السابق المحامي طلب الصانع وبعض الشخصيات الوطنية البارزة مثل علي بشير رئيس بلدية سخنين السابق، أو مازن غنايم رئيس بلدية سخنين الحالي، رئيس لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية، وغيرهم من الشخصيات الأكاديمية، أو رؤساء البلديات، أو الشخصيات العامة.

حسمت الأحزاب الثلاثة موقفها وقرارها، وباقي التوصل إلى ائتلاف مع "القائمة الموحدة" ليكونوا معاً في قائمة مشتركة، وثمة خلافات بينهم، على الأرجح سيتوصلوا إلى تجاوزها وهي:

1- تشكيل القائمة المشتركة ووضع الأسماء حسب الأولويات وخاصة من يكون رئيس القائمة، وثمة اقتراح لتبادل الموقع بالتناوب بين يوسف جبارين رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية مع منصور عباس رئيس كتلة "القائمة الموحدة" لمدة سنتين لكل منهما.

2- أن يبقى التحالف مقتصراً على الانتخابات، ويعطي المجال لحرية الاختيار في التعامل السياسي لكل حزب بعد الانتخابات، حيث ترى القائمة الموحدة ضرورة التحالف مع الأحزاب الصهيونية المشاركة في الحكومة، من أجل تحقيق مكاسب مختلفة لصالح الأوضاع المعيشية والمالية والوظائفية للمجتمع العربي الفلسطسني في إدارات المؤسسات المدنية الإسرائيلية، وهو توجه هام إضافة إلى أنه يُحقق مكاسب عملية للمجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق 48، أبناء الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، فهو يكسر حلقة الفهم الصهيوني على أن "الدولة" هي "دولة يهودية" حيث يشغل الفلسطينيون حوالي 20 بالمائة من عدد السكان، وبذلك يحققوا مفهوم الشراكة، وإنهاء واقع وفلسفة "يهودية الدولة" بالتدرج.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

الشبكات الاجتماعية الرقمية.. الأرضية الخصبة لجريمة مستحدثة

في عصرٍ باتت فيه الهواتف الذكية امتداداً لأيدي البشر، وتحولت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية إلى جزءٍ أصيلٍ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد العالم كما كان من قبل. فهذه المنصات التي جاءت لتختصر المسافات، وتُسهّل التواصل، وتنقل الأخبار والمعرفة بسرعة الضوء، حملت معها وجهاً آخر أكثر ظلمةً وخطورة؛ وجهاً جديداً للجريمة لم يكن معروفاً في الأزمنة السابقة، إنها الجريمة الإلكترونية التي ولدت من رحم التطور الرقمي، وترعرعت في بيئة افتراضية مفتوحة بلا حدود.

لقد أحدثت الشبكات الاجتماعية الرقمية ثورةً هائلة في الإعلام والاتصال، حتى أصبحت منابر للرأي، وساحات للنقاش، ووسائل للتأثير والتوجيه، غير أن هذا الاتساع الكبير في الاستخدام ترافق مع ظهور ممارسات خطيرة استغلها ضعاف النفوس والمحتالون والمجرمون الإلكترونيون، الذين وجدوا في جهل بعض المستخدمين بالتقنيات الرقمية ثغرةً ينفذون منها لارتكاب جرائمهم المتنوعة؛ من سرقة البيانات الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال المالي، إلى اختراق الحسابات، ونشر الشائعات، وتدمير السمعة الاجتماعية والنفسية للأفراد.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في سوء استخدامها، وفي غياب الوعي الرقمي لدى قطاع واسع من المستخدمين الذين يمنحون معلوماتهم الشخصية طواعية، أو يقعون ضحيةً لأساليب احتيالية متطورة تُدار باحترافية عالية. فكثيرون يضغطون على روابط مجهولة، أو يشاركون بياناتهم الحساسة دون إدراك لحجم الخطر المحدق بهم، فيتحول الحساب الشخصي إلى بوابةٍ مفتوحةٍ للمجرمين الإلكترونيين الذين يتخفّون خلف أسماء وهمية وصور مزيفة وشعارات براقة.

ولأن الجريمة الإلكترونية باتت من أخطر الجرائم الحديثة وأكثرها انتشاراً وتعقيداً، فإن مواجهتها لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت مسؤوليةً جماعية تتشارك فيها المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والأسرة، والمجتمع بأكمله. فالمعركة اليوم ليست معركةً تقليدية، بل معركة وعيٍ ومعرفةٍ وأمنٍ رقمي.

إن وسائل الإعلام تتحمل دوراً وطنياً وأخلاقياً بالغ الأهمية في نشر الثقافة الرقمية، وتوعية المواطنين بخطورة الاستخدام العشوائي للشبكات الاجتماعية، وتعريفهم بآليات الحماية والأمان الرقمي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للخبر، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل والاحتيال والجرائم الرقمية العابرة للحدود. ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق حملات توعوية مستمرة تُبسط المفاهيم التقنية للمواطن العادي، وتوضح له كيف يحمي بياناته، وكيف يميز بين الحقيقة والخداع، وبين الرابط الآمن والفخ الإلكتروني.

ومن أهم الخطوات التي يجب العمل عليها لمواجهة هذه الجريمة المستحدثة:

أولاً : بناء نظام تعليمي قائم على التوعية الرقمية

إن بناء جيلٍ واعٍ رقمياً يبدأ من المدرسة والجامعة، عبر إدخال مفاهيم الأمن الرقمي والثقافة الإلكترونية ضمن المناهج التعليمية، وتعليم الطلبة كيفية الاستخدام الآمن للإنترنت، وخطورة مشاركة المعلومات الشخصية، وطرق اكتشاف الاحتيال الرقمي. فالتعليم هو السلاح الأقوى في مواجهة الجريمة الإلكترونية، وهو الاستثمار الحقيقي لحماية المجتمعات مستقبلاً.

ثانياً : وضع ضوابط ومحددات للاستخدام الصحيح للشبكات الاجتماعية

فالحرية الرقمية لا تعني الفوضى، والانفتاح الإلكتروني لا يعني غياب المسؤولية. لذلك، لا بد من وجود تشريعات وقوانين رادعة تحمي المستخدمين، وتجرّم الابتزاز والاختراق والتشهير الإلكتروني، إلى جانب وضع سياسات واضحة تنظم استخدام هذه الشبكات، وتحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ثالثاً: نشر آليات مكافحة الجريمة الإلكترونية عبر وسائل الإعلام

من الضروري أن تتحول وسائل الإعلام التقليدية والرقمية إلى منصات تثقيفية تُعرّف المواطنين بوسائل الحماية، وتعرض قصصاً حقيقية عن ضحايا الجرائم الإلكترونية، وتسلط الضوء على الطرق الحديثة التي يستخدمها المحتالون، لأن المعرفة المسبقة بالخطر تُسهم في الوقاية منه.

إن العالم الرقمي، رغم ما يحمله من تطورٍ وإيجابيات، أصبح ساحةً مفتوحةً لحروبٍ جديدة لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل تُستخدم فيها البيانات والمعلومات والعقول. ولذلك، فإن المجتمعات التي لا تمتلك وعياً رقمياً كافياً ستبقى أكثر عرضةً للاستهداف والانهيار المعنوي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد أصبحت حماية الإنسان في العصر الحديث لا تقتصر على حماية جسده وممتلكاته فقط، بل تمتد لحماية بياناته وخصوصيته وهويته الرقمية. ومن هنا، فإن بناء ثقافة رقمية واعية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية الأفراد والأوطان من جريمةٍ تتطور كل يوم، وتتخفى خلف شاشة صغيرة، لكنها قادرة على إحداث خسائر كبيرة وآثار مدمرة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن التكنولوجيا سلاحٌ ذو حدين؛ فمن أحسن استخدامها حصد المعرفة والتقدم، ومن أساء التعامل معها وقع فريسةً سهلةً في شباك الجريمة الإلكترونية. لذلك، فإن الوعي الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح خط الدفاع الأول في زمنٍ أصبحت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية الأرضيةَ الخصبةَ لجريمةٍ مستحدثة تتوسع كل يوم بصمتٍ مخيف.

* المتحدث  باسم الشرطة

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح" أمام امتحان التجدد لا نبوءة الانشقاق و"الثوري" في قلب المعادلة

ليست كل قراءة قلقة لمستقبل فتح عداءً لها، وليست كل مقالة متشائمة بلا أساس. في السياسة، الخطر لا يكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى نبوءة جاهزة، كأن الحركة التي صنعت جزءا كبيرا من التاريخ الوطني الفلسطيني لم تعد قادرة إلا على التراجع أو الانشقاق أو التحلل. وهذا تقدير متعجل، لأنه يقرأ مظاهر الأزمة، لكنه لا يقرأ عمق البنية الفتحاوية ولا قدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات والعودة من حافة الانكسار.

انعقاد المؤتمر الثامن بحد ذاته ليس تفصيلًا إداريا. في زمن الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وفي ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الثقة العامة، وضغط الإقليم والعالم، يصبح مجرد انتظام المؤسسة حدثا سياسيا لا يجوز التقليل من قيمته. فالحركات التي لا تعقد مؤتمراتها تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة، أما الحركات التي تجازف بعقد مؤتمراتها، حتى وسط النقد والاحتجاج والتباين، فهي ما تزال تمتلك قابلية الحياة.

نعم، لم يكن المؤتمر مثالياً. ولا يجوز التعامل مع الملاحظات التي رافقته بمنطق الدفاع الأعمى. هناك أسئلة مشروعة حول التمثيل، وحول من غاب ومن حضر، وحول شعور قطاعات فتحاوية بأن حضورها التاريخي أو الفكري أو التنظيمي لم يترجم بما يكفي في المخرجات. وهناك قلق حقيقي من أن تتحول الانتخابات الداخلية إلى ميزان نفوذ لا إلى ميزان كفاءة، ومن أن تتقدم الحسابات المناطقية والشخصية على الحاجة إلى إنتاج عقل سياسي جديد للحركة.

لكن بين الاعتراف بهذه المخاوف وبين إعلان وفاة فتح مسافة كبيرة. فتح ليست حزبا عاديا نشأ حول برنامج انتخابي محدود، بل حركة وطنية واسعة، حملت داخلها منذ البداية تناقضات المجتمع الفلسطيني كله: الداخل والخارج، البندقية والسياسة، المخيم والمدينة، التنظيم والسلطة، التاريخ والمستقبل. لذلك كانت أزماتها دائمًا أكبر من أزمات الأحزاب، لكنها كانت أيضًا أقدر من غيرها على البقاء لأنها ليست مجرد جهاز، بل ذاكرة شعبية وشبكة انتماء وطنية عميقة.

المقالات المتشائمة تصيب حين تحذر من خطر التآكل الداخلي، لكنها تخطئ حين تتعامل مع التململ وكأنه انشقاق ناجز. الانشقاق لا يولد من الغضب وحده. الانشقاق يحتاج إلى: ( قيادة بديلة، وقاعدة منظمة، وتمويل، وسند إقليمي، وخطاب سياسي قادر على إقناع الناس بأن الخروج من المركز أكثر جدوى من إصلاحه ). وهذه العناصر ليست مكتملة اليوم، لكنها قد تتشكل إذا أُهملت الجروح، وإذا جرى التعامل مع المعترضين باعتبارهم عبئا لا رصيدًا، أو مع المختلفين باعتبارهم خصومًا لا شركاء في البيت نفسه.

المطلوب اليوم ليس الاحتفال بالمؤتمر كأنه أنجز كل شيء، ولا جلد الذات كأن المؤتمر لم ينجز شيئًا. المطلوب قراءة مركبة: انعقاد المؤتمر كان ضرورة وطنية وتنظيمية، لكنه ليس نهاية الأزمة. هو بداية امتحان جديد. فإذا بقيت مخرجاته حبيسة الأسماء والمواقع، سنكون أمام إعادة إنتاج للمشكلة. أما إذا تحول إلى لحظة مراجعة عميقة، فقد يصبح مدخلًا لإعادة بناء الحركة على قاعدة أكثر وضوحًا وصرامة وانفتاحًا.

في هذا السياق، يقع العبء الأكبر على المجلس الثوري الجديد. فالمجلس الثوري ليس جائزة ترضية، ولا قاعة تصفيق، ولا إطارًا بروتوكولياً ينتظر دعوات الاجتماعات. إنه برلمان الحركة وضميرها الرقابي والسياسي. وإذا أراد أن يكون بمستوى اللحظة، فعليه أن يمارس دوره في مراقبة الأداء، وفتح النقاش الحقيقي، ومساءلة المفوضيات، وصوغ مراجعة تنظيمية شاملة، وإعادة وصل الحركة بقواعدها في الأقاليم والمخيمات والشتات والجامعات والنقابات. المجلس الثوري الجديد يستطيع أن يكون جسرًا بين القيادة والقاعدة، أو أن يتحول إلى شاهد صامت على اتساع الفجوة. والفرق بين الدورين هو الفرق بين حركة تتجدد وحركة تكتفي بإدارة الزمن.

إن الخطر الأكبر على فتح اليوم ليس وجود منتقدين، بل غياب آلية لاستيعاب النقد. وليس الخطر أن يخسر بعض القادة مواقعهم، بل أن يشعر من خسر بأنه خرج من الحركة لا من موقع انتخابي. وليس الخطر أن تظهر تيارات وتباينات، فهذه طبيعة الحركات الكبرى، بل أن تتحول هذه التباينات إلى جزر مغلقة تبحث عن سند خارج البيت الفتحاوي.

لذلك تحتاج فتح بعد المؤتمر إلى ثلاث خطوات واضحة: مصالحة فتحاوية داخلية لا تقوم على المجاملة بل على الاعتراف المتبادل. مجلس استشاري وخلية تفكير استراتيجية تضم العقول والخبرات التي غابت أو أُبعدت أو لم تجد موقعها. وبرنامج سياسي وتنظيمي يجيب بصراحة عن سؤال المرحلة: ما وظيفة فتح اليوم؟ هل هي حزب سلطة فقط؟ أم حركة تحرر وطني تجدد أدواتها داخل واقع سياسي شديد القسوة؟

فتح قادرة على لملمة نفسها، ليس لأنها بلا أزمات، بل لأنها عاشت أزمات أكبر وبقيت. لكنها هذه المرة لا تحتاج إلى ترميم سطحي، بل إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف ذاتها:

حركة وطنية ديمقراطية، واسعة، عاقلة، مقاومة سياسيا وشعبيا، قادرة على استيعاب أبنائها لا طردهم إلى الهوامش، وعلى إنتاج قيادة لا تكتفي بالشرعية التاريخية بل تصنع شرعية الأداء.

المؤتمر الثامن يجب ألا يكون خاتمة نقاش، بل افتتاح ورشة إنقاذ. وفتح، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف وشجاعة الإصلاح معًا، تستطيع أن تحول القلق الراهن من نذير انشقاق إلى فرصة تجدد. أما تجاهل الأسئلة الصعبة، فهو الطريق الأقصر إلى تحويل النقد إلى تيارات، والتيارات إلى أطر، والأطر إلى انشقاقات.

فتح اليوم ليست أمام نبوءة سقوط. هي أمام لحظة اختبار. ومن يعرف تاريخ هذه الحركة يدرك أنها لا تموت حين تختلف، بل تضعف حين تكابر. وقوتها القادمة لن تأتي من إنكار الجروح، بل من القدرة على فتحها أمام ضوء المراجعة، ثم خياطتها بخيط وطني جامع، قبل أن تتحول الندوب إلى حدود فاصلة داخل الجسد الواحد.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:10 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة التحرير الفلسطينية: من التأسيس إلى تثبيت الهوية الوطنية

في مسار التاريخ الفلسطيني الحديث، تبرز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها أكثر من مجرد إطار سياسي نشأ في سياق إقليمي مضطرب؛ إنها بنية تأسيسية أعادت صياغة مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، وحوّلت الشعب الفلسطيني من حالة التشتت الجغرافي والسياسي إلى كيان رمزي ومؤسساتي قادر على التعبير عن ذاته في المحافل الدولية. ومن هنا، فإن قراءة مسيرة المنظمة لا تنفصل عن فهم التحولات العميقة في بنية الهوية الفلسطينية ذاتها، بوصفها هوية تشكلت تحت ضغط النفي الاستعماري، ثم أعادت إنتاج نفسها عبر فعل سياسي منظم.

تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في سياق عربي وفلسطيني بالغ التعقيد، عقب انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس، واستناداً إلى قرارات القمم العربية التي سعت إلى بلورة إطار يمثل الفلسطينيين سياسياً. لم يكن هذا التأسيس مجرد استجابة إجرائية لفراغ تمثيلي، بل كان إعلاناً ضمنياً عن انتقال القضية الفلسطينية من مستوى التبني العربي العام إلى مستوى الفعل الوطني الفلسطيني المستقل نسبياً، بما يحمله ذلك من دلالات على تشكل الذات السياسية الفلسطينية.

وقد اضطلع أحمد الشقيري بدور تأسيسي محوري في بناء هذا الكيان الناشئ، من خلال بلورة الميثاق القومي والنظام الأساسي، عقب سلسلة مشاورات واسعة مع الفلسطينيين في الدول العربية. وقد تُوِّج هذا الجهد بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس، حيث أُعلن رسمياً عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها التعبير السياسي الجامع عن الإرادة الوطنية الفلسطينية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتبلور ملامح “التمثيل” بوصفه فعلاً سياسياً وليس مجرد توصيف قانوني.

غير أن التحول الأعمق في بنية المنظمة ووظيفتها السياسية جاء بعد عام 1967، حيث أعادت النكسة تشكيل الوعي الفلسطيني على نحو جذري، ودفعته نحو إعادة تعريف أدواته التنظيمية. في هذه المرحلة الانتقالية، تولى يحيى حمودة رئاسة اللجنة التنفيذية بشكل مؤقت، قبل أن يدخل ياسر عرفات عام 1969 إلى قيادة المنظمة، في لحظة مثّلت إعادة تموضع جذري للمشروع الوطني الفلسطيني، وربطاً مباشرا بين الكفاح المسلح والهوية السياسية الوطنية. لقد أصبحت المنظمة في هذه المرحلة ليست فقط إطاراً تمثيلياً، بل بنية نضالية تعكس تحولات الهوية من خطابها التقليدي إلى خطاب التحرر الوطني.

ومع انتقال القيادة إلى الرئيس محمود عباس عام 2004، بعد استشهاد ياسر عرفات، دخلت منظمة التحرير مرحلة جديدة من إعادة إنتاج دورها السياسي ضمن سياقات دولية أكثر تعقيداً، حيث تزايدت التحديات المرتبطة بتوازنات الإقليم، وبنية النظام الدولي، والتحولات الداخلية الفلسطينية. ومع ذلك، بقيت المنظمة الإطار المرجعي الوحيد المعترف به دولياً بوصفه ممثلا شرعياً للشعب الفلسطيني، وهو ما يعكس استمرار مركزيتها في بنية النظام السياسي الفلسطيني.

إن أهمية منظمة التحرير الفلسطينية لا تكمن فقط في كونها مؤسسة سياسية، بل في كونها “بنية هوية” أعادت تشكيل الذات الفلسطينية ضمن إطار جامع، وحمتها من التفكك في سياقات اللجوء والاحتلال والتجزئة. فهي لم تكن مجرد مؤسسة، بل مشروع وطني طويل المدى لإنتاج وحدة رمزية وسياسية لشعب موزع جغرافياً، ومواجهاً لمحاولات مستمرة لإعادة تعريفه خارج سياقه الوطني.

وفي الذكرى الثانية والستين لتأسيسها، تبرز المنظمة اليوم أمام اختبار تاريخي مركب، يتداخل فيه السياسي بالوجودي. فالمشهد الفلسطيني الراهن، بما يحمله من حرب إبادة في غزة، وتصعيد استيطاني في الضفة الغربية، واستهداف متواصل للقدس، لا يمثل مجرد أزمة سياسية، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني نفسه. وفي هذا السياق، تصبح منظمة التحرير الفلسطينية ليست خياراً سياسياً ، بل ضرورة بنيوية لاستمرار الفعل الوطني.

ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن التحدي الأهم الذي يواجه المنظمة اليوم يتمثل في قدرتها على إعادة تجديد شرعيتها الداخلية عبر توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير بنيتها المؤسساتية بما يتناسب مع تحولات الواقع. فاستمرار المنظمة بوصفها اطارا جامعاً يتطلب انتقالها من وظيفة التمثيل الرمزي إلى وظيفة الفعل السياسي المنتج، القادر على مواجهة التحديات الوجودية للمشروع الوطني الفلسطيني.

وفي هذا السياق، يبقى التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية تمسكاً بالهوية ذاتها، وبالذاكرة السياسية التي صنعت وجود الفلسطينيين على الخريطة السياسية العالمية. فهي ليست فقط تاريخاً يُستعاد، بل مستقبل يُبنى على قاعدة من الشرعية النضالية والتمثيل الوطني الجامع، وصولاً إلى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:09 صباحًا - بتوقيت القدس

شواهد هوية تحولت إلى رماد

بينما تنشغل شاشات التلفزة بإحصاء الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة، هناك حرب صامتة تدور رحاها ضد التاريخ نفسه، حرب لا تستهدف الحاضر فقط، بل تمتد مخالبها إلى عمق الماضي لتجريف الجذور، ومحو الشواهد التي تثبت حكاية الأرض والإنسان منذ آلاف السنين.

فلم تكن غزة يوماً مجرد بقعة جغرافية عابرة، بل كانت حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وممراً إلزامياً للقوافل والتجارة بين مصر والشام، تعاقبت عليها الحضارات من الكنعانيين والفلستيين، وصولاً إلى العهود البيزنطية والإسلامية بمختلف عصورها، هذا المزيج الحضاري الفريد تجسد في أزقة بلدتها القديمة، التي تحولت اليوم إلى مساحات من الغبار والركام.

الدمار الذي طال الآثار في غزة لم يكن هامشياً، بل أصاب في مقتل معالم كانت تعد بمثابة "البطاقة الشخصية" للمدينة: المسجد العمري الكبير؛ ذاكرة غزة الدينية والثقافية، الذي تدرج عبر العصور من معبد وثني إلى كنيسة بيزنطية ثم مسجد إسلامي، انهارت مئذنته وجدرانه التي صمدت لقرون. كنيسة القديس برفيريوس التي احتمى أهل غزة بظلها عبر مئات السنين باعتبارها ثالث أقدم كنيسة في العالم، نالت نصيبها من القصف لتمتزج دماء النازحين داخلها بحجارتها البيزنطية العريقة. المتاحف والمكتبات مثل: متحف قصر الباشا ومكتبة ناشيونال، التي كانت تضم مخطوطات نادرة وعملات أثرية تعود للعصور اليونانية والرومانية، نُهبت أو تحولت إلى ركام تحت الأنقاض.

فلسفة الإبادة الثقافية: لماذا يُستهدف التاريخ؟ إن تدمير المعالم التاريخية في غزة ليس مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل هو جزء من إستراتيجية تُعرف في القانون الدولي بـ "الإبادة الثقافية" (Cultural Genocide). الهدف منها هو قطع الصلة بالأرض، تجريد الفلسطيني من أدلته المادية التي تربطه جغرافياً وتاريخياً بالمكان.

تدمير الذاكرة الجماعية: تحويل المدينة إلى مساحة بلا هوية أو معالم، مما يسهل عملية كي الوعي وإحباط الأجيال القادمة. اغتيال السياق الحضاري: تصوير غزة للعالم كبقعة معزولة من البؤس، وتجريدها من عمقها الإنساني والثقافي الذي ساهم في صياغة تاريخ البشرية.

صمود الذاكرة الرقمية والترميم المؤجل رغم أن المعالم الأثرية قد دُمرت مادياً، إلا أن هناك حراكاً فلسطينياً ودولياً خجولاً يحاول توثيق هذه الخسائر.

الدمار لم يكن عشوائياً، بل صاحَبته استراتيجيات ممنهجة لسلب الهوية حيث يرى خبراء الآثار الدوليون أن حجم الدمار في غزة فاق أي صراع آخر جرى توثيقه في العصر الحديث، إذ لم يتبقَ من شواهد الحضارات البيزنطية، والإسلامية، والرومانية سوى الغبار والأعمدة المحطمة.