عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تبدأ مراسم تشييع خامنئي وإسرائيل تتوعد خليفته بالاغتيال

أعلنت السلطات الإيرانية عن بدء مراسم تشييع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، مساء اليوم الأربعاء، وذلك بعد اغتياله في هجوم جوي مشترك نفذته قوى إسرائيلية وأمريكية يوم السبت الماضي. وأفاد بيان رسمي صادر عن المجلس الإسلامي لتنسيق التنمية بأن الجثمان سيُنقل إلى جامع الإمام الخميني الكبير في طهران لتمكين المواطنين من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة، قبل استكمال إجراءات الدفن التي ستستغرق ثلاثة أيام.

ومن المقرر أن يُوارى جثمان خامنئي الثرى في مسقط رأسه بمدينة مشهد شمال شرق البلاد، وتحديداً بجوار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، وهو الموقع الذي يضم أيضاً رفات والده. وتعد مدينة مشهد العاصمة الروحية الثانية في إيران، حيث تحمل رمزية دينية وتاريخية كبرى لدى الشيعة، مما يجعل اختيارها مكاناً للدفن تأكيداً على المكانة التي حظي بها المرشد الراحل طوال فترة حكمه التي امتدت لستة وثلاثين عاماً.

في المقابل، صعدت إسرائيل من لهجتها العدائية، حيث هدد وزير الأمن يسرائيل كاتس باغتيال أي شخصية يتم اختيارها لخلافة خامنئي إذا ما استمرت في نهج العداء لتل أبيب. وأكد كاتس في تصريحات رسمية أن أي قائد جديد يتبنى خطط تدمير إسرائيل أو يهدد المصالح الدولية سيكون هدفاً مشروعاً لعمليات التصفية، مشدداً على أن أجهزة الأمن ستلاحق القيادات الجديدة في أي مكان يختبئون فيه.

وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، كشفت مصادر مطلعة عن تشكيل مجلس قيادة مؤقت يتألف من ثلاثة مسؤولين بارزين لتسيير دفة الحكم وضمان استقرار المؤسسات عقب الشغور المفاجئ في منصب المرشد. وأكد علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي أن هذا الإجراء يهدف إلى إدارة شؤون البلاد بانتظار انعقاد مجلس الخبراء لاختيار خليفة دائم، في ظل تقديرات تشير إلى صراع محتمل بين التيار الثوري المتشدد وتيارات تسعى للواقعية السياسية.

وتأتي هذه التطورات بعد الكشف عن تفاصيل العملية العسكرية التي أدت لمقتل خامنئي، حيث شاركت نحو 200 طائرة مقاتلة في موجة هجومية ثالثة وصفت بأنها الأضخم منذ عقود. واستخدمت القوات المهاجمة صواريخ متطورة من طراز 'العصافير السوداء' لضمان اختراق التحصينات في المجمع الرسمي بطهران، في عملية جرى التنسيق لها بشكل وثيق بين تل أبيب وواشنطن وشملت توزيعاً دقيقاً للأهداف الاستراتيجية في المنطقة.

تحليل

الأربعاء 04 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تحليل: هل تعكس الهجمات ضد إيران تخبط 'إمبراطوريات محتضرة'؟

يرى الكاتب ريتشارد إيسكو في قراءة تحليلية معمقة أن الهجمات العسكرية الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية لا تعبر عن فائض قوة، بل هي سلوك يشبه 'الحيوانات المحتضرة' التي تزداد شراسة في لحظاتها الأخيرة. ويشير التحليل إلى أن المجازر التي وقعت مؤخراً، لا سيما استهداف المنشآت التعليمية، تعكس حالة من اليأس الاستراتيجي وفقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية.

وتطرق المقال إلى الغارات الجوية الدامية التي وقعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حيث طالت القذائف مدارس إيرانية وأسفرت عن مقتل عشرات الأطفال. واعتبر إيسكو أن هذه الحوادث ليست مجرد أخطاء تقنية، بل هي نتاج 'لامبالاة تكتيكية' تتشابه إلى حد كبير مع ما يشهده قطاع غزة من حرب إبادة جماعية مستمرة، حيث سقطت أقنعة الخجل من استهداف المدنيين.

وفيما يتعلق بالداخل الإيراني، يرى المحلل أن التركيز الأمريكي والإسرائيلي على اغتيال الشخصيات القيادية، بما في ذلك الأنباء حول وفاة آية الله علي خامنئي، ينم عن فهم سطحي للتاريخ والواقع السياسي. فالسلطة في طهران ليست مرتبطة بفرد واحد، بل هي نتاج تراكمات تاريخية ومقاومة للتدخلات الغربية التي بدأت منذ الانقلاب المدعوم خارجياً في عام 1953.

وحذر التحليل من أن تحويل القادة إلى 'شهداء' قد يمنح النظام الإيراني قوة رمزية تتجاوز تأثيرهم وهم أحياء، مما يعقد مهمة الحركات الاحتجاجية والمطالبين بالديمقراطية في الداخل. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في موقف لا يحسدون عليه، محاصرين بين ضغوط النظام المحلي وبين القنابل والصواريخ التي تطلقها القوى الدولية تحت ذريعة التحرير.

وعلى صعيد القيادة الإسرائيلية، رسم المقال صورة قاتمة لمستقبل بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن الرأي العام العالمي، وخاصة الأجيال الشابة في الغرب، بدأ يغير نظرته تجاه إسرائيل بشكل جذري. فقد باتت توصف بشكل متزايد بأنها 'دولة فصل عنصري'، مما يجعل استمرار مشروع 'أرض إسرائيل' بصيغته الحالية أمراً غير مستدام في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

أما في الجانب الأمريكي، فيبرز دونالد ترامب كممثل لنخبة سياسية يسيطر عليها ذعر وجودي من فقدان الهيمنة العالمية التي دامت لعقود. وتحاول هذه النخبة تعويض تراجع نفوذها من خلال زيادة الإنفاق العسكري إلى مستويات فلكية وتبني سياسات قمعية، في محاولة يائسة لوقف عجلة التاريخ التي تشير إلى صعود قوى جديدة وتعددية قطبية.

واستشهد الكاتب بمقولة الفيلسوف أنطونيو غرامشي حول مرحلة 'الغسق' التي يمر بها العالم، حيث يموت النظام القديم بينما يواجه النظام الجديد صعوبة في الولادة. وفي هذه المرحلة الانتقالية، تظهر أعراض مرضية عنيفة تتجلى في الحروب العبثية والاعتداءات العسكرية التي لا تهدف لتحقيق نصر سياسي بقدر ما تهدف لتأخير السقوط الحتمي.

ووصف المقال الولايات المتحدة بأنها تحولت إلى 'عملاق عنيف وبائس'، يوجه ثروات شعبه نحو آلات القتل والدمار بينما يعاني الداخل من فوارق طبقية حادة وأزمات اجتماعية متفاقمة. فالهجوم على إيران، بحسب إيسكو، ليس علامة على القوة الإمبراطورية، بل هو تخبط يشبه ما مرت به الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ قبيل انهيارها النهائي.

وخلص التحليل إلى أن 'الوقت ينفد' أمام القادة الذين يقتاتون على الحروب والصراعات الدائمة للبقاء في السلطة، سواء في واشنطن أو تل أبيب. إن دموية الهجمات الحالية هي الضريبة الأخيرة التي يدفعها الأبرياء في واقع دولي يتشكل من جديد، حيث لن تعود الجغرافيا السياسية إلى سابق عهدها مهما بلغت شدة القصف.

وفي ختام قراءته، وجه إيسكو رسالة تضامن مع الضحايا في فلسطين واليمن وإيران، مؤكداً أن إرادة الشعوب والتحولات التاريخية الكبرى أقوى من آلات الحرب. واعتبر أن الصراع الحالي هو المخاض الأخير لنظام عالمي قديم يرفض الاعتراف بنهايته، مما يجعله أكثر خطورة وفتكاً في أيامه الأخيرة.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تخبط في واشنطن: إدارة ترامب تواجه معضلة 'البديل المفقود' في إيران بعد غياب خامنئي

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديات متزايدة في صياغة استراتيجية واضحة لمستقبل إيران، في ظل غياب تصور دقيق لمرحلة ما بعد المرشد الأعلى. وتشير التقارير إلى أن بنية النظام الإيراني لا تزال متماسكة بشكل يعيق طموحات واشنطن في إحداث تغيير سياسي سريع وسلس.

وذكرت مصادر صحفية أن المقارنة التي يعقدها ترامب بين إيران وفنزويلا تفتقر إلى الواقعية السياسية والميدانية. فبينما نجحت الإدارة سابقاً في إيجاد قنوات تواصل مع أطراف في كاراكاس، تبدو الساحة الإيرانية خالية من أي معارضة منظمة أو منشقة يمكن المراهنة عليها لقيادة المرحلة الانتقالية.

وكشفت المعلومات المسربة عن عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي ونخبة من القيادات العسكرية والسياسية. ورغم النجاح الاستخباراتي في تحديد الأهداف، إلا أن النتائج الميدانية أدت إلى فراغ قيادي لم تكن واشنطن مستعدة للتعامل معه أو ملئه بشخصيات موالية.

وأقر الرئيس ترامب في تصريحات إعلامية بأن الضربات الصاروخية المكثفة قضت على الشخصيات التي كانت الولايات المتحدة تضعها في الحسبان لتولي زمام الأمور. وأوضح أن حتى القيادات التي كانت تصنف في الصف الثاني أو الثالث قد لقيت حتفها، مما عقد حسابات 'البديل الجاهز'.

من جانبها، عملت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على محاولات اختراق صفوف الحرس الثوري الإيراني لجمع معلومات حيوية. ورغم التغلغل الاستخباراتي، إلا أن الإدارة لا تزال غير متأكدة من هوية الجهة القادرة فعلياً على السيطرة على الأرض والتعاون مع المجتمع الدولي.

ويصف مراقبون في واشنطن التفكير الداخلي لفريق الأمن القومي تجاه الأزمة الإيرانية بأنه 'مشتت للغاية'. فبينما يطمح ترامب لتكرار سيناريو فنزويلا الذي أدى لترتيبات سياسية سريعة، تصطدم هذه الرغبة بطبيعة الدولة الدينية الراسخة في طهران منذ عقود.

وتختلف البنية المؤسسية في إيران جذرياً عن الأنظمة الاستبدادية التقليدية، حيث يعتمد النظام على تداخل معقد بين السلطات الدينية والعسكرية والمنتخبة. هذا التعقيد صُمم خصيصاً لضمان استمرارية المؤسسات حتى في حال غياب الرؤوس القيادية الكبرى، مما يصعب مهمة الإطاحة بالنظام من الخارج.

وفي محاولة لتبرير العمليات العسكرية، ادعى مساعدو ترامب أن الصواريخ الإيرانية كانت تشكل تهديداً وشيكاً ومباشراً للأراضي الأمريكية. ومع ذلك، لا تزال هذه الادعاءات تثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية لعدم استنادها إلى أدلة قطعية معلنة أمام الرأي العام.

وحدد البيت الأبيض مجموعة من الأهداف العسكرية الصارمة، تشمل تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية بالكامل وتحييد القوة البحرية. كما تسعى واشنطن لضمان تجريد طهران من أي قدرات نووية مستقبلية وقطع خطوط الإمداد عن الجماعات المتحالفة معها في المنطقة.

وحذر خبراء استراتيجيون، من بينهم مستشارون سابقون، من أن انهيار النظام الإيراني دون بديل قد يغرق المنطقة في فوضى عارمة. وأكدوا أن تغيير النظام من الجو دون وجود قوات برية أو حلفاء محليين أقوياء هو رهان محفوف بالمخاطر وغير مضمون النتائج.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، اعترف وزير الخارجية ماركو روبيو بصعوبة الوضع، مشيراً إلى أن الانتقال السياسي في إيران سيكون أكثر تعقيداً من أي تجربة سابقة. وأوضح أن الإدارة تبحث عن مسارات تضمن الاستقرار وتمنع تحول البلاد إلى ساحة للصراعات الأهلية المسلحة.

داخلياً، أظهرت استطلاعات الرأي معارضة شعبية أمريكية واسعة للعملية العسكرية، حيث عبرت أغلبية المشاركين عن قلقهم من غياب الخطة. ويرى 60% من الأمريكيين أن الرئيس لا يملك رؤية واضحة لكيفية إنهاء الصراع أو التعامل مع تداعياته الطويلة الأمد.

وينتظر حلفاء الولايات المتحدة في الخارج توضيحات أكثر دقة حول الأهداف النهائية للعملية العسكرية المستمرة. وأفادت مصادر دبلوماسية بأن واشنطن لم تطلع شركاءها بعد على خطة شاملة لإعادة الاستقرار للمنطقة بعد انتهاء العمليات القتالية الكبرى.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الإدارة الأمريكية بدأت في تقليص سقف طموحاتها من 'تغيير النظام' إلى 'تقليص القدرات'. ويشير هذا التحول إلى إدراك متأخر لصعوبة تفكيك بنية الدولة الإيرانية وتحويلها إلى نموذج سياسي يتوافق مع الرؤية الأمريكية في الوقت الراهن.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الإطفائي.. مُشعل الحرائق!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

لا يتوقف عن قول الشيء ونقيضه، ولا عن تضخيم خسائر أعدائه، والتلسين الدائم على خصومه الذين أبرموا مع إيران اتفاقاً كاد يوصلها إلى صناعة "١١" قنبلة نووية خلال أيام، كما جاء على لسان "ويتكوف" في تبريره لاستعجال الحرب.
قال وصدّقه الأمريكيون؛ حين أعلن تدمير المفاعل النووي الإيراني في ضربته المباغتة في "حرب الأيام الاثني عشر"، لنكتشف بعد ثمانية أشهر نقيض ما قال، ولكنه يراهن دوماً على الذاكرة السمكية لجمهوره، الذي بات يضيق ذرعا بتقلباته وأكاذيبه.
اليوم يدّعي القضاء على الصواريخ الباليستية وسلاح البحرية، ومع ذلك يواصل ضرباته، ويَعد بالمزيد، ضارباً مواعيد لخط النهاية تتأرجح بين أسبوعٍ وخمسة، وربما أقل أو أكثر!
"هي ليست حربكم"، قالها لـ"ويتكوف" وزير الخارجية العماني "بدر البوسعيدي" الوسيط الحريص، في نقدٍ لاذعٍ يستبطن حقيقة أنّ واشنطن غلّبت مصالح إسرائيل على مصالحها، وانجرت في "حرب توريط" أطلق نتنياهو رصاصتها الأولى، ليجاريه ترمب في جنونه عِوض كبح جماحه وفرملة اندفاعه، الذي يتكئ على عقيدةٍ توراتيةٍ تستبد بها شهوة التوسع في "الخرائط السائلة".
هي حرب إسرائيل إذن، وفق ما كشفه الصحفي الأمريكي "تاكر كارلسون" عن ضبط عناصر من "الموساد" في الدوحة والرياض، حاولوا القيام بتفجيراتٍ في دول الخليج لإلصاقها بإيران لإذكاء النيران.  
الإطفائي الطامح لنوبل يُشعل الحرائق ليطفئها، حتى يراكم إنجازاته، ويضاعف من حسناته، ويبلغ استحقاق الحصول على الجائزة التي يهجس بها في حله وترحاله، في نومه وفي يقظته، فتراه لا يتوقف عن ملء أوداجه بالبنزين، لينفث بها على أعواد الثقاب التي يعبث بها فوق حقول الغاز، ويمضي إلى هوايته بإطفاء النار بالبنزين.
تُحسن صنعاً لجنة نوبل، إنْ هي منحته الجائزة قبل موعد استحقاقها، مكتفيةً بما "أطفأه" حتى الآن من نيرانٍ وما "حققه من سلام".!

فلسطين

الأربعاء 04 مارس 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف اتخذ ترمب قرار شن الحرب على إيران؟

- "نيويورك تايمز": لم يكن مفاجئاً بل جاء نتيجة مشاورات سرية وتخطيط عسكري وضغوط سياسية

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- بحسب تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" نشر الإثنين، فإن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شن حرب ضد إيران لم يكن خطوة مفاجئة، بل جاء نتيجة مسار طويل من المشاورات السرية والتخطيط العسكري والضغوط السياسية، خاصة من جانب القيادة الإسرائيلية، إلى جانب تراجع الثقة داخل الإدارة الأمريكية بإمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي مع طهران.
يشير التقرير إلى أن نقطة التحول الأساسية جاءت خلال اجتماع مطول في البيت الأبيض في 11 شباط، حيث ناقش ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو احتمالات الحرب والتوقيت المحتمل لأي هجوم. في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تجري مفاوضات غير مباشرة مع إيران بشأن برنامجها النووي، إلا أن إسرائيل كانت تخشى أن تؤدي هذه الجهود الدبلوماسية إلى تعطيل الخطط العسكرية التي كانت تُناقش سراً بين الجانبين.
بعد أيام من اللقاء، بدأ ترمب يعبر علناً عن تشككه في جدوى التفاوض مع إيران، معتبراً أن سنوات الحوار السابقة لم تحقق نتائج. كما لمح إلى أن تغيير النظام الإيراني قد يكون الخيار الأفضل. وبعد نحو أسبوعين فقط، أذن بعملية عسكرية واسعة بالتنسيق مع إسرائيل، شملت ضربات مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ونووية ومراكز داخل البلاد، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني ودخول البلاد في حالة من الفوضى، إضافة إلى اندلاع موجة عنف إقليمي أدت إلى سقوط قتلى أمريكيين وإيرانيين.
ورغم أن الخطاب العلني للرئيس الأمريكي بدا متردداً بين السعي لاتفاق دبلوماسي والتلويح بالقوة العسكرية، فإن التقرير يؤكد أن التحرك نحو الحرب كان يتقدم بثبات خلف الكواليس. فقد لعبت إسرائيل دوراً محورياً في دفع واشنطن نحو توجيه ضربة حاسمة، مستندة إلى تقييم مفاده أن النظام الإيراني أصبح في وضع ضعيف. كما تأثر ترمب بثقته المتزايدة بعد عملية أمريكية ناجحة أطاحت بالقيادة في فنزويلا قبل ذلك بأسابيع.
ويشير التقرير إلى أن المعارضة داخل الدائرة المقربة من الرئيس كانت محدودة للغاية. حتى شخصيات معروفة سابقاً بتحفظها تجاه التدخلات العسكرية دعمت فكرة توجيه ضربة واسعة وسريعة إذا تقرر الهجوم. في المقابل، حذر قادة عسكريون من مخاطر كبيرة، من بينها احتمال سقوط خسائر أمريكية كبيرة وزعزعة استقرار المنطقة واستنزاف المخزون العسكري الأمريكي. إلا أن هذه التحذيرات لم تنعكس بالكامل في التصريحات العلنية، حيث جرى تصوير العملية على أنها قابلة للحسم بسهولة.
كما يوضح التقرير أن المسؤولين الأمريكيين لم يكشفوا بشكل كامل لأعضاء الكونغرس أن خيار تغيير النظام كان مطروحاً ضمن الخطط العسكرية، رغم عقد جلسات إحاطة أمنية لمناقشة التهديدات الإيرانية وتوقيت الضربات المحتملة.
في الوقت نفسه، استمرت المفاوضات النووية مع إيران، لكن التقرير يرى أنها وفرت عملياً غطاء زمنياً لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ففي بداية العام، لم تكن القوات الأمريكية جاهزة لحرب طويلة، إذ لم تكن حاملات طائرات موجودة في المنطقة وكانت الدفاعات الجوية محدودة. ومع مرور الأسابيع، أُرسلت حاملتا طائرات وعدد كبير من الطائرات المقاتلة والقاذفات وأنظمة الدفاع، ما أتاح تنفيذ حملة عسكرية ممتدة.
خلال المفاوضات، أصرت واشنطن على مطلب "صفر تخصيب"، أي إنهاء قدرة إيران على إنتاج الوقود النووي بالكامل، وهو شرط رفضته طهران باستمرار. ومع تزايد الشكوك داخل الإدارة الأمريكية، بدأت التصريحات الرسمية تعكس قناعة متنامية بأن التوصل إلى اتفاق شبه مستحيل بسبب طبيعة النظام الإيراني الأيديولوجية.
داخل اجتماعات مجلس الأمن القومي، تركز النقاش على حجم العملية العسكرية وليس على مبدأ تنفيذها. عُرضت خيارات متعددة، بدءاً من ضربات محدودة تهدف إلى الضغط التفاوضي، وصولاً إلى حملة واسعة تستهدف إسقاط القيادة الإيرانية. وقدمت أجهزة الاستخبارات سيناريوهات مختلفة لما قد يحدث في حال مقتل المرشد الأعلى، من بينها احتمال صعود قيادة أكثر تشدداً، أو اندلاع اضطرابات داخلية، أو وصول جناح أكثر براغماتية من الحرس الثوري إلى السلطة.
بعض المسؤولين تبنوا السيناريو الأخير، معتبرين أن قيادة عسكرية براغماتية قد تكون أكثر استعداداً للتفاهم مع الولايات المتحدة والتخلي عن البرنامج النووي أو تقليص المواجهة الإقليمية، رغم أن هذه التوقعات بقيت غير مؤكدة.
المعارضة البارزة الوحيدة تقريباً جاءت من الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي حذر من مخاطر الحرب على القوات الأمريكية وأسعار الطاقة والعلاقات مع الحلفاء العرب، معتبراً أن واشنطن قد تنجر إلى الصراع بسبب أولويات إسرائيل الأمنية. إلا أن ترمب أبلغه بأنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستتورط في القتال على أي حال إذا بدأت إسرائيل الهجوم بمفردها.
على الصعيد السياسي الداخلي، لم تسع الإدارة للحصول على تفويض واضح من الكونغرس قبل بدء العمليات، ما أثار انتقادات من بعض المشرعين الذين رأوا أن المنطق المستخدم لتبرير الحرب دائري، إذ اعتُبر أن الحشد العسكري نفسه قد يدفع إيران للرد، وبالتالي يصبح الهجوم الأمريكي أمراً حتمياً.
وعُقدت جولة أخيرة من المفاوضات في جنيف قبل أيام من الضربة، حيث قدمت إيران مقترحاً يسمح باستمرار مستويات معينة من التخصيب، وهو ما رفضه المفاوضون الأمريكيون. وبعد انتهاء المحادثات، أبلغ الفريق التفاوضي الرئيس بأن فرص التوصل إلى اتفاق باتت ضئيلة للغاية. وفي تلك الأثناء، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تناقشان بالفعل توقيت الهجوم، إلى أن أدى اختراق استخباراتي إلى تحديد اجتماع لقيادة إيرانية عليا في طهران، فتم اتخاذ قرار تنفيذ ضربة استهدفت القيادة مباشرة، لتبدأ الحرب فعلياً.
تشير مجريات الأحداث، كما يعرضها التقرير، إلى أن المسار الدبلوماسي لم يكن بالضرورة محاولة حقيقية لتجنب الحرب، بل ربما شكّل أداة سياسية لإدارة التوقيت العسكري. فاستمرار المفاوضات تزامن مع أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ سنوات، ما يعزز الانطباع بأن الحوار كان يوفر غطاءً زمنياً لإكمال الاستعدادات العملياتية أكثر مما كان مساراً قابلاً للنجاح. فالمطالب الأمريكية، خصوصاً شرط "صفر تخصيب"، كانت معروفة مسبقاً بأنها غير مقبولة إيرانياً، الأمر الذي جعل الوصول إلى اتفاق شبه مستحيل منذ البداية.
وفي السياق ذاته، يكتسب الإعلان عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، التي كان مقرراً أن تتم يوم الاثنين 3 آذار، دلالة سياسية إضافية. فقد بدا الإعلان عن الزيارة وكأنه استمرار للواجهة الدبلوماسية وإشارة إلى انخراط سياسي طبيعي، في وقت كانت فيه القرارات العسكرية قد حُسمت عملياً. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية المتأخرة باعتبارها جزءاً من إدارة المشهد الدولي وتهيئة الرأي العام، لا باعتبارها محاولة أخيرة واقعية لمنع التصعيد، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً في الأزمات الدولية حيث تُستخدم القنوات التفاوضية أحياناً لتأمين الشرعية السياسية قبل الانتقال إلى شن الحرب.



فلسطين

الأربعاء 04 مارس 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

الضفة بين تحولات الإقليم وتحديات الداخل: كيف يمكن تحويل اللحظة الراهنة إلى فرصة سياسية واقتصادية؟



رام الله- وصال أبو عليا-
في ظلّ التصعيد العسكري المستمر والتغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط، تقف الضفة الغربية أمام مفترق طرق حاسم. فبين ضغوط الواقع الميداني، وتعقيدات المشهد السياسي الإقليمي، وتحديات الاقتصاد الفلسطيني، تتزايد الحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز حالة الانتظار إلى الفعل. لم يعد السؤال يدور حول ما يحدث، بل حول كيف يمكن للمواطنين -خاصة في الضفة الغربية- استثمار التحولات الجارية لصالح قضيتهم الوطنية وتعزيز صمودهم على الأرض.

التماسك الداخلي كشرط للتحول السياسي
يرى مدير مركز ثبات للبحوث والدراسات جهاد حرب أنّ التحول من حالة "المتلقي" إلى "الفاعل" إقليمياً لا يمكن أن يتحقق دون تغييرات جوهرية على المستوى الفلسطيني الداخلي. ويؤكد أنّ الأولوية تكمن في بناء حالة من التماسك الوطني ضمن استراتيجية نضالية واضحة، تقوم على تفعيل المقاومة الشعبية لحماية المواطنين وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسات الاحتلال.
ويضيف حرب أنّ غياب هذه الرؤية الموحدة يُبقي الفلسطينيين في موقع رد الفعل، في وقت تتطلب فيه المرحلة قدرة على المبادرة. كما يشدد على أنّ أي تقدم سياسي يظل مرهوناً أيضاً بتغيرات في المشهد الإسرائيلي، ولو في حدها الأدنى، بما يسمح بفتح نافذة لمسار سياسي مستقبلي.

مساران سياسيان متوازيان.. والضفة أمام اختبار الاختيار

يشير حرب إلى أنّ الفلسطينيين يواجهون مسارين رئيسيين، الأول: تقوده السعودية وفرنسا، ويستند إلى القانون الدولي وخيار حل الدولتين، مع انخراط فلسطيني رسمي فيه. والثاني تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل، ويهدف إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفق مقاربات بديلة لا تجعل حل الدولتين خياراً حتمياً.
في هذا السياق، تبدو الضفة الغربية مطالبة بعدم الاكتفاء بالانخراط الحذر، بل بالضغط باتجاه شراكة حقيقية مع الأطراف الداعمة للحقوق الفلسطينية، خصوصاً الدول العربية. فالمرحلة الحالية، بما تحمله من إعادة تشكيل للتحالفات، تتيح هامشاً يمكن استثماره سياسياً—إن توفرت الإرادة، وفقا لحرب.

من الانتظار إلى المبادرة الإقليمية

وفي ضوء التحولات الإقليمية، يؤكد القيادي تيسير نصر الله أن المرحلة تتطلب نداءً واضحاً للضفة الغربية، مشدداً على أنّ التفاعل مع المتغيرات لم يعد كافياً، بل ينبغي السعي لصياغتها.
ويشير إلى أهمية انخراط القيادة الفلسطينية في شراكات سياسية واقتصادية مع الدول العربية الداعمة، والمطالبة بدور فاعل في أي ترتيبات إقليمية قادمة، إلى جانب توحيد الجهد الدبلوماسي لضمان حضور فلسطيني مؤثر في معادلات الشرق الأوسط الجديدة.

الدبلوماسية الفلسطينية ومحاولة إعادة تموضع القضية
يؤكد نصر الله أنّ القيادة الفلسطينية تعمل على استثمار علاقاتها الإقليمية والدولية لإعادة وضع القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام، في ظل محاولات إسرائيل تهميشها عبر الحروب والتصعيد.
ويشير إلى أنّ التحركات الفلسطينية تشمل: تفعيل القنوات الدبلوماسية مع الدول العربية والإقليمية، وإعادة التأكيد على القرارات الدولية كمرجعية للحل، وكذلك الضغط على الإدارة الأمريكية للتأثير على السياسات الإسرائيلية.
كما يرى نصر الله أنّ ما يجري في المنطقة يمكن تحويله إلى فرصة، عبر توظيف الرأي العام العالمي المتزايد تعاطفاً مع القضية الفلسطينية، والتأكيد على أنّ غياب العدالة في قضية فلسطين هو أحد أسباب عدم الاستقرار الإقليمي.

الاقتصاد كرافعة للصمود.. لا كملف ثانوي
بدوره، يوضح المحلل الاقتصادي د. هيثم دراغمة أنّ أي حديث عن صمود فلسطيني دون تمكين اقتصادي هو حديث ناقص. ويؤكد أنّ الاستثمارات العربية المشتركة تمثل فرصة حقيقية لدعم الاقتصاد الفلسطيني، عبر: خلق فرص عمل وتقليل نسب البطالة والفقر، وتوفير بيئة استثمارية أكثر أماناً مقارنة بالاستثمارات الفردية، ناهيك عن الحد النسبي من استهداف الاقتصاد الفلسطيني من قبل الاحتلال.
ويحذر د. دراغمة من أنّ تقليص التبعية الاقتصادية لإسرائيل لا يزال صعباً في ظل غياب السيطرة على المعابر والموانئ، واستمرار القيود المفروضة على الحركة والتجارة، إضافة إلى أزمة أموال المقاصة.
ويرى أنّ بناء شبكات تعاون اقتصادي إقليمي ممكن، لكنّه يتطلب: إرادة سياسية فلسطينية حقيقية، وتحركاً دبلوماسياً أكثر فاعلية، وكذلك مواجهة العراقيل الإسرائيلية المتوقعة.

العدالة المجتمعية والاقتصادية.. شرط للصمود الحقيقي
في خضم هذه التحديات، وفقا لما قاله د. دراغمة تبرز ضرورة التشديد على العدالة المجتمعية والاقتصادية داخل الضفة الغربية. فالصمود لا يتحقق فقط عبر الشعارات السياسية، بل من خلال: توزيع عادل للموارد والفرص، ومكافحة التهميش داخل المجتمع الفلسطيني، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في المناطق المهددة مثل الأغوار.
ويحذر د. دراغمة من أنّ إهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية سنوية كبيرة، ويضعف القدرة على الحفاظ على الوجود الفلسطيني في المناطق الحيوية.

بين المسار الدولي وإعادة بناء الداخل
تتقاطع آراء المتحدثين د. دراغمة، وحرب، ونصر  الله عند أهمية الجمع بين المسار الدولي (الأمم المتحدة والمحاكم الدولية)، وتعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية، والانفتاح على المجتمع الإسرائيلي لدعم التيارات المؤيدة للسلام.
فالتغيير السياسي لا يمكن أن يتحقق دون بيئة داخلية متماسكة، ولا دون استثمار كل المسارات المتاحة—السياسية، الاقتصادية، والقانونية.
في لحظة إقليمية تعاد فيها صياغة موازين القوى، لا تملك الضفة الغربية رفاهية الانتظار. التحولات الجارية قد تحمل مخاطر كبيرة، لكنّها في الوقت ذاته تفتح نافذة نادرة لإعادة تموضع القضية الفلسطينية.
الرهان الحقيقي اليوم يكمن في الانتقال من رد الفعل إلى الفعل: من الترقب إلى المبادرة، ومن التشتت إلى التماسك، ومن التبعية إلى الشراكة.
إنّ استثمار هذه اللحظة يتطلب إرادة سياسية موحدة، وانخراطاً إقليمياً فاعلاً، وعدالة داخلية تعزز صمود الإنسان الفلسطيني-باعتباره حجر الأساس في أيّ مشروع تحرري قادم.


أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

دور الإعلام الوطني في أوقات الحروب


للإعلام دورٌ محوري في مختلف الأزمنة والظروف، غير أنّ أهميته تتضاعف في لحظات الأزمات وأوقات الحروب، حين تصبح الكلمة مسؤولية، والصورة موقفاً، والخبر أداة قد تبني الوعي أو تهدمه. ففي تلك اللحظات الحساسة لا يعود الإعلام مجرد ناقلٍ للأحداث، بل يتحول إلى خط دفاعٍ معنوي يحمي المجتمع من الارتباك، ويحفظ تماسكه أمام العواصف السياسية والأمنية والنفسية التي ترافق الحروب.
وهنا تبرز أهمية التزام الإعلام الوطني بأخلاقيات مهنة الإعلام، المتمثلة في نقل الحقيقة بموضوعية ومهنية دون تهويل أو تضليل، ودون الوقوع في فخ الإثارة التي قد تُربك الرأي العام أو تزرع الخوف في النفوس. فالمهنية الإعلامية الحقيقية تقوم على التحقق من المعلومات، والدقة في صياغتها، والوعي بتأثيرها المباشر في المجتمع، خاصة في زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة تفوق قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
كما يكتسب التنسيق مع الجهات الرسمية والتعاون معها أهمية خاصة، ليس بوصفه تقييداً لحرية الإعلام، بل باعتباره شراكة وطنية تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية وتعزيز استقرارها. فالإعلام الوطني المسؤول يسهم في المحافظة على تماسك المجتمع، ويحارب الإشاعة المنظمة التي تستهدف إضعاف الروح الوطنية وبث الإحباط، ويعمل في الوقت ذاته على رفع المعنويات وتعزيز الثقة بالمجتمع ومؤسساته.
ومن أخطر التحديات التي تواجه الإعلام في أوقات الحروب منع التساوق مع الخطابات التي تؤدي إلى الانهيار الداخلي أو تثبيط المعنويات، سواء جاءت هذه الخطابات عبر منصات إعلامية معادية أو عبر محتوى رقمي غير مسؤول. فالكلمة غير المدروسة قد تتحول إلى أداة هدم نفسي واجتماعي، بينما الكلمة الواعية قادرة على صناعة الأمل وتعزيز الصمود.
ويتجلى دور الإعلام الوطني أيضاً في تبني المواقف الموحدة التي تعكس المصلحة العامة، دون الإضرار بجوهر العمل الإعلامي القائم على الصحافة الصادقة وحرية الرأي المنضبطة. فحرية التعبير لا تتناقض مع المسؤولية الوطنية، بل تكتمل بها، إذ إن الإعلام الحر هو الذي يمارس نقده بوعي، ويوازن بين حق المعرفة ومتطلبات الأمن المجتمعي.
وفي ظل العصر الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاعف المسؤوليات الملقاة على عاتق الإعلام الوطني. فقد أصبح كل فرد قادراً على إنتاج المحتوى ونشره، مما جعل ساحة المعلومات مفتوحة أمام الأخبار الزائفة وحروب الوعي والتلاعب بالرأي العام. وهنا يظهر الدور الريادي للإعلام الوطني في التحقق، والتفسير، وتقديم الرواية المهنية الموثوقة التي تحصّن المجتمع من التضليل الرقمي.
إن وقفة الإعلام الوطني في مواجهة كل ما يهدد السلم الأهلي والمجتمعي تمثل اليوم ضرورة وطنية وأخلاقية، فهو الحارس الأمين للوعي الجمعي، والجسر الذي يربط المواطن بالحقيقة، والصوت الذي يحافظ على التوازن بين نقل الواقع وحماية المجتمع من الانقسام. فالإعلام في أوقات الحروب ليس مجرد مهنة، بل رسالة وطنية وإنسانية، تُقاس قيمتها بقدرتها على حماية الإنسان وصون الحقيقة وتعزيز الأمل رغم قسوة الظروف.
وفي الختام، يبقى الإعلام الوطني الواعي أحد أعمدة الصمود، إذ بالكلمة المسؤولة تُبنى الثقة، وبالحقيقة تُهزم الشائعة، وبالوعي ينتصر المجتمع حتى في أصعب اللحظات.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح التعلّم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب



في الأزمنة العادية يكون التعليم طريقاً نحو المستقبل، أمّا في زمن الحرب فيغدو جسراً للنجاة النفسية، وخيطاً رفيعاً يصل الحاضر الممزّق بغدٍ لم ينكسر بعد. في فلسطين، حيث يعيش الأطفال تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار، لم يعد التعليم ترفاً معرفياً، بل أصبح ضرورة إنسانية عاجلة؛ ضرورة تحمي العقل من التشظي، والقلب من الغرق في القلق.

الحرب وسلب الإيقاع اليومي للطفل

يعيش الطفل الفلسطيني اليوم حالة استثنائية تختلط فيها أصوات القصف بأصوات الأخبار، وتغيب فيها تفاصيل الحياة اليومية التي تمنحه الإحساس بالأمان. المدرسة، في وعي الطفل، ليست جدراناً وسبورة فحسب؛ إنها مساحة للانتماء، وملاذ اجتماعي، وروتين يومي يمنح حياته معنى وانتظاماً. وعندما تُغلق أبوابها، لا يفقد الطفل درس الرياضيات أو اللغة فقط، بل يفقد جزءاً من توازنه النفسي.
التعرض المستمر للأخبار والصور الصادمة يرهق جهازه العصبي الهش، فتزداد مشاعر القلق، وتتفاقم اضطرابات النوم، ويضعف التركيز، وتظهر سلوكيات انسحابية أو نوبات غضب غير مبررة. في مثل هذا السياق، يصبح التعليم عن بُعد أكثر من بديل تقني؛ إنه تدخل تربوي نفسي يحمي ما تبقى من استقرار الطفل الداخلي.

التعليم عن بُعد: من خيار تقني إلى أداة دعم نفسي

في ظروف الطوارئ، يتحول التعليم الإلكتروني من رفاهية رقمية إلى ضرورة وجودية. فهو يعيد للطفل شعوراً بأن الحياة لم تتوقف، وأن مستقبله ما زال قائماً، وأن هناك نظاماً يومياً يمكن الاعتماد عليه مهما اختلت بقية الأنظمة.
الاستمرارية التعليمية تعني للطفل رسالة صامتة تقول: الحياة أقوى من الظروف.
فعندما يفتح حاسوبه في ساعة محددة، ويلتقي معلمه وزملاءه، ولو عبر شاشة، يستعيد شيئاً من إيقاعه اليومي. هذا الروتين البسيط يعيد تنظيم فوضى المشاعر، ويملأ الفراغ الذهني الذي قد يتحول إلى مساحة خصبة للخوف والتخيلات المقلقة.
-التعليم هنا يؤدي أدواراً متعددة:
-يعيد الإحساس بالاستقرار.
-يقلل مساحة التفكير القهري في الأحداث.
-يُبقي الطفل متصلاً بعالم أوسع من دائرة الحرب.
-يعزز الأمل بأن الغد ما زال يُكتب.


كيف نحول التعليم عن بُعد إلى مساحة تعافٍ؟

لكي يؤدي التعليم دوره العلاجي، لا بد أن يتحرر من منطق الضغط والإنجاز الكمي. ففي زمن الحرب، لا نحتاج إلى سباق مناهج، بل إلى احتضان إنساني.

أولاً: تعليم مرن لا ضاغط
التركيز ينبغي أن يكون على المهارات الأساسية، لا على تراكم المعلومات. تقليل الواجبات الثقيلة، واعتماد دروس قصيرة واضحة، يمنح الطفل فرصة للتعلم دون إنهاك.

ثانياً: تعلم تفاعلي داعم نفسياً
الحصة الافتراضية يجب أن تكون مساحة حوار، لا منصة تلقين. يمكن توظيف القصة، والرسم، والألعاب التعليمية، والسماح للأطفال بالتعبير عن مشاعرهم. أحياناً يكون سؤال بسيط في بداية الحصة: كيف تشعر اليوم؟ أقوى أثراً من أي شرح مطوّل.

ثالثاً : بيئة منزلية آمنة للتعلم
زاوية هادئة، وقت ثابت، وكلمات تشجيع بدل عبارات توبيخ. الطفل في الأزمات يحتاج إلى طمأنينة أكثر من حاجته إلى درجات مرتفعة.

حماية الطفل من طوفان الأخبار

في عصر الشاشات، يتعرض الأطفال لكمّ من الأخبار يفوق قدرتهم النفسية على الاحتمال. وهنا يمكن للتعليم أن يؤدي دور "الحاجز الواقي" الذي ينظم وقت الطفل ويحوّل انتباهه من الخوف إلى الإنجاز.
من المهم أن يتبنى الأهل ممارسات بسيطة لكنها عميقة الأثر:
-عدم تشغيل نشرات الأخبار بشكل دائم أمام الأطفال.
-الإجابة عن أسئلتهم بصدق دون تفاصيل مرعبة.
-استبدال المتابعة المستمرة للأحداث بأنشطة تعليمية أو إبداعية.
-تخصيص ساعات "خالية من الأخبار"داخل المنزل.
-عقل الطفل عندما ينشغل بالتعلم، يقل انشغاله بالخوف. فالانتباه طاقة محدودة؛ إن لم نوجهها نحو البناء، فستتجه تلقائياً نحو القلق.

المعلم.. صانع الطمأنينة

في التعليم عن بُعد خلال الأزمات، يؤدي المعلم دوراً مضاعفاً. هو ليس ناقل معرفة فحسب، بل داعم نفسي، ومصدر استقرار، ونموذج للصمود.
كلمة تشجيع صادقة، وتقبل ضعف التركيز، وإتاحة مساحة للحديث، كلها ممارسات تصنع فارقاً عميقاً في وجدان الطفل.
المعلم الذي يبدأ حصته بالاطمئنان على مشاعر طلبته، ويراعي ظروفهم، ويرسل رسائل أمل غير مباشرة، يزرع فيهم ما هو أبقى من المعلومات: يزرع الثقة بقدرتهم على تجاوز المحن.

الأسرة.. الشريك الحاسم

نجاح التعليم عن بُعد في زمن الحرب يعتمد على الأسرة بقدر اعتماده على المدرسة. فالبيت هو الحاضنة الأولى، والمناخ العاطفي داخله ينعكس مباشرة على قدرة الطفل على التعلم.
الأهل مدعوون إلى:
-تجنب تحويل الدراسة إلى ساحة صراع يومي.
-دعم الطفل عاطفياً قبل مطالبته بالإنجاز الأكاديمي.
-تنظيم الوقت بين التعلم واللعب والراحة.
-ملاحظة أي تغيرات نفسية تحتاج إلى احتواء.
فالطفل في الأزمات يتعلم من مشاعر أهله أكثر مما يتعلم من الكتب. إذا رأى الطمأنينة في أعينهم، استعاد شيئاً من أمانه الداخلي.

التحديات.. وإرادة التجاوز

لا يمكن إغفال التحديات الواقعية في فلسطين: انقطاع الكهرباء، ضعف الإنترنت، محدودية الأجهزة، والإرهاق الرقمي. غير أن الحلول ممكنة وإن كانت جزئية: تسجيل الدروس بدل الاعتماد الكامل على البث المباشر، استخدام أنشطة غير رقمية داعمة، واعتماد التعلم المرن وفق ظروف كل أسرة.
المطلوب ليس نموذجاً مثالياً، بل نموذجاً إنسانياً مرناً يحافظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.

التعليم لبناء الصمود

في النهاية، التعليم في زمن الحرب ليس مجرد تحصيل دراسي؛ إنه تدريب عملي على الصمود. يمكن استثماره لتعزيز الأمل، وتنمية مهارات التكيف، وتعليم الأطفال التعبير عن مشاعرهم، وبناء الثقة بقدرتهم على تجاوز الأزمات.
هنا يتحول التعليم من استعداد لامتحان إلى استعداد للحياة.
في أوقات الحرب نحاول حماية أطفالنا من الخوف، لكن التعليم يمنحهم شيئاً أعمق؛ يمنحهم شعوراً بأن الغد ما زال ممكناً. كل درس يتعلمه الطفل اليوم هو حجر صغير في بناء مستقبله، ورسالة صمود تقول إن الحياة، مهما اشتدّت العواصف، قادرة على أن تستمر… وأن تُعلِّم.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس

لا تسمحوا للحرب أن تبتلع القدس والضفة


في ظلّ هذا التصاعد المجنون للحرب في المنطقة، وبعد كلّ ما شهده شعبنا الفلسطيني من حرب إبادة وتجويع وتهجير، لا سيّما في قطاع غزة، وما طال عموم فلسطين من عدوانٍ مفتوح، تبدو اللحظة الراهنة أخطر من أن تُقرأ باعتبارها مجرّد فصلٍ آخر في مسلسل الدم. إنّها لحظة مفصلية يُراد لها أن تكون ستارًا كثيفًا لاستكمال مشروعٍ أوسع، يتجاوز غزة إلى القدس والضفة الغربية، عبر فرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أنّ الحروب الكبرى لا تُدار عسكريًا فحسب، بل تُستثمر سياسيًا إلى أبعد الحدود. وفي كلّ مرة ينشغل فيها العالم بألسنة النار، تتسارع خطوات التهويد، وتتضاعف وتيرة الاستيطان، ويُعاد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا على نحوٍ يخدم مشروع الضمّ الزاحف. ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن هذا السياق: إنهاك المجتمع الفلسطيني، إضعاف بناه الاقتصادية، تعميق العزلة بين مدنه وقراه، وتحويل التجمعات السكانية إلى جزرٍ مفككة يسهل التحكم بها أمنيًا.
تفويت الفرصة على الاحتلال في هذه اللحظة لا يكون بالاكتفاء بالإدانة أو الانتظار، بل بإدراك طبيعة المرحلة وخطورتها. فالخطر لا يكمن في الدمار المباشر وحده، بل في محاولة تكريس نتائج القوة كحقائق سياسية دائمة. ومن هنا، فإن حماية القدس والضفة الغربية تبدأ بتحصين الجبهة الداخلية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المشروع الوطني على قاعدة الشراكة الكاملة. لقد كان الانقسام، ولا يزال، الثغرة الأخطر التي ينفذ منها المشروع الاستيطاني لتكريس وقائعه.
القدس ليست مجرد رمزٍ روحي أو عنوانٍ وجداني؛ إنّها جوهر الصراع ومركزه. وأيّ تغيير قانوني أو ديموغرافي فيها يُراد له أن يُحسم كأمرٍ واقع. وكذلك الضفة الغربية، التي تتعرض لتقطيعٍ منهجي عبر التوسع الاستيطاني، وشبكات الطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية التي تخنق الحركة والحياة. إن استمرار هذا المسار يعني عمليًا تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وتحويل الكيان المنشود إلى كانتونات متناثرة بلا أفق سياسي حقيقي.
على المستوى العربي والإقليمي، تفرض هذه التطورات مسؤولية مضاعفة. فالتصعيد العسكري الواسع قد يُستخدم لإعادة ترتيب أولويات المنطقة، لكنّ القضية الفلسطينية يجب ألّا تتحول إلى بندٍ هامشي في صفقات النفوذ أو أوراق المقايضة. المطلوب موقفٌ واضح يربط أيّ ترتيبات إقليمية بوقف العدوان، ووقف الاستيطان، وضمان حماية المدنيين، والالتزام الجاد بقرارات الشرعية الدولية.
أما دوليًا، فإن استمرار الاكتفاء ببيانات القلق يُكرّس منطق الإفلات من العقاب. القانون الدولي الإنساني ليس خيارًا سياسيًا انتقائيًا، بل منظومة مُلزِمة. وأيّ تهاون في تطبيقه لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب مصداقية النظام الدولي برمّته، ويفتح الباب أمام شريعة الغاب في إدارة النزاعات.
تفويت الفرصة على الاحتلال يمرّ أيضًا عبر تعزيز صمود الناس على أرضهم. فالمعركة ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وجود وبقاء. دعم المقدسيين في مواجهة سياسات الطرد وسحب الهويات، حماية القرى المهددة بالمصادرة، وتمكين الاقتصاد المحلي في الضفة، كلّها أشكال مقاومة يومية تُفشل مخططات التفريغ والاقتلاع. فالأرض التي يحرسها أهلها تبقى عصيّة على المحو، مهما اشتدّ العدوان.
إنّ اللحظة الراهنة، بكلّ مآسيها، تتطلب انتقالًا من ردّ الفعل إلى الفعل المبادر: وحدة وطنية صلبة، رؤية سياسية واضحة، تحرك قانوني ودبلوماسي نشط، وحاضنة عربية جادّة لا تسمح بأن تُبتلع القدس والضفة في ظلال حربٍ مشتعلة. وحده هذا المسار كفيل بإغلاق النافذة التي يُراد فتحها لاستكمال مشروع الضمّ والتصفية.
قد يبدو المشهد قاتمًا، لكنّ التاريخ يُعلّمنا أنّ المشاريع القائمة على القوة وحدها، مهما طال أمدها، تبقى هشّة أمام إرادة الشعوب. وما دام الفلسطيني متجذرًا في أرضه، متمسكًا بحقوقه، فإنّ كلّ محاولة لفرض الأمر الواقع ستظلّ مؤقتة، مهما بدت في لحظتها مطلقة.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص: الإعلام الغربي وشريكه في الحرب على غزة


في التاسع من أكتوبر 2023، وقف السفير الفلسطيني لدى المملكة المتحدة، حسام زملط، أمام مذيعة "بي بي سي" كيرستي وارك، ليخبرها بأن ستة من أفراد عائلته قضوا في القصف الإسرائيلي على غزة. كان يتحدث عن ابنة عمه آية وطفليها وزوجها وحماتها واثنين من أقاربها، وعن توأم يبلغ من العمر سنتين يرقدان في العناية المركزة. فكان رد المذيعة: "آسفة لخسارتك الشخصية. لكن هل يمكنني أن أكون واضحة؟ لا يمكنك التغاضي عن قتل المدنيين في إسرائيل، أليس كذلك؟" .
هذه ليست مجرد زلة لسان عابرة في استوديو مزدحم. إنها لحظة تكشف عن قناع طالما أخفت وراءه وسائل الإعلام الغربية وجهها الحقيقي في تغطيتها للقضية الفلسطينية. إنها ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي عين العاصفة التي تفضح معياراً صناعياً راسخاً: تجريد الفلسطيني من إنسانياته، وتحويل مأساته إلى خبر عابر يُقرأ كما تُقرأ نشرة الطقس.
 
 
ازدراء الضحايا: عندما يصبح الموت الفلسطيني خبراً عادياً
 
"سماء غائمة، أمطار خفيفة، و3000 قتيل فلسطيني في الأيام العشرة الماضية" . بهذه العبارة الصادمة وصف الكاتب الفلسطيني تجربته مع الإعلام الغربي، حيث يتحول الموت الجماعي لشعب بأكمله إلى مجرد رقم يضاف إلى خانة الإحصائيات اليومية. وكما هو الحال مع الطقس، يبقى الإله وحده هو المسؤول، وليس المستوطنون المسلحون، ولا طائرات F-16 التي تمطر البيوت الآمنة بالصواريخ.
هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكم عقود من الخطاب المناهض للفلسطينيين، الذي تغذى جيداً عبر سنوات من الأسلمة السياسية والخوف الممنهج من "الآخر" الشرقي. لقد أصبح الصحفيون الغربيون يستدعون الفلسطينيين إلى استوديوهاتهم ليس للاستماع إلى تجاربهم أو تحليلاتهم، بل لمحاكمتهم في جلسات استجواب علنية، حيث يتم اختبار إجاباتهم مقابل تحيزات المشاهدين التي صيغت بعناية فائقة .
إنها مفارقة مذهلة: القنابل التي تنهمر على قطاع غزة المحاصر تصبح ثانوية، إن لم تكن غير ذات صلة على الإطلاق، أمام "محاكمات" الفلسطينيين المتلفزة. يصبح السؤال الأهم: كيف تجرؤون على الدفاع عن أنفسكم؟ ولماذا قُتلتم بهذه الطريقة التي لا ترقى إلى مستوى "المعايير الإنسانية" المطلوبة للتعاطف معكم؟
 
 
فبركة الادعاءات: أطفال مقطوعو الرأس و"الدولة الإسلامية" الجديدة
 
في الأيام الأولى للعدوان على غزة، اشتعلت وسائل الإعلام الغربية بخبر مذهل: مقاتلو حماس "يقطعون رؤوس الأطفال ويغتصبون النساء". نشرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية على صفحتها الأولى تقارير "يتعذّر التحقق منها" عن نساء وأطفال مقطوعي الرأس. وعلى شبكة "سي إن إن"، أكدت المذيعة سارة سيدنر، بعينين دامعتين، على الهواء مباشرة، استناداً إلى مصادر إسرائيلية رسمية، أنه "تم العثور على أطفال ورضّع مقطوعي الرأس" .
ولم تمض ساعات حتى تبين أن الخبر برمته كان أكذوبة كبرى. اعتذرت سيدنر لاحقاً على منصة "إكس" بأنها "تم تضليلها" بعد بيان إسرائيلي يعترف بعدم وجود معلومات تؤكد الادعاء. لكن الضرر كان قد وقع بالفعل. فالعناوين الرئيسية طُبعت في الأذهان، والكراهية تغلغلت في القلوب، والخطاب المعادي للفلسطينيين وجد مبرره الجديد .
هذه هي قواعد اللعبة المألوفة: يتم تعميم الادعاء دون دليل، ينشره الصحفيون الغربيون كالنار في الهشيم، يردده الدبلوماسيون والسياسيون، يُبنى السرد، ويصدقه العامة. وعندما يتبين زيف الادعاء، يكون الأوان قد فات. فالصور النمطية العنصرية قد ترسخت، وشرعية القتل قد تأسست، والدماء الفلسطينية أصبحت مباحة أكثر من أي وقت مضى.
الأخطر من ذلك هو محاولة ربط حماس بتنظيم "الدولة الإسلامية" في مخيلة الجمهور الغربي. إنها استراتيجية علاقات عامة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إحياء ثقافة "الحرب على الإرهاب" التي أهدرت ملايين الأرواح في العقدين الماضيين، وأعادت رسم الشرق الأوسط على مقاس المشروع الاستعماري الجديد .
 
 
حذف الإبادة: حين تصبح الشهادة غير لائقة للنشر
 
لكن الأمر لا يتوقف عند حدود نشر الأكاذيب، بل يمتد إلى حذف الحقائق التي لا تخدم السردية الإسرائيلية. عندما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تعليمات وزير الدفاع الإسرائيلي بتشديد الحصار على غزة وقطع المياه والكهرباء والغذاء عن القطاع، حذفت الصحيفة ببساطة وصف الوزير للفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية" .
وعندما حاول الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تبرير الهجوم العنيف على غزة بحجة "الأمة بأكملها مسؤولة"، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" في البداية قوله: "ليس صحيحًا هذا الخطاب حول عدم وعي المدنيين وعدم تورطهم"، ولكن سرعان ما حُذف ذلك التصريح وبقية بيانه الكاشف من المقال .
إنه تشذيب متعمد للوقائع، وتنقية للسردية من شوائب الإبادة التي لا تطاق. في الثالث عشر من أكتوبر 2023، أكد مركز الحقوق الدستورية أن إسرائيل، من خلال اتخاذ إجراءات "لتدمير مجموعة كليًا أو جزئيًا، بما في ذلك عن طريق القتل أو خلق ظروف معيشية لتدمير تلك المجموعة"، ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة. وبعد يوم واحد، أطلق معهد ليمكين لمنع الإبادة الجماعية نداء استغاثة حذر فيه من أن المجتمع الدولي في غزة على مشارف الإبادة الجماعية وسيكون متواطئًا فيها .
لكن هذه التحذيرات المرعبة لم تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. فوسائل الإعلام المؤسساتية كانت مشغولة بحماية قرائها ومشاهديها من التصريحات الهائلة التي تشير إلى أن الإبادة الجماعية ليست مجرد احتمال، بل هي جارية أمام أعيننا.
 
 
خطاب الكراهية وتداعياته القاتلة
 
قد يبدو من السخيف إعطاء أهمية لطريقة القتل في مواجهة حقيقة القتل ذاتها. لكن مثل هذه اللغة لا تخلو من عواقب وخيمة. ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه وسائل الإعلام تردد أكذوبة "الأطفال مقطوعي الرأس"، هاجم مالك عقار في ولاية إلينوي الأمريكية مستأجرين من أصل فلسطيني، مما أدى إلى إصابة امرأة بجروح خطيرة ومقتل طفلها البالغ من العمر ست سنوات. كان الجاني يصرخ وهو يطعنهم أكثر من اثنتي عشرة مرة: "أنتم أيها المسلمون، يجب أن تموتوا" .
وعندما أعرب الرئيس جو بايدن عن "صدمته واشمئزازه" من الهجوم، كان يتجاهل أنه قبل أيام قليلة فقط، كان هو نفسه قد صرح بأنه رأى "صورًا لإرهابيين يقطعون رؤوس الأطفال" – وهو ادعاء تراجع عنه بهدوء بعد ساعات .
إن استحضار الاغتصاب وقطع الرؤوس يتغذى على استعارات معادية للإسلام عميقة الجذور في اللاوعي الغربي. إنه يعمل جنباً إلى جنب مع استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لإعادة إنتاج "الحرب على الإرهاب" بثوب جديد، وتبرير ما لا يمكن تبريره باسم محاربة "وحشية" الطرف الآخر.
 
 
ضباب الحرب أم تواطؤ ممنهج؟
 
ربما يكون ضباب الحرب هو الذي دفع المراسلين إلى تكرار الافتراءات، أو ربما تكون هفوة في الحكم هي التي تدفعهم إلى مقارنة هجوم حماس بأحداث الحادي عشر من سبتمبر دون النظر إلى تداعيات مثل هذه المقارنات. ويمكن للمرء أن يجادل بأنه سوء ممارسة صحفية بحتة .
لكن تكرار النمط ذاته عبر عقود، عبر حروب ومجازر متعددة، يشير إلى أن المسألة أعمق من مجرد أخطاء فردية. إنها ثقافة صحفية راسخة تنظر إلى الفلسطيني باعتبORE ضيفاً غير مرغوب فيه على مسرح التاريخ، وإنساناً من الدرجة الثانية لا يستحق نفس المعايير المهنية المطبقة على الضحايا الآخرين.
ففي حرب أوكرانيا، كان الصحفيون الغربيون يبكون على الهواء وهم يغطون مأساة المدنيين الأوكرانيين. وفي غزة، يتحولون إلى محامين للمدعي العام يبحثون عن ثغرات في رواية الضحايا، ويتساءلون بتوجس: "هل أنتم متأكدون أنكم قُتلتم بطريقة تستحق التعاطف؟".
 
 
الخلاصة: صحافة تبحث عن روحها
 
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الصحافة الغربية، التي طالما تغنت بحياديتها ومهنيتها، قد أسقطت اختبار غزة المدوي. لقد أثبتت أن دماء الفلسطينيين أرخص من أن تستحق عناوين رئيسية محايدة، وأن أطفالهم لا يستحقون نفس الدموع التي ذرفتها على أطفال أوكرانيا، وأن معاناتهم يجب أن تخضع دائماً لاختبار "الشرعية" قبل أن تروى.
إن الصحفيين الغربيين الذين يغطون القضية الفلسطينية مطالبون اليوم بمراجعة أخلاقية عميقة. عليهم أن يقرروا: هل هم شهود على الحقيقة، أم حراس بوابة للسردية الإسرائيلية؟ هل هم صوت من لا صوت له، أم بوق يردد أكاذيب السلطة؟
فإذا كانت المبادئ الأخلاقية للمهنة تعني شيئاً، فإن أولى خطوات استعادتها هي الاعتراف بأن الكلمات يمكن أن تكون رصاصاً، وأن الصور يمكن أن تكون قنابل، وأن التغطية غير العادلة ليست مجرد خطأ مهني، بل هي تواطؤ في جريمة تتكشف أمام أعين العالم كله.
 
*
 
راشيل كوري لم تكن تنتظر إذن الإعلام لتقف أمام جرافة الاحتلال. كانت تعرف أن الشهادة في سبيل الحقيقة لا تحتاج إلى تغطية "متوازنة". وربما آن الأوان لأن تتعلم الصحافة الغربية من شجاعة تلك الشابة الأمريكية التي فهمت ما فشل كبار المحللين في فهمه: أن الموت الفلسطيني ليس خبراً عادياً، بل هو الجريمة الأكبر في عصرنا، والتغطية الموضوعية تبدأ عندما نسمي الأشياء بأسمائها: إبادة جماعية ترتكب على مرأى ومسمع من العالم .

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

زمن الخوف والترقب


يسألني أحد الأصدقاء عن مكان يبيع "بابور كاز". نظرت إليه باندهاش في بادئ الأمر، ظنًا مني أنه يمزح كعادته ويطلق النكات بين الفينة والأخرى سخريةً من أمر ما؛ فله صولات وجولات، كما يقال، في الانتقاد الساخر أمام قضايا اجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية. ثم ضحكت هنيهةً ودعوته للجلوس عندما وجدته يسأل بجدية بحثًا عن بائع بابور كاز في المدينة.
مرّ زمن طويل على موقد الكاز، وقد بات شبه مفقودٍ في زماننا، وبالكاد جيلنا يعرفه ويعرف كيف يعمل وغايات استخدامه، أما الأجيال اللاحقة فلا تعرفه بعد أن حلّت مكانه وسائل حديثة أكثر تطورًا وأقل ضجيجًا وسهلة الاستخدام وبها أفضل وسائل الأمان.
بعد برهة من الوقت دخل صديق آخر كان يصغي لسؤال صديقنا المشترك، فأجاب بأنه لا يعرف إن كان هناك في بيت لحم أحد يبيع البابور، ولكنه يعرف محلًا في مدينة الخليل المجاورة. ما رأيك أن نذهب اليوم؟ موافقًا أجاب، ثم تذكر أن المدينة محاصرة بالإغلاق منذ بدأت الحرب، لكنه بدأ يفكر بطريقة ما توصله إلى الخليل.
المخاوف التي تسكن صديقي حول ما رأى أنه ضرورة في كل بيت، فلا أحد يعلم تبعات هذه الحرب المستعرة ولا مدى اتساعها وانعاكسها المباشر علينا، هي نفسها المخاوف التي جعلت صديقًا آخر بالأمس يقوم بشراء راديو ترانزستور يعمل على البطارية في خطوة قام بها ليواصل متابعة الأخبار في حال انقطاع شبكات الكهرباء والإنترنت. فقلت له: لماذا؟ فأمسك هاتفه اللوحي في يده قائلًا: قد يأتي وقت لا تفيد فيه كل هذه الوسائل الحديثة ولا تعود قادرة على العمل وإيصال الأخبار أو متابعة ما يحدث من حولنا.
الخوف بات سمةً رئيسيةً في كل الحوارات والنقاشات، خاصة أننا في رمضان، حيث السهرات الليلية مسكونة بحوارات دائمة عن الحرب ومآلاتها، وفي كل مساء تلتقي العائلات ويجتمع الأقارب والأصدقاء.
لا أحد يمكنه توقع مآلات الحرب وكيف ستنتهي ومتى تتوقف عمليات القصف والقتل، فهذه حرب يبدو أنها متدحرجة ستخلف الكثير من الويلات والمآسي، وستخلق بعد أن تضع أوزارها واقعا إقليمًا ودوليًا جديدًا، مغايرًا لكل ما كان عليه.
بوتيرة من الخوف والترقب تتواصل الحوارات في كل المجالس، وبدعوات النجاة من هذه الويلات تنطق الأفواه، وفي الوجوه قسمات ظاهرها طبيعي وباطنها مليء بالترقب الحذر، وقد غابت سهرات الضحك والمزاح، وطرأت الحوارات الجامدة التي تثير في النفوس التعب وتبعث بالخوف.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

نداء عاجل لإعادة إنسانية التعليم


كنت أجلس ذات مساء أراجع بيانات التقييم المؤسسي لإحدى المدارس ضمن برنامج تطوير الإدارة التربوية، حين لفت نظري تناقض صارخ: نسب النجاح الأكاديمي بلغت ذروتها، ومؤشرات الأداء تتألق في كل خانة، غير أن تقارير المرشد التربوي تكشف تصاعدًا مقلقًا في حوادث التنمر، وتراجعًا حادًا في مهارات التعاطف والتواصل الإنساني بين الطلاب. وقفت أمام هذا التناقض طويلاً، وأدركت أننا نحصد ما زرعناه: عقولاً مصقولة، وأرواحاً متشققة.
لقد آن الأوان أن نقول بصوت عالٍ ما يهمس به الضمير التربوي منذ سنوات: نحن نعيش أزمة إنسانية في قلب مؤسساتنا التعليمية، وهي أزمة لا تُحلّ بمزيد من التقنية أو تحسين المناهج وحده، بل تبدأ بمراجعة جذرية لفلسفتنا في التعليم وغاياته.
منذ مطلع الألفية الثالثة، انخرطت معظم منظومات التعليم في العالم في سباق محموم تحكمه معادلة واحدة: الكفاءة القابلة للقياس. تصنيفات "بيزا" الدولية، ومؤشرات التنافسية المعرفية، ومتطلبات سوق العمل الرقمي، كلها قوى ضاغطة أعادت تشكيل الإدارة التربوية وفق منطق "المصنع": مدخلات، وعمليات، ومخرجات. وفي هذا المنطق، لا مكان يُذكر للأسئلة الوجودية الكبرى: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟ وما الذي يجعل المجتمع جديرًا بالعيش فيه؟
يقول المفكر التربوي الكبير جون ديوي: "الهدف من التعليم ليس أن تملأ دلوًا، بل أن تشعل نارًا." لكن النار التي نشعلها اليوم في مدارسنا هي في معظمها نار الطموح الفردي، لا نار الوعي الجماعي. نحن نُخرّج متسابقين بارعين، لكننا نُفقر المجتمع من الرفقاء الصادقين.
وهذا ما أسميه في أبحاثي "فجوة الإنسانية المؤسسية": الهوّة المتسعة بين ما تُعلنه المؤسسات التعليمية من قيم في وثائقها ورسائلها، وبين ما تُمارسه فعليًا في قاعات الدراسة وممرات المدارس. إنها فجوة لا تُرى في جداول البيانات، لكنها تُحسّ بعمق في نسيج المجتمع.
في علم النفس التربوي، يُميّز الباحثون بين نوعين من الذكاء: الذكاء الأداواتي الذي يُمكّن صاحبه من تحقيق أهدافه بكفاءة، والذكاء الأخلاقي الذي يُمكّنه من تحديد أيّ الأهداف يستحق السعي إليها أصلاً. لقد أجدنا في تنمية الأول، وأهملنا الثاني إهمالاً شبه تام.
والنتيجة؟ مجتمعات تعجّ بالخبراء الذين يتقنون تفسير القوانين المادية وتشغيل آليات الحياة، لكنها تفتقر إلى الأرواح القادرة على إدراك معنى العيش المشترك وكرامة الوجود. نرى محامين يعرفون كيف يُبرّئون المذنب، لكنهم لا يعرفون لماذا يجب أن يُدافعوا عن العدل. ونرى مديرين يتقنون إدارة الأزمات، لكنهم يعجزون عن الاعتراف بخطأ بسيط أمام فريقهم.
إن غياب الميزان الداخلي، هذا الضمير الحي الذي يوجّه الإنسان نحو الخير حتى حين لا يراقبه أحد، هو الجرح الأعمق في جسد منظومتنا التربوية. وهو جرح يتضاعف حين تُقدّم الإدارة التربوية نفسها نموذجًا للبيروقراطية الباردة، لا للقيادة الإنسانية الدافئة.
يُعرّف ريتشارد ستيرز الإدارة الفعّالة بأنها "القدرة على تحقيق الأهداف المؤسسية مع المحافظة على رضا أعضاء المنظمة وتطويرهم". لكنني أذهب أبعد من ذلك في تعريفي للإدارة التربوية الفعّالة: إنها القدرة على تحقيق الأهداف المؤسسية مع إنضاج الأرواح وصون كرامة الإنسان. واعتقد انها الشرط الجوهري لأي تعليم يدّعي أنه يخدم الإنسان.
تُشير نظرية القيادة التحويلية التي أرسى دعائمها جيمس ماكغريغور بيرنز إلى أن القائد التحويلي لا يكتفي بتحفيز أتباعه على تحقيق الأهداف، بل يرفع مستوى دوافعهم الأخلاقية ويُعلّمهم كيف يتجاوزون مصالحهم الضيقة نحو رؤية أشمل وأنبل. وهذا بالضبط ما تحتاجه مدارسنا اليوم: قادة تربويون تحويليون يُدركون أن دورهم لا يقتصر على رفع معدلات التحصيل، بل يمتد إلى تشكيل أرواح إنسانية قادرة على البناء والعطاء.
من واقع تجربتي الميدانية والأكاديمية، أرى أن استعادة الإنسانية في مؤسساتنا التعليمية تمرّ عبر ثلاثة مسارات متكاملة:
المسار الأول: إعادة تعريف النجاح. يجب أن تجرؤ الإدارات التربوية على توسيع مفهوم النجاح ليتجاوز الدرجات والشهادات، ويشمل مؤشرات النضج الأخلاقي والاجتماعي. لا يكفي أن يُجيد الطالب حل المعادلات؛ يجب أن يُجيد أيضًا الإنصات لزميله المكلوم، والاعتراف بخطئه بشجاعة، والتمسك بالحق حين يكون مكلفًا. هذه مهارات تُبنى، ولا تُولد، وتحتاج إلى بيئة مدرسية تُقدّرها وتُكافئها.
المسار الثاني: دمج التربية الأخلاقية في صميم المنهج. لا أعني بذلك إضافة مادة دراسية جديدة، بل أعني فلسفة تربوية متكاملة تجعل من كل موقف تعليمي فرصة لبناء الشخصية. من مناقشة نص أدبي إلى تجربة علمية، من حصة الرياضة إلى اجتماع مجلس الطلاب، ثمة فرص لا حصر لها لزرع قيم الأمانة والتعاون والمسؤولية، شريطة أن يمتلك المعلم والمدير الوعي الكافي لاستثمارها.
المسار الثالث: القيادة بالقدوة لا بالخطاب. إن أشد ما يُضعف التربية الأخلاقية في مدارسنا هو الفجوة بين ما يُقال على المنابر وما يُمارس في الغرف المغلقة. حين يرى الطالب مديره يُقرّ بخطأ أمام الجميع، أو يرى معلمه يُنصف طالبًا ضعيفًا على حساب طالب نافذ، فإنه يتعلم في لحظة واحدة ما لا تُعلّمه كتب الأخلاق في سنوات. القدوة هي أقوى مناهج التربية، وأرخصها تكلفةً، وأبعدها أثرًا.
في نهاية كل عام دراسي، حين أقف أمام دفعة جديدة من الطلاب المتخرجين، لا أسألني: كم منهم حصل على أعلى الدرجات؟ بل أسألني: كم منهم سيكون قادرًا على أن يكون إنسانًا حقيقيًا حين يواجه الاختيار الصعب؟ حين يُغريه الكذب، أو يُغريه الصمت أمام الظلم، أو يُغريه الانسحاب من مسؤولية يُكلّفه الوفاء بها؟
مجتمعنا لا يحتاج إلى مزيد من الخبراء في كل شيء. هو يحتاج إلى أناس يُتقنون فن العيش بإنسانية. وهذا الفن لا يُعلَّم في ورشة عمل، ولا يُكتسب في دورة تدريبية. إنه يُبنى يومًا بيومٍ، في كل موقف صغير، في كل قرار يتخذه المعلم، وكل سياسة ترسمها الإدارة التربوية، وكل رسالة تُبثّها المدرسة في روح طفل لا يزال قابلاً للتشكّل.
فلنجعل من مؤسساتنا التعليمية بيئات تحتفي بالإنسان أولاً، وتُوحّد بين العقل والضمير، بين الإنجاز والقيمة. فمجتمعنا أجمل حين نتقن فن العيش قبل فن الإنجاز، وحين نعلم أبناءنا أن الذكاء الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يكون رحيمًا.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد خامنئي : هل تحسم المؤسسات المعركة أم يفتح الفراغ أبواب المجهول ؟!


بلا شك، يمثل علي خامنئي رمزًا للدولة أكثر من كونه مجرد رأس للسلطة التنفيذية، ورحيل شخصية بهذا الوزن لا يعني تلقائيًا سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فالأنظمة المركبة لا تقوم على فرد واحد، حتى وإن كان في موقع المرشد الأعلى، فالدول ذات البنى الأيديولوجية والمؤسساتية العميقة غالبًا ما تمتلك آليات داخلية تضمن استمرارية القرار وتمنع الانهيار المفاجئ.
النظام الإيراني هو بنية مؤسسية متشابكة تضم الحرس الثوري الإيراني، ومجلس صيانة الدستور، والمؤسسة الدينية، إلى جانب شبكات اقتصادية واسعة النفوذ داخل البلاد وخارجها، هذه التركيبة المعقدة من مراكز القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية منحت النظام قدرة عالية على امتصاص الصدمات، وإعادة إنتاج مراكزه القيادية، وضبط إيقاع التوازنات الداخلية بما يحول دون حدوث فراغ شامل.
كما أن التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية تُظهر أنها اعتادت العمل تحت ضغوط قصوى— حرب طويلة، عقوبات اقتصادية مشددة، اغتيالات، احتجاجات داخلية، وحصار سياسي — لذلك فإن استهداف شخصية محورية، مهما بلغ ثقلها، ليس سيناريو خارج حسابات بنية تأسست أساسًا على إدارة الأزمات والتهديدات، بل يمكن القول إن فلسفة النظام الأمنية والسياسية قامت على افتراض أسوأ الاحتمالات والاستعداد لها.
وفي تقديري أنه حتى مع افتراض وجود دعم خارجي لأي مسار تغيير، سواء من دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو، فإن ذلك لا يعني بالضرورة توافر بديل جاهز أو توافق داخلي على قيادة جديدة، ولا يضمن استعداد الشارع الإيراني لتقبل صيغة حكم مختلفة بسهولة، فالتحولات الكبرى لا تُصنع فقط بقرار خارجي، بل تحتاج إلى حاضنة داخلية قادرة على التنظيم والحشد وبناء بدائل مؤسسية قابلة للحياة .
المعادلة الأساسية ليست في “من يرحل”، بل في “من يمتلك القدرة على الإمساك بمفاصل الدولة، وضبط توازناتها، وضمان استمراريتها”.
أما المعارضة في المنفى، فرغم حضورها الإعلامي والسياسي، فإن وزنها الفعلي داخل إيران يظل موضع تساؤل، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الاجتماعي وتباين أولويات الداخل.
رحيل خامنئي قد يفضي إلى أحد ثلاثة مسارات: إعادة ترتيب داخلية تعزز تماسك النظام، أو بداية تصدع تدريجي طويل الأمد، أو شرارة لاضطراب أوسع يتجاوز الحدود الإيرانية إلى الإقليم بأسره. وفي جميع الأحوال، لن يكون ذلك نهاية المشهد، بل بداية مرحلة جديدة تتحدد ملامحها بقدرة الفاعلين على إدارة الانتقال بحسابات دقيقة.
إن أخطر اللحظات ليست لحظة سقوط النظام، بل لحظة الفراغ التي قد تعقب أي تحول غير محسوب، لأن الفراغ في دول بهذا الحجم قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية وتوازنات إقليمية أكثر تعقيدًا.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

جرائم متواصلة متصلة منذ عام 1948


تمكنت الحركة الصهيونية اعتماداً على الاستعمار البريطاني المحتل لفلسطين، وبتواطؤ أوروبي أميركي، إقامة مستعمرتها الإسرائيلية على ثلثي أرض الشعب الفلسطيني ووطنه يوم 15 أيار 1948.
وفي 5 حزيران 1967، واصلت التوسع واحتلال ما تبقى من خارطة فلسطين، إضافة إلى بعض الأراضي السورية واللبنانية.
في 9 نيسان 2003 تمكنت الولايات المتحدة من احتلال العراق، وإسقاط نظام صدام حسين وتصفيته لصالح خطط المستعمرة الإسرائيلية وتوجهاتها التوسعية، بعد أن أرغمتها واشنطن على عدم التدخل حتى تحافظ على التحالف الثلاثيني.
في 8 كانون أول ديسمبر 2024، تم إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، وبذلك خلا الشرق العربي، للعربدة والجموح والتسلط العدواني العنصري الفاشي للمستعمرة الإسرائيلية.
هجوم المستعمرة مع القوات الأميركية يوم 28 شباط فبراير 2026 على إيران، لا يهدف إلى تخليص طهران من محاولات التخصيب النووي، وتدمير قدراتها الصاروخية، ومنعها من دعم حلفاء لها في لبنان والعراق واليمن وغيرهم، ورغم الادعاء أن هذه الأهداف الثلاثة هي الكامنة وراء دوافع الهجوم والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، ولكن الهدف الجوهري للهجوم الإسرائيلي الأميركي هو إسقاط النظام الإيراني وتغييره كما حصل في العراق وسوريا، لصالح تفرد المستعمرة على منطقة الشرق العربي، وبسط نفوذها وهيمنتها، كي تكون هي الطرف الوحيد القادر المتمكن الأقوى على حساب العرب وكرامتهم ومصالحهم الوطنية والقومية.
قد نختلف مع سياسات إيران، في هذا العنوان أو ذاك، في هذه الأولوية أو تلك، ولذلك لن نكون معها ضد أي مصلحة وطنية أو قومية عربية، ولكن التوسع الاحتلالي والجرائم البشعة التي تقترفها المستعمرة ضد بلداننا وشعوبنا العربية، هي التي تدفعنا وتجبرنا للتعاطف مع معاناة الشعب الإيراني، أسوة بما سبق وحصل مع بلداننا العربية ولا تزال من جرائم واعتداءات وتطاول في: فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، من قبل المستعمرة الإسرائيلية.
الذرائع والحجج والأضاليل هي التي شكلت أغطية للتوسع وجرائم المستعمرة بحق شعوبنا العربية والمس بكرامتنا وسيادة بلداننا، وهي تستعمل نفس الحجج والذرائع للاعتداءات والهجوم على إيران.
لدى المستعمرة أسلحة نووية، ولديها كافة قدرات الهجوم، وليس لدينا وفي منطقتنا من يردعها عن مواصلة الجرائم والانتهاكات بحق كل ما هو عربي ومسلم ومسيحي، وها هي ما تفعله في جنوب لبنان، والجولان السوري والسويداء، شبيه بما تفعله من قتل وتدمير ومحاولات التهجير في فلسطين.
وعلينا أن نقف بيقظة، وندرك أن أحد دوافع هجوم المستعمرة مع إدارة ترامب الداعمة المتواطئة ودوافعها هو القفز عما فعلته في غزة، ونسيان وإلهاء العالم ومؤسساته الدولية، عما قارفته من جرائم، وإبادة جماعية، وتطهير عرقي بحق الشعب الفلسطيني، ذلك لأن المستعمرة مطلوبة لمحكمة العدل الدولية، ورئيس حكومتها نتنياهو مطلوب كمجرم حرب لمحكمة الجنايات الدولية.
سارة جاكوبس عضو الكونغرس الأميركي قالت أن: "نتنياهو حاول إقناع كل رئيس أميركي لمهاجمة إيران، ولكن لم يتجاوب معه سوى الرئيس ترامب، وهو الرئيس الوحيد الذي لبى وتجاوب واقتنع بما سعى له نتنياهو".
مقابل ذلك حمّل ترامب من جانبه كلاً من أوباما وبايدن مسؤولية ما وصلت إليه طهران، وكأنه صنع المعجزات، بالتجاوب مع مخططات وبرامج نتنياهو الاستعمارية.

أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

من شعار “أمريكا أولاً” إلى “إسرائيل أولاً”


في بداية حملته الانتخابية الأخيرة، خرج دونالد ترامب بخطاب بدا، في ظاهره، انقلاباً على تقاليد السياسة الأميركية، حين رفع شعار “أمريكا أولاً” وتعهد بعدم إقحام الولايات المتحدة في حروب خارجية، مقدّماً نفسه باعتباره مرشحاً ينقذ الأميركيين من استنزاف الدم والمال في مغامرات عسكرية لا تعود عليهم بفائدة، غير أن هذا الخطاب سرعان ما اصطدم بواقع مختلف تماماً، واقع كشف أن “أمريكا أولاً” لم تكن سوى عبارة انتخابية، بينما السياسة الفعلية وضعت إسرائيل في صدارة الأولويات، ولو على حساب كل ما ادعى ترامب أنه يسعى لحمايته.
فما شهدته المنطقة من انفجارات متتالية، وما تشهده اليوم من انخراط أميركي متزايد خلف إسرائيل، يثبت أن الإدارة الأميركية لم تبتعد عن منطق الحروب، بل أعادت إنتاجه بصورة أكثر فجاجة، حيث جرى ربط المصالح الأميركية عضوياً بأجندة إسرائيل، وتحويل واشنطن إلى مظلة سياسية وعسكرية مفتوحة لحروبها، دون أي اعتبار للتداعيات الإقليمية أو للكلفة التي يدفعها الأميركيون أنفسهم من أموالهم وأمنهم واستقرارهم.
لقد تحولت الولايات المتحدة، في عهد ترامب، من قوة تدّعي إدارة الصراعات إلى طرف مباشر في تأجيجها، ومن دولة تتحدث عن الانكفاء إلى لاعب يدفع نحو توسيع رقعة النار، ليس دفاعاً عن أمنها القومي، بل دفاعاً عن المشروع الإسرائيلي، حتى بات واضحاً أن الدم الأميركي، كما دم شعوب المنطقة، يمكن التضحية به إذا كان ذلك يخدم بقاء إسرائيل متفوقة ومحمية من أي مساءلة أو ضغط.
هذا الانحياز المطلق كشف زيف الادعاء بأن ترامب يمثل قطيعة مع المؤسسة التقليدية في واشنطن، إذ سرعان ما تبين أنه أعاد إنتاج جوهر السياسة الأميركية ذاتها، القائمة على تقديم إسرائيل كأولوية استراتيجية غير قابلة للنقاش، وعلى تبرير كل سياساتها العدوانية، مهما بلغت كلفتها الإنسانية والسياسية، ومهما أدت إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط ودفعه نحو حروب مفتوحة لا أفق لها .
الأخطر في هذا المسار أن ترامب لم يتردد في المقامرة بالمصالح الأميركية نفسها، سواء عبر تعريض الجنود الأميركيين للخطر، أو عبر استنزاف الخزينة العامة، أو عبر تعميق الكراهية تجاه الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، وكل ذلك من أجل الحفاظ على صورة “الحليف الذي لا يتخلى عن إسرائيل”، حتى لو كان الثمن إحراق الشرق الأوسط بالكامل، وتحويله إلى ساحة صراع دائم يخدم مشروعاً واحداً فقط .
 لم تكن سياسة ترامب الخارجية خروجاً عن القاعدة، بل كانت تعبيراً أكثر صراحة عنها، حيث سقط القناع سريعاً، وظهر أن “أمريكا أولاً” لم تكن سوى شعار فارغ، بينما الحقيقة الثابتة، التي أكّدتها الوقائع، أن إسرائيل ظلت وستظل هي اولا وفي مقدمة الأولويات الأميركية، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح الأميركيين أنفسهم، وحتى لو دفع العالم كله ثمن هذا الانحياز الأعمى.
في المقابل، أحدثت حرب غزة شرخاً عميقاً داخل الوعي الأميركي نفسه، حيث لم تعد الرواية الرسمية تحظى بالإجماع الذي كانت تتمتع به لعقود، بل بدأ الرأي العام الأميركي، وخصوصاً بين فئات الشباب والطبقات المتضررة اقتصادياً، يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى هذا الانحياز المطلق، ومع تصاعد مشاهد الدمار والقتل في قطاع غزة، برز خطاب داخلي جديد يتحدث بوضوح عن أموال الضرائب الأميركية التي يحتاجها المواطن في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، لكنها تُحوَّل إلى دعم إسرائيل وحروبها المفتوحة، في وقت يعاني فيه ملايين الأميركيين من أزمات معيشية خانقة.
هذا التحول لم يعد هامشياً أو معزولاً، بل بات جزءاً من نقاش عام واسع يشكك في الدور الذي يلعبه السياسيون الأميركيون، ومعهم عدد كبير من الرؤساء السابقين، في جرّ الولايات المتحدة إلى حروب لا تخدم مصالحها القومية ولا أمنها الداخلي، بقدر ما تخدم أجندة إسرائيل وتفوقها الإقليمي. ومع اتساع هذا الوعي، تتراجع قدرة الخطاب التقليدي على تسويق الحروب باعتبارها دفاعاً عن “القيم” أو “الأمن القومي”، ليحلّ محله سؤال بسيط لكنه خطير: لماذا يدفع الأميركي ثمن حروب لا تعنيه، ولماذا تُقدَّم مصالح إسرائيل دائماً على حاجات المجتمع الأميركي نفسه؟ سؤال مرشح لأن يعيد تشكيل السياسة الأميركية مستقبلاً، وأن يضع هذا الانحياز التاريخي أمام اختبار غير مسبوق.

فلسطين

الأربعاء 04 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

المسحراتي: موروث تاريخي يدحره الاحتلال ويمنعه في البلدة القديمة وأحياء القدس



القدس- من أحمد جلاجل-
في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتزين أحياء القدس القديمة وأزقتها بصوت المسحراتي الذي كان يشتهر في ليالي رمضان، يُوقظ الناس للسحور ويُحيي التراث الفلسطيني والعربي. لكن مع مرور الزمن، أصبح هذا الصوت يختفي تدريجيًا تحت وطأة الاحتلال الذي يسعى بشتى الوسائل لتقويض هذا الموروث الثقافي والإنساني العريق. في هذا المقال، نُسلط الضوء على مكانة المسحراتي في تاريخ القدس وعلى محاولات الاحتلال لمنعه في البلدة القديمة وأحياء المدينة.

المسحراتي: موروث ثقافي وأداة تضامن اجتماعي

المسحراتي ليس مجرد شخص يحمل طبلاً أو يقرع أبواب المنازل؛ إنه جزء لا يتجزأ من التراث الفلسطيني والعربي في شهر رمضان. يعود تاريخ هذه العادة إلى العصور الإسلامية المبكرة، حيث كان المسحراتي يجوب الشوارع ليلاً لإيقاظ الناس للسحور، تاركًا وراءه أثرًا طيبًا في نفوس الأهالي الذين ينتظرون قدومه بفارغ الصبر.
كان صوت المسحراتي بمثابة إشارة للعائلات للالتفاف حول مائدة السحور، وهو ما يعكس أهمية التكافل الاجتماعي والروح الجماعية في المجتمع الفلسطيني.

المسحراتي في القدس قبل الاحتلال

في مدينة القدس، كان المسحراتي يشكل جزءًا أساسيًا من الحياة الرمضانية، في البلدة القديمة وأحياء القدس التاريخية، كان المسحراتي يُعرف بقُدومه المبكر، يتنقل بين الحارات ليوقظ النائمين. كان المسحراتي يُحسن اختيار الأوقات والمناطق، ويعرف كل زاوية وشارع. وكان الناس يُحيون قدومه بالترحاب والابتسامات، إذ كان يجسد قيمة التضامن المجتمعي وروح المحبة بين الفلسطينيين. بل كان الأطفال يرافقونه أحيانًا في مسيرته، في صورةٍ من صور التواصل بين الأجيال، متمسكين بكل ما هو فلسطيني في هذا الشهر الفضيل.

الاحتلال ومساعي محو التراث الفلسطيني

ومع بداية الاحتلال الإسرائيلي للقدس في عام 1967، بدأت مساعي السلطات الإسرائيلية للسيطرة على المدينة وطمس هويتها الفلسطينية. إحدى الطرق التي اتبعها الاحتلال للحد من مظاهر الحياة التقليدية كانت محاولة محو الطقوس الرمضانية، بما في ذلك عادة المسحراتي. حيث فرض الاحتلال قيودًا صارمة على حرية الحركة والتجمع في أحياء القدس القديمة، ومنع الكثير من الأنشطة الثقافية والدينية. في كثير من الأحيان، تعرض المسحراتيون للمضايقات من قبل الجنود الإسرائيليين، الذين كانوا يعمدون إلى توقيفهم أو فرض غرامات مالية عليهم، بل وصل الأمر إلى تهديدهم بالسجن في بعض الأحيان.

المقاومة عبر الأجيال

رغم التحديات التي فرضها الاحتلال، لم يتوقف أهل القدس عن تمسكهم بتقاليدهم. فقد حاولوا مرارًا وتكرارًا الحفاظ على عادة المسحراتي، رغم المعوقات. هناك من يواصل الطواف في شوارع البلدة القديمة بأصواته المميزة، متحديًا سياسة القمع والإقصاء. ورغم محاولات الاحتلال لفرض طقوسه، يبقى المسحراتي رمزًا من رموز الصمود الثقافي الفلسطيني الذي لا يمكن أن يمحوه الاحتلال.

المسحراتي في القدس ليس مجرد طقس رمضاني، بل هو رمز من رموز الهوية الفلسطينية التي يتحدى الفلسطينيون بها محاولات الاحتلال لطمس تراثهم. في كل مرة يتم فيها منع المسحراتي، يتجدد التحدي والصمود في قلب القدس. إن الحفاظ على هذه العادة ليس مجرد حفظ لتاريخنا الثقافي، بل هو تمسك بالوجود الفلسطيني في القدس رغم كل المحاولات الممنهجة لتغيير معالم المدينة. وها هو المسحراتي اليوم، رغم كل القيود، يبقى صامدًا، شاهدًا على تاريخ حيّ ومستمر، في تحدٍّ دائم لطغيان الاحتلال.

اقتصاد

الأربعاء 04 مارس 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

بنك فلسطين يتبرع بجهاز فحص سمع دعماً للبرنامج الوطني لفحص السمع لحديثي الولادة بالتعاون مع “فكر فلسطين” ووزارة الصحة

في خطوة تعكس التزامه الراسخ بمسؤوليته المجتمعية ودوره التنموي، قدّم بنك فلسطين تبرعاً بجهاز متطور لفحص السمع، دعماً للبرنامج الوطني لفحص السمع للأطفال حديثي الولادة في مشافي الولادة الحكومية، والذي تنفذه جمعية فكر فلسطين بالشراكة مع وزارة الصحة الفلسطينية.
وجرى الإعلان عن إطلاق هذا البرنامج خلال مؤتمر صحفي أقيم في فندق الملينيوم بمدينة رام الله، بحضور إدارة جمعية فكر فلسطين، ومعالي وزير الصحة الدكتور ماجد أبو رمضان، إلى جانب عدد من المدراء التنفيذيين وممثلي الشركات والمؤسسات الداعمة.
ويأتي هذا الدعم استجابةً لأحد المكونات الجوهرية للبرنامج، والمتمثل في تزويد المشافي الحكومية بأجهزة فحص سمع حديثة تُدمج ضمن خدمات الرعاية الصحية المقدمة للمواليد الجدد، بما يضمن الكشف المبكر عن حالات ضعف أو فقدان السمع، ورفع فرص التدخل العلاجي في الوقت المناسب، والحد من المضاعفات اللغوية والإدراكية طويلة الأمد.
وتعمل وزارة الصحة، بالشراكة مع جمعية “فكر فلسطين”، على تطوير وتوسيع نطاق برنامج الفحص الوطني للمواليد، من خلال توفير الأجهزة اللازمة، وتأهيل الكوادر الطبية لإجراء الفحوصات وفق بروتوكولات مهنية معتمدة، إضافة إلى توثيق النتائج وتوجيه الحالات المكتشفة إلى مسارات المتابعة والتشخيص المتقدم والتأهيل السمعي، بما يعزز كفاءة النظام الصحي واستدامة أثره.
ويهدف البرنامج إلى رفع نسبة تغطية فحص السمع لحديثي الولادة، وخفض متوسط عمر تشخيص فقدان السمع الخلقي إلى ستة أشهر أو أقل، انسجاماً مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن الاكتشاف المبكر والتدخل السريع يشكلان حجر الأساس في حماية قدرات الطفل اللغوية والمعرفية وضمان اندماجه التعليمي والمجتمعي.
وأكد السيد محمود الشوا، مدير عام بنك فلسطين، أن مساهمة البنك في هذا البرنامج تنطلق من رؤية تنموية شاملة تضع صحة الإنسان في صدارة الأولويات، مشدداً على أن الاستثمار في الكشف المبكر هو استثمار في مستقبل الأطفال وحقهم في التعليم والاندماج الكامل في المجتمع. وأضاف أن هذا الدعم يسهم في التخفيف من الأعباء الصحية والاقتصادية على الأسر الفلسطينية، ويعزز فرص الأطفال في النمو والتطور بشكل سليم.
ويُعد بنك فلسطين من أبرز الشركاء الداعمين للقطاع الصحي الفلسطيني، من خلال مساهماته المتواصلة في دعم المبادرات الوطنية، والتبرع بالمعدات الطبية، وتعزيز جودة الخدمات الصحية، لا سيما في المناطق المهمشة والنائية، بما يجسد التزامه العملي بالتنمية المستدامة وتمكين المجتمع الفلسطيني.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

جغرافيا الصدام: كيف تتحكم المضائق المائية بمفاصل الاقتصاد والسياسة العالمية؟

تُشكل المضائق والممرات المائية في المفهوم الجيوسياسي المعاصر نقاط اختناق استراتيجية تختزل صراعات الإرادات الدولية في ممرات ضيقة لا تتجاوز بضعة كيلومترات. وتعتبر هذه الممرات عصب التجارة العالمية، حيث تستحوذ الملاحة البحرية على نحو 80% من حجم التجارة الدولية وفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).

تكمن خطورة هذه الممرات في كونها تنقل نحو 76% من إمدادات النفط والسوائل الأخرى في العالم، مما يجعلها بمثابة عنق زجاجة يمسك بزمام الاقتصاد العالمي. إن السيطرة على مضيق حيوي تعني امتلاك أداة ضغط سياسي وعسكري قادرة على التأثير في قرارات القوى العظمى وتغيير مسارات الأزمات الدولية.

تخضع الملاحة في هذه المضائق لقواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي توازن بين سيادة الدول الساحلية ومصالح التجارة العالمية. ويبرز مفهوم حق المرور العابر كأحد أهم القواعد التي تمنح السفن والطائرات، بما فيها الحربية، حق العبور المستمر والسريع دون عوائق في المضائق الدولية.

يعد مضيق هرمز شريان الطاقة الأهم عالمياً، حيث يربط الخليج العربي بخليج عُمان ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومتراً. وقد بلغ متوسط تدفق النفط عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي، وسط تهديدات مستمرة برفع أسعار الطاقة نتيجة التوترات العسكرية.

في شرق آسيا، يبرز مضيق ملقا الملقب بحلق طريق الحرير البحري، والذي يمتد لمسافة 800 كيلومتر بين شبه جزيرة الملايو وجزيرة سومطرة. يمر عبر هذا الممر أكثر من 40% من التجارة العالمية، بما في ذلك 80% من واردات الصين من النفط الخام، مما يجعله منطقة تجاذب عسكري كبرى.

يواجه مضيق ملقا اليوم تحولات استراتيجية مرتبطة بالتحول الأخضر، حيث تزايد نقل المعادن الحيوية مثل الليثيوم والكوبالت عبره. ورغم الجهود الأمنية المشتركة بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة للحد من القرصنة، إلا أن التهديدات السيبرانية والإرهاب البحري لا تزال تشكل قلقاً دولياً.

أما باب المندب، حارس البوابة الجنوبية لقناة السويس، فيمثل المنفذ الوحيد الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. يمر عبره سنوياً ما يصل إلى 12% من التجارة البحرية الدولية، وأي اضطراب في هذا الممر يؤدي فوراً إلى تعطيل سلاسل التوريد ورفع تكاليف الخدمات اللوجستية العالمية.

في الطرف الآخر من المتوسط، يبرز مضيق جبل طارق كمفتاح للسيطرة على الدخول والخروج من البحر الأبيض المتوسط نحو الأطلسي. يعبر المضيق سنوياً نحو 60 ألف سفينة، ويتمتع بأهمية عسكرية بالغة لوجود قواعد بريطانية وإسبانية ومغربية تراقب التحركات البحرية في هذه المنطقة الحساسة.

تمثل مضائق البوسفور والدردنيل رئة البحر الأسود ومفتاح التوازن بين أوروبا وآسيا، وتخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936. تمنح هذه الاتفاقية تركيا صلاحيات واسعة لتنظيم مرور السفن الحربية، وهو ما ظهر جلياً عند إغلاق المضائق أمام السفن المتحاربة عقب اندلاع النزاع الروسي الأوكراني.

تستخدم الدول المطلة على المضائق ما يعرف بدبلوماسية التهديد، وهي القدرة على رفع تكاليف التأمين أو التلميح بتعطيل الملاحة كأداة للردع. وقد تجلى ذلك بوضوح في البحر الأحمر عقب الهجمات التي أثرت على سلاسل الإمداد، مما وضع القوى العظمى أمام مقايضات اقتصادية وسياسية صعبة.

لا تقتصر أهمية المضائق على الجوانب العسكرية، بل تعد مورداً سيادياً ثابتاً للعملة الصعبة عبر رسوم العبور والخدمات اللوجستية. وقد تحولت بعض هذه الممرات إلى مراكز صناعية ولوجستية عملاقة، محاكية تجارب ناجحة مثل سنغافورة وجبل علي في الإمارات.

تواجه هذه الممرات التقليدية تحديات تقنية وجغرافية جديدة، من بينها بروز ممر الشمال الشرقي في القطب الشمالي كبديل محتمل نتيجة التغير المناخي. كما أن ظهور حروب المسيرات يمثل تهديداً أمنياً منخفض التكلفة يمكنه شل الحركة في أكثر المضائق ازدحاماً في العالم.

تسعى القوى الكبرى لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق هذه عبر استثمارات برية ضخمة، مثل الممر الهندي الأوروبي ومبادرة الحزام والطريق الصينية. ومع ذلك، تظل الجغرافيا البحرية هي الحاكم الفعلي لحركة التجارة، حيث لا تملك معظم الشحنات بدائل حقيقية للخروج من مناطق الإنتاج.

في الختام، يظل الصراع على المضائق المائية صراعاً على البقاء الاقتصادي والنفوذ السياسي في نظام عالمي مضطرب. إن أي تغيير في موازين القوى عند هذه النقاط الجغرافية الضيقة كفيل بإعادة تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية للعالم أجمع.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 9:19 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس الاختراق الكبير: كيف مهدت التكنولوجيا والجواسيس لاغتيال خامنئي في قلب طهران؟

كشفت تقارير صحفية دولية عن تفاصيل دقيقة سبقت عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في العاصمة طهران، مؤكدة أن العملية لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة. وأوضحت المصادر أن الهجوم جاء نتاج اختراق استخباراتي وتقني واسع النطاق استمر لسنوات طويلة، شاركت فيه أجهزة أمنية من إسرائيل والولايات المتحدة لبناء صورة شاملة عن نمط حياة القيادة الإيرانية.

وأشار التقرير إلى أن أحد أخطر جوانب هذا الاختراق تمثل في تمكن الاستخبارات الإسرائيلية من السيطرة الكاملة على غالبية كاميرات مراقبة المرور في شوارع طهران. وقد جرى تشفير بث هذه الكاميرات وإرساله بشكل فوري ومباشر إلى خوادم داخل تل أبيب، مما أتاح مراقبة دقيقة ولحظية لجميع تحركات المسؤولين الإيرانيين ومرافقيهم الأمنيين.

في سياق متصل، لعبت الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية دوراً محورياً عبر استخدام خوارزميات متقدمة لتحليل البيانات الضخمة المستقاة من المراقبة. وساهمت هذه التقنيات في إضافة تفاصيل شديدة الحساسية للملفات الشخصية لحراس الأمن، شملت عناوين سكنهم، وساعات مناوباتهم، والطرق اليومية التي يسلكونها للوصول إلى مجمع شارع باستور المحصن.

وسمحت هذه المعطيات التقنية بتحديد موعد وجود المرشد الإيراني في مكتبه بدقة متناهية، خاصة في صباح يوم السبت الذي نُفذت فيه العملية. ولم يقتصر الأمر على الجانب السيبراني، بل أكدت مصادر استخباراتية أمريكية وجود عنصر بشري على الأرض ساهم في رصد التحركات الميدانية وتأكيد هوية المرافقين الموجودين مع المرشد في لحظة الاستهداف.

وقبيل تنفيذ الضربة بوقت قصير، جرى تفعيل ما يُعرف بـ 'العزل الرقمي' من خلال تعطيل مكونات تقنية داخل أبراج التغطية الخلوية المحيطة بموقع الاستهداف في طهران. أدى هذا الإجراء إلى جعل هواتف فريق الحماية تبدو مشغولة باستمرار، مما حال دون قدرة الحراس على تمرير أي بلاغات تحذيرية أو اتخاذ إجراءات طوارئ قبل وصول الصواريخ إلى أهدافها.

ونُفذت هذه الخطوة بتنسيق وثيق بين الاستخبارات الإسرائيلية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية لضمان عنصر المفاجأة الكاملة وشل حركة رد الفعل الإيرانية. وبحسب المعلومات، فإن الهجوم وقع في وضح النهار لتحقيق صدمة تكتيكية، واستخدمت فيه الطائرات الإسرائيلية صواريخ دقيقة متطورة قادرة على إصابة أهدافها من مسافات بعيدة جداً.

الصواريخ المستخدمة من طراز 'سبارو' تمتلك القدرة على تجاوز مسافة ألف كيلومتر، مما أتاح للطائرات المنفذة البقاء خارج نطاق الدفاعات الجوية الإيرانية وتجنب الرصد. وذكرت المصادر أن اختيار هذا التوقيت والأسلوب كان يهدف إلى ضمان تدمير الهدف قبل أن تتاح له فرصة الانتقال إلى منشآت أكثر تحصيناً تحت الأرض يصعب اختراقها بالأسلحة التقليدية.

وخلص التقرير إلى أن قرار الاغتيال كان قراراً سياسياً استراتيجياً اتخذته واشنطن وتل أبيب معاً، معتبرين أن تصفية المرشد في مرحلة مبكرة من المواجهة هو الخيار الأكثر فاعلية. وتجسد هذه العملية مزيجاً معقداً من التجسس البشري، والاختراق السيبراني، والتفوق العسكري الجوي، مما يجعلها واحدة من أكثر العمليات الأمنية حساسية في تاريخ المنطقة.

اسرائيليات

الأربعاء 04 مارس 2026 9:19 صباحًا - بتوقيت القدس

تل أبيب تدرس الانخراط في حماية المصالح الأمريكية بالخليج وسط تصعيد عسكري مع إيران

كشفت مصادر إعلامية عبرية، مساء الثلاثاء، عن تحركات دبلوماسية وأمنية مكثفة تجري في تل أبيب لبحث إمكانية الانخراط في حماية المصالح الأمريكية بمنطقة الخليج العربي. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات العسكرية غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة عقب اندلاع مواجهات مباشرة شملت عدة أطراف إقليمية ودولية.

ونقلت مصادر رسمية عن مسؤول إسرائيلي لم تكشف عن هويته أن هناك مداولات جادة تجري حالياً حول آليات توفير الحماية للمنشآت والمصالح الحيوية التابعة للولايات المتحدة. وأشار المصدر إلى أن هذه المناقشات تهدف إلى تعزيز الجهود الدفاعية الأمريكية المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة التي فرضها الواقع الميداني الجديد.

وأوضحت التقارير أن ما يُعرف بـ 'التحالف المشترك لدول المنطقة' يعكف حالياً على دراسة خطوات عملية لتوفير مظلة حماية لدول الخليج التي تعرضت لسلسلة من الهجمات. ويهدف هذا التحرك إلى صد التهديدات المنسوبة لإيران، والتي استهدفت أراضي ومصالح استراتيجية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأيام القليلة الماضية.

وفي سياق متصل، لفت المسؤول الإسرائيلي إلى أن التعاون الدفاعي مع واشنطن قد يتخذ طابعاً تبادلياً، حيث تسعى تل أبيب لرد الجميل للولايات المتحدة التي تساهم بشكل فعال في حماية أمنها. وتأتي هذه التصريحات لتعكس عمق التنسيق العسكري بين الجانبين في مواجهة الضربات الصاروخية التي تنطلق من الأراضي الإيرانية.

ميدانياً، تشهد المنطقة حالة من الغليان منذ فجر السبت الماضي، عقب بدء عدوان عسكري واسع شنته تل أبيب وواشنطن ضد أهداف داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد أسفر هذا التصعيد عن موجة من الردود العسكرية الإيرانية التي طالت دولاً عدة، من بينها الأردن والعراق، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الست.

وتؤكد طهران من جانبها أنها تستهدف بشكل مباشر ما تصفه بـ 'المصالح الأمريكية' رداً على الهجمات التي تتعرض لها، إلا أن بعض هذه الضربات أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين. وقد أثارت هذه الاعتداءات تنديداً واسعاً من دول مجلس التعاون الخليجي التي طالبت بضرورة وقف التصعيد واحترام السيادة الوطنية وحماية الأعيان المدنية.

وبالتوازي مع الهجمات في الخليج، تواصل طهران إطلاق رشقات مكثفة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة باتجاه مواقع عسكرية واستراتيجية داخل إسرائيل. ووفقاً للتقارير الميدانية، فقد أدت هذه الرشقات إلى وقوع قتلى وجرحى، في إطار ما تصفه إيران بالرد المشروع على استهداف قياداتها ومنشآتها الحيوية.

وتشير المعلومات الواردة إلى أن الهجمات الإسرائيلية والأمريكية المتواصلة تسببت في خسائر بشرية فادحة في صفوف الإيرانيين، حيث سقط مئات القتلى والجرحى. ومن بين الأنباء الأكثر خطورة، ما يتم تداوله حول مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي جراء إحدى الغارات الجوية، وهو ما لم يتم تأكيده رسمياً من كافة الأطراف حتى الآن.

ويأتي هذا الانفجار العسكري المفاجئ رغم وجود مؤشرات سابقة على إحراز تقدم في المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران بوساطة من سلطنة عمان. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يمثل انقلاباً ثانياً من قبل تل أبيب على مسار التفاوض الدبلوماسي، في تكرار لسيناريوهات سابقة أدت إلى اندلاع مواجهات كبرى في المنطقة.

وتتمسك إيران بموقفها المعلن بأن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، نافيةً سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل أو إنتاج رؤوس نووية. وفي المقابل، تواصل واشنطن وتل أبيب اتهام طهران بتطوير برامج صاروخية ونووية تشكل تهديداً وجودياً لأمن المنطقة وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين.

وفي ظل هذا الصراع المحتدم، تبرز التناقضات الدولية حول التسلح النووي، حيث تظل إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك ترسانة نووية غير خاضعة للرقابة. وتتزامن هذه القوة العسكرية مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وأجزاء من سوريا ولبنان، ورفض كافة المبادرات الرامية لإقامة دولة فلسطينية.

ويبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، مع استمرار الحشود العسكرية والتهديدات المتبادلة بين كافة الأطراف المنخرطة في الصراع. وتترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وسط مخاوف من تحول هذه المواجهات إلى حرب إقليمية شاملة تأتي على الأخضر واليابس في منطقة الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس

حسابات القوة والبقاء: لماذا يتريث الحوثيون في الانخراط الكامل بحرب إيران؟

تتصاعد التساؤلات حول طبيعة الدور الذي ستلعبه جماعة الحوثي في اليمن في ظل المواجهة العسكرية المباشرة التي اندلعت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. الجماعة التي سارعت لإدانة الهجوم الأمريكي الواسع على المنشآت الإيرانية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمفهوم 'وحدة الساحات' ومدى قدرتها على الانتقال من مربع التضامن السياسي إلى الانخراط العسكري الشامل.

أكدت جماعة الحوثي في بيان رسمي صادر عن المجلس السياسي الأعلى تضامنها الكامل مع طهران، محملة واشنطن وتل أبيب المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد الخطير. وأشارت الجماعة إلى أن توسيع دائرة الاستهداف لن يؤدي إلا إلى توسيع المواجهة، مما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد في الممرات المائية الحيوية التي تسيطر الجماعة على أجزاء منها.

يرى خبراء سياسيون أن الجماعة تنظر لنفسها كجزء أصيل من محور المقاومة، وتلتزم عقابياً بدعم إيران في مواجهة التهديدات الخارجية. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى الدخول العسكري المباشر يظل محكوماً بطبيعة الضربات المتبادلة، حيث يفضل الحوثيون حتى الآن الاكتفاء بعمليات رمزية أو محدودة في البحر الأحمر ما لم يتحول الصراع إلى حرب وجودية تهدد النظام في طهران.

تعد حسابات البقاء المحلي من أهم العوامل التي تحكم قرار الجماعة، إذ أن السيطرة على مناطق واسعة في شمال اليمن تفرض عليها تجنب ضربات أمريكية مباشرة قد تدمر بنيتها التحتية. هذه الموازنة الدقيقة بين الواجب الأيديولوجي والمصلحة السياسية تجعل من التحركات الحوثية مدروسة بعناية لضمان عدم الانزلاق إلى حرب شاملة قد تنهي نفوذهم الداخلي.

بعد الضربات التي تعرض لها حزب الله في لبنان وتراجع نفوذ طهران في سوريا، برز الحوثيون كأحد أقوى الأذرع الميدانية المتبقية في المنظومة الإيرانية. هذا الوضع الجديد منح الجماعة وزناً تفاوضياً أكبر داخل المحور، لكنه في الوقت ذاته وضع على عاتقها عبئاً ثقيلاً كونه جعلها الهدف التالي المحتمل في حال توسع رقعة الصراع الإقليمي.

تشير القراءات العسكرية إلى وجود ثلاثة سيناريوهات قد تدفع الحوثيين للتدخل الواسع، أولها تعرض المنشآت السيادية الكبرى في إيران لخطر الانهيار التام. أما السيناريو الثاني فيتمثل في صدور طلب علني ومباشر من القيادة الإيرانية لتفعيل كافة الجبهات، بينما يكمن الثالث في تعرض القيادات الحوثية العليا لاغتيالات أو ضربات مباشرة من قبل الطيران الأمريكي أو الإسرائيلي.

تعتمد إيران في إدارتها للمواجهة الحالية على استراتيجية الأنساق المتعددة، حيث يمثل الحوثيون وإغلاق مضيق باب المندب النسق الثالث والأخير في سلم التصعيد. وحتى اللحظة، يبدو أن طهران تفضل الاحتفاظ بهذه الورقة كذخيرة استراتيجية لحرب طويلة الأمد، أو كوسيلة ضغط لرفع كلفة الحرب على المجتمع الدولي في حال استمر الإصرار على إسقاط النظام.

يرى مراقبون عسكريون أن الطريقة التي تدار بها النيران حالياً تشير إلى رغبة إيرانية في إبقاء الصراع عند مستوى الغارات المتبادلة دون الانزلاق لصدام بري. وفي هذا السياق، فإن أي انخراط حوثي واسع في الوقت الراهن قد لا يضيف الكثير للزخم الصاروخي الإيراني، بل قد يستنزف قدرات الجماعة في توقيت غير مناسب لاستراتيجية المحور الكلية.

من الناحية النظرية، يظل احتمال انخراط الحوثيين قائماً بقوة، لكنه يصطدم بقدرة الجماعة على الصمود أمام القوة العسكرية الأمريكية الهائلة. الباحثون يشيرون إلى أن الجماعة قد تميل إلى إبقاء التصعيد 'تحت عتبة الحرب الشاملة'، من خلال تنفيذ هجمات نوعية ومحسوبة ضد أهداف إسرائيلية في البحر الأحمر، وهو ما يضمن لها البقاء في المشهد دون الانتحار عسكرياً.

يمثل غياب قيادات تاريخية في المحور فرصة للحوثيين لإثبات أنهم 'رأس حربة' المقاومة في المرحلة الراهنة، مما يعزز من شرعيتهم الداخلية تحت شعار الدفاع عن الأمة. هذا الخطاب التعبوي يستخدم بفعالية لتحشيد المقاتلين وتثبيت أركان حكمهم في اليمن، مستغلين حالة الغضب الشعبي من التدخلات الخارجية والاعتداءات على السيادة الإيرانية.

تدرك الجماعة أن انهيار المحور الإيراني سيجعلها مكشوفة تماماً أمام خصومها الإقليميين والمحليين، وهو ما يدفعها لإظهار الولاء المطلق لطهران في العلن. ومع ذلك، فإن هذا الولاء لا يعني بالضرورة التضحية بكل المكاسب التي تحققت في اليمن، بل يهدف إلى تحسين الموقع التفاوضي للجماعة في أي تسويات سياسية مستقبلية للملف اليمني.

الاستراتيجية الحوثية الحالية يمكن وصفها بـ 'المشاركة دون الانتحار'، وهي تهدف لإسناد إيران إعلامياً وعسكرياً بشكل غير مباشر بما لا يجر اليمن إلى مواجهة وجودية. هذه المناورة تمنح الجماعة القدرة على المناورة بين الضغوط الدولية والالتزامات الحليفة، مع الحفاظ على جهوزية عالية للرد في حال تغيرت قواعد الاشتباك بشكل دراماتيكي.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عمليات قتالية تهدف لتدمير الصناعة الصاروخية الإيرانية وإبادة أسطولها البحري، وهو ما يضع المنطقة على فوهة بركان. هذا الإعلان يرفع من سقف التوقعات بشأن الرد الحوثي، خاصة وأن الجماعة تعتبر أي هجوم على إيران هو هجوم على مشروعها السياسي والعقائدي بالدرجة الأولى.

في نهاية المطاف، يبقى الموقف الحوثي معلقاً بمدى تطور العمليات العسكرية على الأرض الإيرانية ومدى قدرة طهران على امتصاص الضربات الأولى. وإذا ما شعرت الجماعة أن الخناق بدأ يضيق على حليفتها الكبرى، فقد نشهد تحولاً جذرياً في العمليات العسكرية عند مضيق باب المندب، مما قد يقلب موازين التجارة العالمية ويفرض واقعاً جديداً على خارطة الصراع.

اقتصاد

الأربعاء 04 مارس 2026 7:33 صباحًا - بتوقيت القدس

أرامكو تدرس بدائل لمضيق هرمز ومصر تعرض ممر "سوميد" لتصدير النفط السعودي

كشفت مصادر مطلعة أن شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط العالمي، بدأت فعلياً في دراسة خيارات استراتيجية لتحويل مسار جزء كبير من صادراتها من النفط الخام نحو البحر الأحمر. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات الأمنية التي أدت إلى توقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، مما يهدد سلاسل الإمداد العالمية.

وتهدف الشركة من خلال هذا التحول إلى تفادي أي اضطرار لخفض مستويات الإنتاج الحالية، عبر الاعتماد بشكل أكبر على ميناء ينبع الواقع على ساحل البحر الأحمر كمنصة بديلة للتصدير. ومع ذلك، يرى محللون ومتعاملون أن السعة الإنتاجية لخط أنابيب النفط الذي يربط شرق المملكة بغربها قد تشكل عائقاً أمام الاستيعاب الكامل للكميات المطلوبة.

وتبلغ القدرة الاستيعابية الحالية لخط الأنابيب نحو خمسة ملايين برميل يومياً، علماً أن المملكة نجحت في عام 2019 برفع هذه القدرة استثنائياً إلى سبعة ملايين برميل. وقد تم ذلك عبر تحويل مسارات خطوط أنابيب سوائل الغاز الطبيعي لنقل النفط الخام بشكل مؤقت لمواجهة الظروف الطارئة آنذاك.

وفي سياق الإجراءات التنفيذية، أبلغت أرامكو عدداً من مشتري الخام العربي الخفيف بضرورة ترتيب عمليات تحميل شحناتهم من ميناء ينبع بدلاً من الموانئ الخليجية. وأكدت المصادر أن الشركة تعكف حالياً على تقييم حجم الطلب العالمي ومدى توافر الكميات الجاهزة للتصدير لضمان استمرارية الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.

من جانبه، أشار ريتشارد برونز، المؤسس المشارك لشركة إنرجي أسبكتس، إلى وجود تحديات لوجستية معقدة ترافق هذه العملية، لا سيما فيما يتعلق بمعدلات تحميل السفن في محطة ينبع. وأوضح أن الاعتماد المكثف على هذا المسار قد يؤثر على قدرة نقل سوائل الغاز الطبيعي، مما يتطلب موازنة دقيقة بين مختلف أنواع الصادرات.

ميدانياً، أفادت تقارير بإغلاق مصفاة رأس تنورة، التي تعد الكبرى في المملكة، عقب تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة يوم أمس، وهو ما يزيد من الضغوط على البنية التحتية للطاقة. وتدرس أرامكو حالياً كافة البدائل المتاحة، بما في ذلك تفعيل خط الأنابيب الممتد من حقل بقيق النفطي لضمان تدفق الإمدادات بعيداً عن مناطق التوتر.

وعلى الصعيد الإقليمي، دخلت مصر على خط الأزمة عبر عرض قدمه وزير البترول المصري كريم بدوي، الذي أكد استعداد بلاده لتسهيل نقل الخام السعودي. وأوضح بدوي أن البنية التحتية المصرية قادرة على استقبال النفط القادم من ينبع عبر البحر الأحمر وتحويله إلى الأسواق العالمية عبر ممرات بديلة.

وتعتمد الخطة المصرية على استخدام خط أنابيب "سوميد" الذي يربط العين السخنة على البحر الأحمر بميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، مما يوفر مخرجاً آمناً للنفط السعودي بعيداً عن المضائق المهددة. كما تمتلك مصر سفن تغييز متطورة في موانئ السخنة ودمياط لتعزيز قدرات تداول الطاقة في المنطقة.

وتشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك مع قفزات ملحوظة في أسعار النفط والغاز نتيجة الصراع العسكري المباشر وتأثيره على الملاحة في الخليج. وقد أدت الهجمات الأخيرة إلى شلل جزئي في عمليات الإنتاج في دول كبرى مثل قطر والعراق، مما يضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار حقيقي.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تهدد باستهداف اقتصاد المنطقة والحرس الثوري يتبنى هجمات على قواعد أمريكية بالخليج

أطلق الحرس الثوري الإيراني تحذيرات شديدة اللهجة تجاه القوى الإقليمية والدولية، مهدداً بتوسيع دائرة استهدافاته لتشمل كافة المراكز الاقتصادية في المنطقة. وجاء هذا التهديد على لسان المسؤول الكبير في الحرس الثوري، إبراهيم جباري، الذي ربط هذا التصعيد بتعرض المنشآت الحيوية الإيرانية لأي هجوم عسكري.

وأكد جباري في تصريحات نقلتها مصادر إيرانية أن طهران لن تتردد في الرد بشكل حاسم إذا ما قرر الخصوم استهداف مراكزها الأساسية. وأشار المسؤول الإيراني إلى أن تداعيات هذا التصعيد بدأت تظهر بالفعل في الأسواق العالمية، حيث تجاوز سعر برميل النفط حاجز 80 دولاراً، مع توقعات إيرانية بوصوله إلى 200 دولار قريباً.

وفي سياق متصل، شهدت الساعات الماضية تصعيداً ميدانياً خطيراً، حيث سُمع دوي انفجارات قوية في مدن خليجية كبرى شملت دبي والدوحة والمنامة. وأثارت هذه الانفجارات حالة من القلق الأمني في المنطقة، في ظل تزايد وتيرة التهديدات المتبادلة بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني رسمياً مسؤوليته عن تنفيذ هجمات واسعة النطاق فجر الثلاثاء، استخدمت فيها الطائرات المسيرة والصواريخ. واستهدفت هذه العمليات العسكرية القاعدة الجوية الأمريكية في منطقة الشيخ عيسى بمملكة البحرين، بالإضافة إلى استهداف قاعدة العديد الجوية في دولة قطر.

من جانبها، أعلنت السلطات القطرية عن نجاحها في إحباط محاولات هجومية كانت تستهدف مطار حمد الدولي في العاصمة الدوحة. وأكدت المصادر القطرية أن الدفاعات الجوية تعاملت مع التهديدات بفاعلية، مما حال دون وقوع أضرار في المنشأة الحيوية التي تعد شرياناً رئيسياً للنقل الجوي.

وفي تعليق رسمي على هذه التطورات، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، بأن دولة قطر لم تكن طرفاً في أي عمل عسكري ضد إيران. وشدد الأنصاري على أن ما تقوم به الدوحة حالياً يندرج ضمن ممارسة الحق المشروع في الدفاع عن النفس وحماية السيادة الوطنية من أي اعتداء.

وعلى الرغم من التهديدات الواسعة، حرصت طهران على نفي استهداف الحقول النفطية في المملكة العربية السعودية في الوقت الراهن. وأوضحت مصادر إيرانية أن المنشآت النفطية السعودية ليست ضمن بنك الأهداف الحالي، رغم التحذيرات السابقة التي شملت كافة المراكز الاقتصادية في الإقليم.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الهجمات الإيرانية الأخيرة جاءت رداً على ما تصفه طهران بالتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد مصالحها. وتتخوف الأوساط الدولية من أن يؤدي استمرار استهداف القواعد العسكرية في الخليج إلى اندلاع مواجهة شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية.

ويبقى الوضع في المنطقة مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل إصرار الحرس الثوري على ربط أمن المنطقة الاقتصادي بأمن منشآته الداخلية. وتراقب العواصم الكبرى بحذر مسار الأحداث، خاصة مع تلويح طهران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

سنتكوم تكشف حصيلة العمليات ضد إيران: تدمير الأسطول البحري واستهداف 2000 موقع

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن حصيلة أولية ثقيلة للعمليات العسكرية الجارية ضد إيران، مؤكدة تدمير 17 سفينة حربية وغواصة واحدة تابعة للبحرية الإيرانية. وأوضحت المصادر العسكرية أن القوات المشتركة شنت هجمات واسعة النطاق استهدفت ما يقرب من 2000 موقع استراتيجي في عمق الأراضي الإيرانية منذ انطلاق العدوان فجر السبت الماضي.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تقارير تفيد بمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين جراء الضربات الجوية المكثفة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل. وأشارت المصادر إلى أن العمليات العسكرية تهدف إلى تقويض القدرات الدفاعية والهجومية لطهران بشكل كامل ومنعها من تهديد الممرات المائية الدولية.

وفي تصريحات مصورة، أكد القائد العسكري كوبر أن السيطرة البحرية الأمريكية باتت مطلقة في المنطقة، حيث لم تعد هناك أي قطعة بحرية إيرانية تبحر في مياه الخليج العربي أو مضيق هرمز أو خليج عمان. وشدد على أن القوات الجوية نجحت في إضعاف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وتدمير المئات من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

وكشفت القيادة المركزية أن حجم القصف الجوي في الساعات الأربع والعشرين الأولى من العملية العسكرية الحالية تجاوز ضعف كثافة النيران التي شهدتها عملية 'الصدمة والرعب' ضد العراق في عام 2003. وأكدت المصادر أن الهجمات مستمرة على مدار الساعة لضمان شل حركة القوات الإيرانية ومنعها من إعادة التموضع أو الرد بفعالية.

من جانبها، ردت طهران بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية، حيث قدرت المصادر الأمريكية عدد الصواريخ المطلقة بأكثر من 500 صاروخ، بالإضافة إلى نحو 2000 طائرة مسيرة. واستهدفت هذه الهجمات مواقع وصفتها طهران بأنها قواعد أمريكية في دول المنطقة، مما أسفر عن وقوع ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين.

وعلى صعيد الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية، كشفت وزارة الدفاع عن أسماء أربعة جنود من قوات الاحتياط قتلوا في هجوم بطائرة مسيرة إيرانية استهدف موقعاً في الكويت مطلع مارس الجاري. والقتلى هم النقيب كودي خورك، والرقيب أول نوح تيتينز، والرقيب أول نيكول أمور، والرقيب ديكلان كودي، وتتراوح أعمارهم بين 20 و42 عاماً.

وأفادت مصادر طبية عسكرية بإصابة 18 جندياً أمريكياً آخرين بجروح وصفت بالخطيرة خلال المواجهات المستمرة، حيث تم نقلهم لتلقي العلاج في منشآت طبية متخصصة. وتزامن ذلك مع إعلان 'سنتكوم' عن فقدان ثلاث مقاتلات من طراز 'F-15E Strike Eagle' فوق الأجواء الكويتية نتيجة ما يبدو أنه حادث نيران صديقة.

وفي سياق ردود الفعل الإقليمية، أعربت دول مجلس التعاون الخليجي عن إدانتها الشديدة للاعتداءات الإيرانية التي طالت الأعيان المدنية في المنطقة، مطالبة بوقف فوري للتصعيد العسكري. وحذرت الدول الخليجية من تداعيات استمرار النزاع على أمن واستقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلامة الملاحة في الممرات الدولية الحيوية.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن القوات الأمريكية تواصل تدمير مخازن السلاح الاستراتيجية الإيرانية، بما في ذلك مستودعات الصواريخ بعيدة المدى ومصانع إنتاج المسيرات. ويرى مراقبون أن هذه العملية تمثل التحول العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود، بالنظر إلى حجم الأهداف ونوعية الشخصيات المستهدفة في هرم السلطة الإيرانية.

ومع استمرار الغارات الجوية، تترقب الأوساط الدولية مآلات هذا الصراع المفتوح، في ظل إصرار واشنطن على مواصلة الضربات 'على مدار الساعة'. وتظل التساؤلات قائمة حول قدرة النظام الإيراني على الصمود في وجه هذه الحملة العسكرية الشاملة التي استهدفت مفاصل الدولة العسكرية والسياسية بشكل مباشر.

فلسطين

الأربعاء 04 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

وثائق إسرائيلية رسمية تعزز الرواية الفلسطينية حول مجازر النكبة والتهجير القسري

أفادت مصادر صحفية بأن وثائق إسرائيلية كُشف عنها مؤخراً تضمنت تفاصيل إضافية حول أحداث النكبة عام 1948، حيث أكدت هذه الوثائق صحة الرواية الفلسطينية المتعلقة بالتهجير القسري والمجازر المرتكبة. واعتبرت قراءات تحليلية أن هذه الوثائق لا تقدم حقائق مجهولة بقدر ما توثق رسمياً ما نقله الفلسطينيون عبر أجيالهم المتعاقبة من شهادات حية وواقعية.

وانتقدت الكاتبة الإسرائيلية عميرة هاس محاولات تصوير هذه الوثائق كـ 'اكتشاف مفاجئ' للحقيقة، مشيرة إلى أن الفلسطينيين لم ينتظروا فتح الأرشيفات الإسرائيلية ليروا مأساتهم. وأوضحت هاس في مقال لها أن شهادات الناجين والمهجرين كانت كافية لصياغة رواية متماسكة عن التطهير العرقي الذي مورس ضدهم منذ اللحظات الأولى للصراع.

وأشارت المصادر إلى أن المؤرخين الذين استعرضوا هذه الوثائق، ومن بينهم آدم راز، اعتمدوا في أبحاثهم على أعمال مؤرخين فلسطينيين بارزين مثل صالح عبد الجواد وعادل منّاع. هؤلاء الباحثون استندوا بدورهم إلى الذاكرة الشفوية الدقيقة لأهالي القرى والمدن المهجرة، مما يثبت أن المعرفة الفلسطينية بالحدث كانت سابقة للتوثيق الأكاديمي العبري.

وتطرقت التقارير إلى قضية حجب المعلومات، حيث كشفت أن الأرشيفات الإسرائيلية تضم نحو 17 مليون ملف، لا يزال أكثر من 16 مليون ملف منها مغلقاً أمام الجمهور والباحثين. ويرى مراقبون أن استمرار إخفاء هذه الوثائق يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الجرائم الموثقة فيها، والتي لو كانت تنفي الرواية الفلسطينية لسارعت السلطات بنشرها.

كما لفتت التحليلات إلى وجود 'هرمية للحقيقة' في الأوساط الإسرائيلية، حيث يتم منح المصداقية للوثيقة الرسمية المسربة بينما يتم تهميش شهادات الضحايا الفلسطينيين. ومع ذلك، أثبتت التجارب التاريخية أن الوثائق الرسمية غالباً ما تأتي لاحقاً لتؤكد صحة ما قاله الفلسطينيون عن ممارسات الاحتلال في الميدان.

وضربت الكاتبة أمثلة على ذلك من التاريخ القريب، مثل استخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين في قطاع غزة واستهداف العائلات بشكل مباشر خلال الحروب المتلاحقة. هذه الوقائع التي أنكرتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في البداية، عادت الوثائق والتحقيقات الرسمية لتثبت حدوثها تماماً كما رواها شهود العيان الفلسطينيون.

وفي الختام، شددت القراءة التحليلية على أن جوهر القضية الفلسطينية والتهجير لم يكن يوماً غامضاً أو بحاجة لشهادة من الجاني ليكون حقيقة. فالرواية الفلسطينية بقيت حية في ذاكرة 'الحاضرين الغائبين' وفي سرديات المقاومة، والوثائق الجديدة ليست سوى تفاصيل تقنية تضاف إلى حقيقة تاريخية راسخة ومعمدة بالدم واللجوء.

فلسطين

الأربعاء 04 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

بطل «صحاب الأرض» يكشف سر انحناءة ظهره: أعاني من مرض مناعي نادر

خرج الممثل المصري محمد يوسف، المعروف فنياً بلقب 'أوزو'، عن صمته ليوضح للجمهور طبيعة حالته الصحية التي أثارت تساؤلات واسعة مؤخراً. وجاء ذلك بعد ملاحظة المتابعين لانحناءة واضحة في ظهره خلال مشاركته في تصوير مسلسل 'صحاب الأرض' المقرر عرضه في موسم دراما رمضان 2026.

وأعلن 'أوزو' عبر منصات التواصل الاجتماعي أنه يعاني من مرض مناعي مزمن ونادر يُعرف بـ 'التهاب الفقرات التصلبي'. وأشار الفنان إلى أنه يتبع حالياً بروتوكولاً علاجياً مكثفاً يعتمد على العلاج البيولوجي، بهدف السيطرة على الحالة ومنع تدهور الفقرات بشكل أكبر مما هي عليه الآن.

وفي تفاصيل رحلته العلاجية، كشف يوسف أنه زار أحد أطباء التجميل برفقة الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، لتقييم إمكانية إجراء جراحة تصحيحية. إلا أن الطبيب نصحه بالانتظار لمدة عام كامل قبل التدخل الجراحي، رغم أن فترة النقاهة المتوقعة لمثل هذه العمليات لا تتجاوز ستة أشهر.

وأكد الفنان المصري إصراره على البحث عن حل جراحي لدى طبيب مختص يراعي تعقيدات حالته الصحية والمناعية. وأوضح أنه يبذل جهوداً مضنية للتعامل مع الآلام الشديدة التي يسببها المرض، مستعيناً بأساليب علاجية متنوعة تشمل العلاج المائي واليدوي لضمان استمرارية قدرته على العمل والحركة.

وشدد 'أوزو' على أنه لم يكن يرغب في كشف تفاصيل مرضه للعلن أو استدرار عطف المتابعين، مؤكداً أن الكثير من المقربين منه لم يكونوا على دراية بمعاناته. وقدم اعتذاره لكل من انتقد هيئته الخارجية أو طريقة سيره في المسلسل، موضحاً أن الأمر خارج عن إرادته تماماً.

ويؤدي محمد يوسف في مسلسل 'صحاب الأرض' شخصية 'أبو علي'، وهو رجل فلسطيني يكرس حياته لتأمين المستلزمات الأساسية لأهالي قطاع غزة. وتدور أحداث العمل في سياق معركة 'طوفان الأقصى'، حيث يسلط الضوء على الصمود الفلسطيني في وجه التحديات الإنسانية الصعبة التي يفرضها الاحتلال.

وقد حظي أداء 'أوزو' بإشادات واسعة من الجمهور الذي تفاعل مع شخصيته بعمق، لدرجة أن البعض ظن أنه ممثل فلسطيني نظراً لإتقانه الدور. ويشارك في بطولة هذا العمل الدرامي الضخم نخبة من النجوم، من بينهم منة شلبي، وإياد نصار، وكامل الباشا، وآدم بكري.

يُذكر أن مسيرة محمد يوسف الفنية بدأت بظهور مميز في مسلسل 'الدالي' مع الفنان الراحل نور الشريف، حيث قدم دور ابنه الأكبر. وتوالت نجاحاته بعد ذلك في أعمال درامية بارزة تركت بصمة لدى المشاهد العربي، مثل 'ذات'، و'الاختيار'، وصولاً إلى مشاركته اللافتة في مسلسل 'الحشاشين'.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 2:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ويوبخ بريطانيا بسبب الموقف من إيران

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، عن اتخاذ إجراءات عقابية صارمة تجاه إسبانيا، شملت قراراً بقطع كافة العلاقات التجارية معها. وجاء هذا التصعيد المفاجئ في أعقاب رفض الحكومة الإسبانية السماح للطائرات والجيش الأمريكي باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها لتنفيذ مهام قتالية وغارات جوية تستهدف مواقع في إيران.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض، وصف ترامب الموقف الإسباني بأنه 'سيئ جداً'، مشيراً إلى أنه أصدر تعليمات مباشرة لوزير الخزانة سكوت بيسنت للبدء فوراً في تعليق وإلغاء كافة الاتفاقيات التجارية المبرمة بين واشنطن ومدريد. وأكد الرئيس الأمريكي بلهجة حازمة أن بلاده لا ترغب في استمرار أي نوع من الروابط الاقتصادية مع دولة تعرقل الجهود العسكرية الأمريكية.

وفي سياق متصل، لم تسلم بريطانيا من عتاب الرئيس الأمريكي، حيث أعرب ترامب عن خيبة أمله من تراجع مستوى التنسيق مع لندن. وأشار في تصريحات صحفية إلى أنه من المحزن رؤية العلاقة التاريخية مع المملكة المتحدة وهي تفقد بريقها وقوتها المعهودة، خاصة بعد الموقف المتردد الذي أبداه رئيس الوزراء كير ستارمر تجاه العمليات العسكرية الأخيرة.

وانتقد ترامب امتناع ستارمر الأولي عن تقديم الدعم الصريح للضربات الجوية ضد طهران، معتبراً أن هذا السلوك يختلف تماماً عما كان متوقعاً من الحليف الأقرب للولايات المتحدة. وأوضح أن واشنطن، رغم امتلاكها القدرة على خوض المواجهات في الشرق الأوسط بمفردها، كانت تنتظر مساهمة فعالة من الجانب البريطاني في هذه المرحلة الحرجة.

وعلى نقيض الموقف من مدريد ولندن، كال ترامب المديح لفرنسا ودول أوروبية أخرى، واصفاً استجابتهم وتعاونهم بـ 'الرائع'. وأكد أن هذه الدول أدركت طبيعة التحديات الأمنية الراهنة وانخرطت بفعالية في دعم التحركات الأمريكية الإسرائيلية المتصاعدة ضد النظام الإيراني، مما يعزز التحالف الدولي في المنطقة.

وفي غضون ذلك، استقبل ترامب المستشار الألماني فريدريش ميرتس في المكتب البيضاوي، حيث قدم له الشكر الجزيل على التسهيلات التي قدمتها برلين. وأفادت مصادر بأن ألمانيا سمحت للقوات الجوية الأمريكية باستخدام قواعد محددة على أراضيها لعمليات الهبوط والتموين، وهو ما اعتبره ترامب دعماً حيوياً للعملية العسكرية الجارية.

من جانبه، أكد المستشار الألماني ميرتس أن هناك توافقاً كاملاً في الرؤى بين برلين وواشنطن فيما يتعلق بضرورة التخلص من النظام الحالي في إيران. وأشار ميرتس إلى أن المباحثات مع الجانب الأمريكي لم تقتصر على العمليات العسكرية فحسب، بل تناولت أيضاً التخطيط للمرحلة التي ستلي سقوط النظام الإيراني وكيفية إدارة الاستقرار في المنطقة.

وأوضح ميرتس أن التعاون مع الولايات المتحدة ينبع من الرغبة المشتركة في إنهاء ما وصفه بـ 'النظام البغيض'، مؤكداً أن المباحثات ستستمر لتشمل ملفات دولية أخرى شائكة. ومن أبرز هذه الملفات الحرب الروسية في أوكرانيا، حيث يسعى الطرفان لتوحيد المواقف تجاه التهديدات الأمنية في القارة الأوروبية والشرق الأوسط على حد سواء.

ورغم الدعم الألماني الواضح، أشار مراقبون إلى أن ميرتس قد يواجه ضغوطاً سياسية داخلية في ألمانيا بسبب حساسية التورط في نزاع عسكري مباشر. ومع ذلك، لم يبدِ المستشار أي تحفظات علنية على الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة يوم الأحد الماضي، رغم الجدل القانوني الدولي الذي يحيط بتلك العمليات.

وطمأن ترامب الجانب الألماني بأن الولايات المتحدة لا تطلب إرسال قوات برية ألمانية للمشاركة في القتال، بل تكتفي بالدعم اللوجستي واستخدام القواعد. وأثنى الرئيس الأمريكي على القيادة الألمانية، واصفاً ميرتس بأنه 'قائد ممتاز' نجح في جعل الأمور أكثر سهولة وراحة للقوات الأمريكية خلال تنفيذ مهامها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً غير مسبوق، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لتضييق الخناق على طهران عبر تحالفات عسكرية واقتصادية مكثفة. ويمثل قرار قطع التجارة مع إسبانيا رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لأي حليف يتردد في الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه الشرق الأوسط.

ختاماً، يرى محللون أن هذه التحركات تعيد رسم خارطة العلاقات الأطلسية، حيث يتم تصنيف الحلفاء بناءً على مدى استجابتهم للمطالب العسكرية المباشرة. وبينما تتقارب واشنطن مع برلين وباريس، يبدو أن مدريد ولندن تواجهان مرحلة من الفتور والتوتر الدبلوماسي قد تمتد آثارها لسنوات قادمة في ظل إدارة ترامب.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 2:05 صباحًا - بتوقيت القدس

تخبط في البيت الأبيض: 4 مبررات متناقضة لترمب بشأن الحرب على إيران

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب موجة من الجدل في الأوساط السياسية، بعد تقديمه أربعة تبريرات مختلفة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران. وتأتي هذه التناقضات في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، وسط انتقادات حادة من مشرعين أمريكيين اعتبروا خطاب البيت الأبيض يفتقر للاتساق الاستراتيجي.

وكان ترمب قد شدد في خطاباته على أن النظام الإيراني، المسلح بصواريخ بعيدة المدى وطموحات نووية، يمثل تهديداً وجودياً ومباشراً لكل مواطن أمريكي. وادعى الرئيس الأمريكي أن عملية 'مطرقة منتصف الليل' التي نُفذت العام الماضي نجحت بالفعل في تدمير المنشآت النووية الرئيسية في فردو ونطنز وأصفهان، مما أثار تساؤلات حول استمرار التهديد النووي الذي يتذرع به حالياً.

ومنذ الإعلان الرسمي عن بدء العمليات العسكرية المشتركة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كرر ترمب تعهداته بمنع طهران من حيازة السلاح الذري. هذا الإصرار جاء متناقضاً مع تصريحاته السابقة التي أكد فيها القضاء على القدرات النووية الإيرانية، مما عكس حالة من الارتباك في تحديد الدوافع الحقيقية وراء استمرار الحملة العسكرية الواسعة.

وفي سياق متصل، انتقلت أهداف الحرب في خطاب ترمب من الجانب الدفاعي إلى الهجومي الشامل، حيث صرح بأن الجيش الأمريكي ينفذ عملية ضخمة لتدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية بالكامل. وأكد في تصريحاته الأخيرة أن الهدف هو تسوية صناعة الصواريخ بالأرض ومحوها تماماً لضمان عدم تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم.

ولم تتوقف الطموحات العسكرية عند تدمير العتاد، بل انتقلت سريعاً نحو هدف القضاء على بنية النظام وقياداته السياسية والعسكرية. وأعلن ترمب في الثاني من مارس الجاري أن المرشد الإيراني علي خامنئي قد فارق الحياة، مشيراً إلى أن القيادة العسكرية الإيرانية انتهت فعلياً وأن الكثير من القادة يسعون للاستسلام لإنقاذ حياتهم.

وفي تحول دراماتيكي آخر، بدأ الرئيس الأمريكي يروج للحرب كعملية 'تحرير' تهدف إلى منح الشعب الإيراني الحرية واستعادة بلادهم من قبضة النظام. ودعا ترمب من وصفهم بـ 'الوطنيين الإيرانيين' إلى اغتنام اللحظة الراهنة والتحلي بالشجاعة لاستعادة دولتهم، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستقدم الدعم اللازم لتحقيق هذا التحول السياسي.

هذا التذبذب في الأهداف والمبررات دفع النائب الديمقراطي جيك أوشينكلوس إلى شن هجوم لاذع على الإدارة الأمريكية، متسائلاً عن مدى جدية القائد الأعلى الذي يغير مبررات الحرب أربع مرات في غضون ثلاثة أيام فقط. وأشار أوشينكلوس في تصريحات صحفية إلى أن هذا التناقض يضعف الموقف الأمريكي أمام المجتمع الدولي ويثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية للعملية.

من جانبه، حذر إريك برينس، مؤسس شركة 'بلاك ووتر'، من التداعيات الكارثية لهذه الحرب، مؤكداً أنها ستفتح 'صندوقاً من الفوضى والدمار' داخل إيران. وأعرب برينس عن قلقه من غياب رؤية واضحة لمن سيتولى زمام الأمور في حال انهيار الدولة، معتبراً أن هذا المسار قد لا يتوافق مع وعود ترمب الانتخابية بتقليل التدخلات العسكرية الخارجية.

وتشير تقارير من مصادر مطلعة إلى أن التخبط في الخطاب السياسي يعكس انقساماً داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن حول المدى الذي يجب أن تصل إليه الحرب. فبينما يضغط تيار نحو تغيير شامل للنظام، يرى آخرون ضرورة الاكتفاء بتحجيم القدرات العسكرية الإيرانية ومنعها من تشكيل تهديد إقليمي مستقبلي.

وفي ظل هذه التطورات، تترقب الأوساط الدولية الخطوات القادمة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، خاصة مع تزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الإدارة الأمريكية على توحيد خطابها السياسي وتبرير التكاليف البشرية والمادية الباهظة لهذه المواجهة العسكرية المفتوحة.

ختاماً، يرى مراقبون أن استراتيجية ترمب تعتمد على الضغط الأقصى والمفاجأة، لكنها تفتقر إلى خطة واضحة لما بعد الحرب. ومع استمرار العمليات العسكرية، يظل المشهد الإيراني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل غياب بديل سياسي واضح وتصاعد حدة الدمار التي طالت البنية التحتية العسكرية والمدنية في البلاد.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 2:04 صباحًا - بتوقيت القدس

مشهد تحتضن جثمان خامنئي وإيران تبدأ مرحلة انتقالية وسط تصعيد عسكري

كشفت مصادر إعلامية رسمية في طهران عن الترتيبات المتعلقة بمراسم دفن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، الذي فارق الحياة إثر غارات جوية استهدفت مقر إقامته تزامناً مع انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران يوم السبت الماضي. ومن المقرر أن يُنقل الجثمان إلى مدينة مشهد الواقعة شمال شرق البلاد لمواراته الثرى، وهي المدينة التي شهدت مسقط رأسه وتتمتع بمكانة دينية بارزة لدى الإيرانيين.

ويأتي رحيل خامنئي عن عمر ناهز 86 عاماً، قضى منها نحو ثلاثة عقود ونصف في سدة الحكم كأعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد منذ عام 1989. وقد وقع الاختيار على مدينة مشهد لكونها تحتضن مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، وهو الموقع الذي دُفن فيه والد المرشد الراحل سابقاً، مما يضفي صبغة رمزية وتاريخية على قرار مكان الدفن الذي لم يُحدد موعده النهائي بعد.

وفي أعقاب هذا التطور الدراماتيكي، دخلت الدولة الإيرانية رسمياً في مرحلة انتقالية حساسة لإدارة الفراغ القيادي، حيث انتقلت كافة الصلاحيات الدستورية للمرشد إلى مجلس قيادي مؤقت. ويضم هذا المجلس كلاً من رئيس الجمهورية مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، بالإضافة إلى عضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي، لضمان استمرارية مؤسسات الدولة.

ويتولى هذا المجلس الثلاثي مهام الإشراف على السياسات العليا للدولة وإدارة شؤون البلاد الجارية إلى حين تمكن مجلس خبراء القيادة من اختيار خليفة دائم للمنصب. وتعد هذه المرحلة هي الثانية من نوعها في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، حيث كانت المرة الأولى عقب وفاة مؤسس النظام روح الله الخميني قبل نحو ستة وثلاثين عاماً.

وعلى صعيد الإجراءات الدستورية، يقع العبء الأكبر على عاتق مجلس خبراء القيادة المكون من 88 عضواً، والمنوط به قانوناً اختيار الشخصية التي ستشغل منصب المرشد الأعلى. وأفادت مصادر مطلعة بأن المشاورات داخل المجلس قد تشهد تأخيراً طفيفاً، حيث تُعطى الأولوية حالياً لإتمام مراسم التشييع الرسمية وتأمين الجبهة الداخلية في ظل الظروف العسكرية الراهنة.

بالتزامن مع هذه التحولات السياسية، تعرضت البنية التحتية لمجلس الخبراء لهجمات صاروخية، حيث أفادت مصادر ميدانية بوقوع ضربات استهدفت مبنى تابعاً للمجلس في مدينة قم المقدسة يوم الثلاثاء. وتأتي هذه الغارات استكمالاً لسلسلة استهدافات طالت المقر الرئيسي للمجلس في العاصمة طهران يوم الإثنين، مما يعكس حجم الضغوط العسكرية التي تواجهها مراكز صنع القرار.

وتعيش العاصمة الإيرانية والمدن الكبرى حالة من الترقب المشوب بالحذر، في انتظار الإعلان الرسمي عن الجدول الزمني لمراسم التشييع التي من المتوقع أن تشارك فيها حشود غفيرة. وفي غضون ذلك، تستمر اللجان الفنية والأمنية في ترتيب الإجراءات اللوجستية لنقل الجثمان إلى مشهد، وسط إجراءات أمنية مشددة تفرضها القوات المسلحة لتأمين المسار الجوي والبري للجنازة.

عربي ودولي

الأربعاء 04 مارس 2026 2:04 صباحًا - بتوقيت القدس

توافق لبناني على تأجيل الانتخابات البرلمانية وتمديد ولاية المجلس لعامين

أفادت مصادر لبنانية رفيعة المستوى بأن القادة السياسيين في البلاد توصلوا إلى تفاهمات أولية تقضي بتأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المفترض إجراؤها في شهر مايو/أيار المقبل. ويشمل هذا الاتفاق تمديد ولاية البرلمان الحالي لمدة عامين إضافيين، في خطوة تعكس حجم التحديات الأمنية والسياسية التي تفرضها المواجهة العسكرية الحالية.

وأوضحت المصادر أن هذا القرار جاء عقب اجتماعات مكثفة ضمت رئيس الجمهورية ورئيسي الحكومة والبرلمان يوم الثلاثاء، حيث جرى التوافق على ضرورة ترحيل الاستحقاق الانتخابي. ومع ذلك، لا يزال هذا التوجه بانتظار العرض على الهيئة العامة للبرلمان للحصول على موافقة أغلبية الأعضاء البالغ عددهم 128 نائباً ليدخل حيز التنفيذ القانوني.

يأتي هذا التحول السياسي في وقت يعاني فيه لبنان من تداعيات عدوان إسرائيلي واسع النطاق، زادت حدته خلال الأسبوع الأخير بالتزامن مع توترات إقليمية متصاعدة. وقد أشار مسؤولون إلى أن البيئة الأمنية الراهنة والنزوح الواسع للسكان يجعلان من المستحيل تنظيم عملية انتخابية شفافة أو آمنة في المواعيد الدستورية المحددة مسبقاً.

ميدانياً، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها العنيفة للسيادة اللبنانية، حيث شنت سلسلة غارات وعمليات قصف أسفرت عن ارتقاء عشرات الشهداء وإصابة آخرين. وتتزامن هذه الهجمات مع محاولات توغل بري رصدتها مصادر ميدانية في عدة بلدات حدودية جنوبي البلاد، مما فاقم من سوء الأوضاع الإنسانية والأمنية.

وفي سياق متصل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن قواته التابعة للفرقة 91 بدأت بالانتشار في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية بذريعة تعزيز منظومة الدفاع الأمامي. وزعم بيان لجيش الاحتلال أن هذه التحركات تهدف إلى تأمين المستوطنات الشمالية وحمايتها من أي تهديدات محتملة، في ظل استمرار العمليات القتالية على طول الخط الحدودي.

من جانبه، كشف وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن صدور تعليمات مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للجيش بضرورة التوسع في العمليات البرية والتقدم نحو مناطق إضافية في العمق اللبناني. وتأتي هذه التصريحات لتؤكد إصرار الاحتلال على مواصلة التصعيد العسكري ورفض دعوات التهدئة الدولية التي أطلقت مؤخراً.

يُذكر أن لبنان كان قد أجرى آخر انتخاباته التشريعية في عام 2022، ومنذ ذلك الحين دخلت البلاد في دوامة من الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة. ويخشى مراقبون أن يؤدي تمديد ولاية البرلمان إلى مزيد من الجدل السياسي الداخلي، رغم إجماع القوى الكبرى على صعوبة إجراء الانتخابات تحت وطأة القصف والتوغل البري الإسرائيلي.