منوعات

الإثنين 16 مارس 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

نجمة "عرين التنين" تثير عاصفة من الجدل بانتقادها للاحتلال وهجومها الحاد على ترامب

تصدرت ديبورا ميدن، الشخصية البارزة في برنامج الاستثمار الشهير "عرين التنين"، منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار البريطانية عقب سلسلة من المنشورات الجريئة. انتقدت ميدن في تدويناتها السياسات الإسرائيلية في المنطقة، كما شنت هجوماً لاذعاً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واصفة إياه بـ "الشاذ" و"الخنزير".

جاءت هذه التصريحات في أعقاب الضربات العسكرية المتبادلة بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، حيث عبرت النجمة البالغة من العمر 67 عاماً عن مواقف سياسية حادة. وقد أثارت هذه المنشورات ردود فعل متباينة بين مؤيد لجرأتها ومعارض يتهمها بتجاوز الخطوط الحمراء في العمل الإعلامي.

من جانبه، شن داني كوهين، المدير السابق لقسم التلفزيون في إحدى المؤسسات الإعلامية الكبرى، هجوماً مضاداً على ميدن، متهماً إياها بنشر معلومات مضللة. واعتبر كوهين أن ما تنشره ميدن يمثل "دعاية لنظام إيران" ويروّج لنظريات مؤامرة معادية للسامية أمام مئات الآلاف من متابعيها.

وأشار كوهين في تصريحات صحفية إلى أن استمرار ميدن في نشر مثل هذه المحتويات يلحق ضرراً جسيماً بسمعة المؤسسة الإعلامية التي ارتبطت بها لسنوات. وطالب بضرورة اتخاذ إجراءات حازمة تجاهها، مؤكداً أن مكانتها كوجه إعلامي معروف تفرض عليها مسؤولية أخلاقية ومهنية.

في المقابل، حاولت الجهة الإعلامية المسؤولة عن برنامجها التخفيف من وطأة الأزمة عبر توضيح الوضع القانوني لميدن. وأكد متحدث رسمي أن ديبورا تعمل كمساهمة مستقلة وليست موظفة دائمة، مما يمنحها مساحة من الحرية الشخصية في التعبير عن آرائها الخاصة.

وشدد المتحدث على أن قواعد الحياد الصارمة التي تُطبق على الموظفين الرسميين لا تشمل المتعاقدين المستقلين في منشوراتهم الشخصية. ومع ذلك، لم يمنع هذا التوضيح كوهين من مواصلة انتقاداته، معتبراً أن استخدام الصفة الوظيفية كذريعة للتهرب من المسؤولية أمر غير مقبول.

تضمنت منشورات ميدن المثيرة للجدل مزاعم تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تقع تحت تأثير مباشر من جماعات ضغط صهيونية. كما أعادت نشر تدوينات تدعي أن الكونغرس الأمريكي يتم التحكم فيه بشكل كامل من قبل قوى خارجية تدعم الاحتلال الإسرائيلي.

ولم تكتفِ ميدن بذلك، بل وصفت ترامب بأنه "مطيع لإسرائيل" و"مغفل عديم العقل"، متهمة إياه بحماية المعتدين وقصف الأطفال. هذه اللغة الهجومية الحادة زادت من حدة الاستقطاب حول شخصيتها، خاصة مع تزايد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

كما اتُهمت النجمة البريطانية بالترويج لمحتوى صادر عن شخصيات مثيرة للجدل، من بينهم المعلق الأمريكي تاكر كارلسون. ويُذكر أن كارلسون واجه اتهامات عديدة بالعداء للسامية من قبل منظمات حقوقية دولية، مما جعل إعادة نشر مواده مادة دسمة للانتقاد.

ورغم العاصفة السياسية، واصلت ميدن الترويج لبرنامجها "عرين التنين" عبر حساباتها، وهو ما اعتبره خصومها استغلالاً تجارياً لاسم البرنامج. ورأى منتقدون أن دمج المحتوى السياسي الهجومي مع الترويج البرامجي يمثل خرقاً واضحاً لإرشادات السلوك المهني المتعارف عليها.

تعيد هذه الواقعة إلى الأذهان أزمات سابقة واجهها إعلاميون بريطانيون بسبب مواقفهم السياسية من الصراع في الشرق الأوسط. ويبرز اسم غاري لينكر كأحد أبرز الأمثلة، حيث اضطر للاستقالة سابقاً بعد منشورات اعتبرت مسيئة، قبل أن يتم تسوية الأزمة لاحقاً.

ويرى مراقبون أن قضية ميدن تفتح الباب مجدداً للنقاش حول حدود حرية التعبير للمشاهير الذين يعملون مع مؤسسات إعلامية ممولة من القطاع العام. فبينما يدافع البعض عن حقها في التعبير عن رأيها كفرد، يرى آخرون أن شهرتها مستمدة من المؤسسة التي تمثلها.

وتشير التقارير إلى أن الضغوط تتزايد على القناة لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً، خاصة مع اتهام ميدن بنشر "معلومات مضللة". وتخشى المؤسسات الإعلامية من أن تؤدي هذه السجالات إلى تآكل ثقة الجمهور في حيادها ومصداقيتها المهنية.

حتى اللحظة، لم تصدر ديبورا ميدن أي اعتذار رسمي عن الأوصاف التي استخدمتها تجاه الرئيس الأمريكي السابق أو انتقاداتها للاحتلال. ويبدو أن الأزمة مرشحة للتصعيد في ظل الانقسام الحاد في الرأي العام البريطاني تجاه القضايا السياسية الدولية الراهنة.

فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

من 'الغضب الملحمي' إلى 'الوكسة': سيناريوهات المواجهة الكبرى بين محور واشنطن وطهران

انطلقت عملية 'الأسد الهادر'، المعروفة أيضاً بـ 'الغضب الملحمي'، كتحرك عسكري واسع النطاق خططت له الدوائر العسكرية في واشنطن وتل أبيب منذ سنوات. وأكدت مصادر عسكرية رفيعة أن الهدف الاستراتيجي كان توجيه ضربة خاطفة وعنيفة تشل القدرات الإيرانية بالكامل، معتمدة على عنصر المفاجأة وكثافة النيران الجوية.

رغم الإعلانات الأولية عن السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية بعد مرور مئة ساعة على بدء الهجمات، إلا أن الواقع الميداني بدأ يفرض إيقاعاً مختلفاً. فقد استمرت الرشقات الصاروخية المنطلقة من الأراضي الإيرانية ومن جبهات حليفة مثل حزب الله، مما دفع ملايين المستوطنين إلى الملاجئ وأربك الحسابات الإسرائيلية حول حسم المعركة سريعاً.

تشير التقارير إلى أن إيران استعدت لهذه المواجهة عبر سنوات من التكيف مع الحصار الاقتصادي الخانق، حيث قامت بإعادة هيكلة تجارتها والاعتماد على مسارات مصرفية بديلة. ورغم وصول معدلات الفقر إلى مستويات قياسية، إلا أن النظام حافظ على تماسك مؤسساته العسكرية وقدرته على ترميم المنشآت المتضررة بسرعة فائقة.

تعتمد طهران في مواجهتها الحالية على ما يُعرف بـ 'الدفاع الفسيفسائي'، وهي عقيدة عسكرية تقوم على اللامركزية في القيادة والسيطرة عبر تقسيم البلاد إلى 32 وحدة مستقلة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان استمرار المقاومة حتى في حال انقطاع التواصل مع القيادة المركزية، مما يجعل الغزو البري مهمة شبه مستحيلة ومكلفة للغاية.

تنتقد أصوات داخلية في إسرائيل السياسة الدعائية التي تنتهجها حكومة نتنياهو، واصفة إياها بـ 'شمشون المسكين' الذي يمتلك قوة تدميرية هائلة لكنه يتباكى أمام العالم كضحية. ويرى مراقبون أن هذه الحرب قد تكون 'حرب اختيار' هدفها الأساسي هروب نتنياهو من أزماته السياسية والانتخابية الداخلية.

في واشنطن، تبرز تناقضات واضحة في تبرير الحرب، حيث وصفها ترامب بأنها دفاعية ضد تهديدات وشيكة، بينما اعتبرتها إسرائيل ضربة استباقية. ومع ذلك، أقرت مصادر في الاستخبارات الأمريكية بعدم وجود أدلة ملموسة على أن طهران كانت تخطط لهجوم مباشر قبل بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.

تمتلك إيران اليوم أضخم ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط، تضم آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ذات الدقة العالية. هذه القدرات جعلت من القوات الصاروخية الإيرانية أداة ردع فعالة قادرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

يحذر خبراء عسكريون من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها غارقة في مستنقع شرق أوسطي جديد بسبب اندفاع إدارة ترامب خلف الأجندة الإسرائيلية. إن الدعم غير المشروط لتل أبيب قد يجر واشنطن إلى التزامات عسكرية طويلة الأمد تستنزف مواردها وتضر بمصالحها الاستراتيجية العليا في المنطقة.

تلوح في الأفق مخاوف من لجوء إسرائيل إلى 'خيار شمشون'، وهو استخدام السلاح النووي في حال شعورها بتهديد وجودي حقيقي نتيجة القصف الصاروخي المكثف. هذه العقيدة تحكمها منطق البقاء الأخير، وتفعيلها قد يغير وجه المنطقة والعالم إلى الأبد في حال فشل وسائل الردع التقليدية.

على الجانب الإيراني، تسود قناعة بأن الصمود وإلحاق ألم اقتصادي وسياسي بواشنطن هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب بشروط مقبولة. تراهن طهران على أن التكاليف الباهظة للحرب ستدفع إدارة ترامب في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج دبلوماسي لتجنب انهيار شعبيته داخلياً.

تتزايد التساؤلات حول مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بعد هذه المواجهة، حيث يرى باحثون أن استغلال نتنياهو لاندفاع ترامب قد يؤدي إلى تآكل 'العلاقة الفريدة'. إن تحويل إسرائيل إلى عبء عسكري وسياسي قد يدفع الإدارات الأمريكية القادمة إلى إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية بشكل جذري.

تظل السيناريوهات المفتوحة لهذه الحرب تتراوح بين التصعيد الإقليمي الشامل أو الوصول إلى تسوية دبلوماسية قسرية تحت ضغط الخسائر. ومع استمرار تبادل الضربات، يبقى اليقين الوحيد هو أن تكلفة هذه المواجهة ستكون باهظة على كافة الأطراف المنخرطة فيها، بشرياً واقتصادياً.

إن استراتيجية الحرب الهجين التي تتبعها إيران، بدمج القوات النظامية مع الميليشيات الحليفة، أثبتت فاعليتها في إرباك التكنولوجيا العسكرية المتفوقة. هذا النوع من الحروب لا يعتمد على الحسم الجوي فقط، بل على القدرة على تحمل الضربات وتوجيه ردود فعل غير متوقعة في ساحات متعددة.

في نهاية المطاف، يبدو أن 'الغضب الملحمي' الذي بشرت به الدوائر المؤيدة للحرب قد يتحول إلى 'وكسة' استراتيجية إذا لم تتحقق الأهداف السياسية المرجوة. فالحروب في الشرق الأوسط أثبتت دائماً أن البدايات السهلة لا تضمن نهايات مستقرة، وأن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً مستداماً.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

هند رجب في طمون.. ذاكرة جريحة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

مؤلمة ومدمعة ومفزعة، وتهز النفس من أقطارها، تلكم هي شهادة الطفل خالد ابن الصف السادس، الذي نجا وشقيقه مصطفى من الموت بأعجوبة، بينما قضى والداهما وشقيقاهما محمد ابن السنوات الخمس وعثمان الذي يكبره بعامين.
بشفتين مرتجفين، وعينين دامعتين داميتين، يتحدث خالد عن تلك اللحظات القاسية التي شهدتها تلك الليلة الدامية، فيما كان الأب  علي بني عودة (٣٧ عاماً) وزوجته وعد (٣٥ عاماً) مع أطفالهما الأربعة عائدين من رحلة تسوّق في مدينة نابلس، اشتريا خلالها ملابس العيد، قبل أن تُمطر قوة مستعربين المركبة التي كانوا يستقلونها بنحو سبعين رصاصة، لم ينجُ من الجريمة سوى الطفلين الشقيقين خالد ومصطفى.
"أخرجني جندي من السيارة، وبدأ يضربني، ثم أخرجوا أخي مصطفى، وحاولوا ضربه، وعندما وقفتُ أمامهم أوقعوني على الأرض، وضربوني بالبسطار على ظهري".. "قتلنا كلاباً" قال الجندي وهو يشير إلى والدي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تسيل روحه الطاهرة، وصرخت أمي صرختها الأخيرة قبل أن يُخيّم الصمت على المكان، حيث انقطعت الأنفاس، فذهبوا جميعاً في إغفاءتهم الأخيرة، إخوتي وأمي وأبي، ولم أعد أسمع لهم حسيسا.
كلام ثقيل موجع  مدمع… بعد لينا وهند يلتحق بهما محمد وعثمان وقبلهم آلاف الأطفال في الوطن الممدد تحت النار والدمار… أُغالب دمعي  ونزف قلمي!
في طمون، لم تكن هناك دبابات تحاصر "هند"، بل "وجوه مستعربة" جاءت مستعجلة لتغتال فرحتنا المؤجلة، وتُحيل ملابس العيد إلى أكفان!


أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

وقفة!


بينما تتجه عدسات العالم إلى سماءٍ أخرى تشتعل بالحرب، تبقى غزة وحيدة تحت ركام صمتٍ ثقيل. هناك، حيث لا تحتاج المأساة إلى عناوين عاجلة كي تثبت وجودها، يمضي الناس في صراعهم اليومي مع الجوع والعطش والخوف، كأنهم عالقون في هامش التاريخ. أطفال يبحثون عن ظلّ بيتٍ لم يعد قائمًا، وأمهات يفتشن بين الأنقاض عن معنى للحياة بعد أن صار الفقدان لغةً يومية. ومع كل نشرة أخبار تنشغل بجبهةٍ جديدة، يتراجع وجع غزة خطوة أخرى إلى الخلف، كأن العالم قرر أن يترك ذلك الشريط الضيق والصغير يواجه قدره وحيدًا، بلا ضجيجٍ ولا شهود.

وفي الضفة الأخرى من المأساة، يتلبد المشهد الفلسطيني كأنه أسير زمنٍ متوقف. فبينما يستمر القتل اليومي في أرجاء الضفة وآخرها مجزرة طمون ضد عائلة بريئة كانت تحاول تأمين العيش الكريم لأطفالها، وفي وقت  تتسارع فيه التحولات في المنطقة وتُعاد صياغة موازين القوة، تبدو القيادة عاجزة عن التقاط اللحظة أو تحويلها إلى فرصة. صمتٌ ثقيل يخيّم على المشهد، فيما شعبٌ يواجه الحرب والاحتلال ينتظر كلمةً تجمعه أو رؤيةً تقوده.

في لحظات التاريخ الكبرى، لا يكون الفراغ مجرد غيابٍ للمبادرة، بل يتحول إلى عبءٍ إضافي على كاهل شعبٍ يبحث عمّن يفتح أفقًا للخلاص.

في زمن الحروب الكبرى، قد تُنسى المآسي الصغيرة في عناوين الأخبار، لكن التاريخ لا ينسى من ترك شعبه وحيدًا في قلب العاصفة.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

اقتصاد الفجوة: لماذا لا يلتقي الدخل مع الإنفاق في المالية الفلسطينية؟


في الاقتصادات المستقرة، تقوم الموازنات العامة على معادلة واضحة: تقدير الإيرادات المتوقعة مقابل تحديد النفقات اللازمة لإدارة الدولة وتقديم الخدمات العامة. وعندما يحدث عجز في هذه المعادلة، يتم تمويله غالبًا عبر الاقتراض أو أدوات مالية أخرى ضمن إطار يمكن التنبؤ به. لكن في الحالة الفلسطينية تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث لا تعكس المشكلة فقط فجوة بين الإيرادات والنفقات، بل فجوة أعمق بين ما هو محصل فعليًا في السوق وما هو مقدر للصرف في الموازنة العامة.

هذه الفجوة أصبحت أحد السمات الأساسية للمالية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، وهي تفسر إلى حد كبير تكرار أزمات الرواتب، وتراكم المتأخرات، واللجوء المتكرر إلى الاقتراض قصير الأجل.

إيرادات غير مستقرة

تعتمد الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية على ثلاثة مصادر رئيسية: إيرادات المقاصة التي يتم تحويلها من الجانب الإسرائيلي، والضرائب المحلية، والمساعدات الخارجية. غير أن هذه المصادر لا تتمتع بدرجة الاستقرار نفسها التي تتمتع بها الإيرادات في الاقتصادات الطبيعية.

فإيرادات المقاصة، التي تشكل الجزء الأكبر من الموارد المالية، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاقتطاعات وتأخيرات متكررة لأسباب سياسية. أما المساعدات الخارجية فقد تراجعت بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، في حين أن قدرة الاقتصاد المحلي على توليد إيرادات ضريبية إضافية تبقى محدودة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي.

هذا يعني أن الإيرادات الفعلية التي تصل إلى الخزينة العامة غالبًا ما تكون أقل من التقديرات التي تبنى عليها الموازنة.

نفقات ثابتة

في المقابل، فإن جانب الإنفاق في الموازنة يتمتع بدرجة عالية من الثبات. فالحكومة مطالبة بدفع رواتب نحو 150 ألف موظف ومتقاعد وأشباه رواتب، وهو ما يشكل فاتورة شهرية تقترب من 900 مليون إلى مليار شيكل.

إضافة إلى ذلك، تتحمل المالية العامة التزامات أخرى تشمل النفقات التشغيلية للخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والأمن، إلى جانب خدمة الدين العام التي تصل إلى ما بين 250 و300 مليون شيكل شهريًا.

هذه النفقات لا يمكن تقليصها بسهولة أو تأجيلها لفترات طويلة، لأنها مرتبطة مباشرة بتسيير مؤسسات الدولة واستمرار الخدمات الأساسية.

معادلة السيولة

نتيجة لهذه المعادلة بين الإيرادات غير المستقرة والنفقات الثابتة، تجد الحكومة نفسها أمام ما يمكن تسميته أزمة سيولة دائمة. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في حجم الموارد على المدى السنوي، بل في توقيت وصولها مقارنة بتوقيت الالتزامات المالية.

وهذا ما يفسر لماذا تضطر الحكومة في كثير من الأحيان إلى تأجيل دفع بعض المستحقات أو اللجوء إلى الاقتراض من الجهاز المصرفي لتغطية النفقات الشهرية.

بمعنى آخر، فإن الأزمة المالية في الحالة الفلسطينية ليست مجرد عجز تقليدي في الموازنة، بل هي أيضًا أزمة إدارة تدفقات نقدية.

آثار الفجوة المالية

هذه الفجوة بين الإيرادات والنفقات لا تبقى محصورة داخل وزارة المالية، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد بأكمله. فعندما تتأخر الرواتب أو تتراكم المتأخرات للقطاع الخاص، تتراجع القدرة الشرائية للأسر وتتباطأ حركة السوق.

كما أن الشركات التي تنتظر مستحقاتها من الحكومة قد تضطر إلى تقليص نشاطها أو تأجيل استثمارات جديدة، ما يؤثر بدوره على فرص العمل والنمو الاقتصادي.

وبمرور الوقت، تتحول هذه الفجوة المالية إلى عامل يساهم في إبطاء النشاط الاقتصادي وتراجع الثقة في السوق.

من إدارة العجز إلى إدارة التدفقات

في كثير من الاقتصادات، تركز السياسات المالية على إدارة العجز السنوي في الموازنة. لكن في الحالة الفلسطينية يبدو أن التحدي الأكبر يكمن في إدارة التدفقات النقدية على أساس شهري.

فالموازنة قد تبدو متوازنة نسبيًا على الورق، لكن المشكلة تظهر عندما لا تتزامن الإيرادات مع توقيت النفقات. ولهذا السبب اتجهت الحكومة في بعض الفترات إلى اعتماد ما يعرف بالموازنة المبنية على التدفقات النقدية، حيث يتم تحديد الإنفاق وفق الموارد المتاحة فعليًا.

هذا الأسلوب قد يساعد في إدارة الأزمة على المدى القصير، لكنه لا يشكل حلًا دائمًا إذا استمرت الفجوة بين الإيرادات والنفقات.

الحاجة إلى استقرار مالي

تقليص هذه الفجوة يتطلب العمل على محورين متوازيين. الأول يتعلق بتحسين استقرار الإيرادات عبر تعزيز القاعدة الضريبية المحلية وتقليل الاعتماد على مصادر الإيرادات غير المستقرة. أما المحور الثاني فيتعلق بإدارة الإنفاق العام بشكل أكثر كفاءة بما يسمح بتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تعزز النمو الاقتصادي.

كما أن تسريع سداد المتأخرات للقطاع الخاص يمكن أن يساهم في إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، إذ أن هذه الأموال عندما تعود إلى السوق تتحول إلى استثمارات ورواتب وفرص عمل جديدة.

الخلاصة

إن التحدي المالي الذي تواجهه السلطة الفلسطينية اليوم لا يتعلق فقط بحجم العجز في الموازنة، بل بطبيعة العلاقة بين الإيرادات الفعلية والنفقات المقررة. ففي اقتصاد يعمل تحت قيود سياسية واقتصادية معقدة، يصبح تحقيق التوازن بين ما يدخل إلى الخزينة وما يخرج منها مهمة أكثر صعوبة.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن تقليص العجز المالي، بل كيف يمكن بناء نظام مالي أكثر قدرة على التكيف مع تقلبات الإيرادات وضمان استقرار التدفقات النقدية

مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية


أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

في الأبعاد الاقتصادية للحرب الأمريكية-الإيرانية


غالباً ما يُقال إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، تكلف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، ما ستشكل ضغطاً دولياً لإنهائها سريعاً. غير أن هذا الاستنتاج، رغم صحته الظاهرية، يبقى تبسيطياً إذا لم يؤخذ في الاعتبار التفاوت الكبير في توزيع هذه الكلفة بين الدول. فالحروب لا تنتج خاسرين فقط؛ بل تعيد أيضاً توزيع المكاسب الاقتصادية في النظام الدولي.
إقليمياً، تبدو دوافع إسرائيل واضحة. فهي ترى في إضعاف إيران خطوة هامة لاستكمال تكريس تفوقها العسكري والسياسي وهيمنتها في الشرق الأوسط. لكن هذه الرغبة الإسرائيلية ما كانت لتتحول إلى حرب واسعة لولا أنها التقت مع مصلحة أمريكية أوسع تتجاوز حدود المنطقة. فالصراع مع إيران لا يمكن فصله عن التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين واشنطن والصين على قيادة الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق يكتسب النفط أهمية مركزية. فالصين هي المستفيد الأكبر من النفط الإيراني الذي يُصدَّر إليها بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة نسبياً نتيجة العقوبات الغربية. كما تعتمد بكين بدرجة كبيرة على النفط القادم من الخليج عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وتتجه غالبية شحناته إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند. ومن هنا فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس أولاً وقبل كل شيء على الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتماداً على نفط المنطقة واكبرها الصين.
ولا يقتصر الأمر على إيران وحدها. فـفنزويلا، كانت قد تعرضت أيضاً لضغوط وعقوبات أمريكية خلال الفترة الاخيرة، تعد بدورها من بين موردي النفط للصين. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يظهر نمط أوسع يتمثل في الضغط على مصادر الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني. ويأتي ذلك بالتوازي مع أدوات اقتصادية أخرى استخدمتها واشنطن مؤخرا لنفس الغاية، مثل فرض القيود الجمركية وتعزيز النزعة الحمائية في التجارة الدولية، إضافة إلى سياسات اقتصادية نقدية اهمها تخفيض سعر الدولار، تسعى إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية في مواجهة السلع الصينية، الامر الذي بدى وكأنه الهدف المركزي لادارة الرئيس دونالت ترامب منذ توليه الرئاسة.
وفي الوقت نفسه، قد لا تكون الولايات المتحدة من بين المتضررين الرئيسيين من ارتفاع أسعار النفط. فبفضل إحتياطها الكبير من النفط والغاز، يمكن لارتفاع الأسعار أن يعزز تنافسية النفط الصخري الأمريكي مرتفع التكلفة في الأسواق العالمية (قدرت صحيفة الفاينانشل تايمز في افتتاحيتها اليوم 15 اذار ان شركات النفط الأمريكية مُرشحة لجني أرباح طائلة بقيمة 63 مليار دولار من اضطرابات حرب الخليج). هذا علاوة على أن الحروب عادة ما تنشط الصناعات العسكرية الأمريكية، التي تبقى المزود الأكبر للأسلحة المتقدمة في العالم.
لهذا كله، لا يكفي ملاحظة إن الحرب مكلفة للاقتصاد العالمي. السؤال الأهم هو: مكلفة لمن؟ فبينما قد ترى بعض الدول، خصوصاً في آسيا، أن إنهاء الحرب بسرعة ضرورة اقتصادية ملحة، قد تجد دول أخرى، خصوصا الولايات المتحدة، أن استمرارها لا يخلو من مكاسب استراتيجية واقتصادية. وعند هذه النقطة بالذات يصبح فهم البعد الاقتصادي للحرب مفتاحاً لفهم المواقف الدولية منها، ولماذا قد يطالب البعض بوقفها سريعاً، بينما لا يظهر البعض الآخر الاستعجال نفسه.


أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

محمود شقير.. تكريم لقامة أدبية ووطنية حارسة للذاكرة الوطنية


لقد مثّل تكريم الأديب الفلسطيني الكبير محمود شقير باختياره شخصية العام الثقافية لعام 2026 من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية احتفاءً مستحقًا بتجربة إبداعية ووطنية امتدت لعقود، وكرّست نفسها لخدمة الكلمة الحرة والدفاع عن الذاكرة الفلسطينية في وجه محاولات الطمس والإلغاء. فهذا التكريم يليق بقامة أدبية كبيرة راكمت منجزًا سرديًا وثقافيًا غنيًا، وأسهمت في ترسيخ حضور الأدب الفلسطيني في الفضاء العربي والعالمي، عبر أعمالٍ سردية حملت روح المكان الفلسطيني وتفاصيل الحياة اليومية فيه، وحفظت للإنسان الفلسطيني صوته وحكايته وكرامته.
لقد شكّلت تجربة محمود شقير الأدبية نموذجًا فريدًا في الالتزام بقضايا الإنسان والوطن، حيث ظلّت الكتابة لديه فعل مقاومة ثقافية هادئة وعميقة في آنٍ معًا. فمن خلال القصة والرواية والمقالة، استطاع أن يحوّل التفاصيل الصغيرة في حياة الناس إلى نصوص نابضة بالحياة، تكشف جماليات المكان الفلسطيني وتعكس في الوقت ذاته قسوة الواقع الذي يعيشه شعبنا تحت الاحتلال.
غير أن سيرة محمود شقير لا تقتصر على عطائه الأدبي وحده، بل تمتد أيضًا إلى دوره الوطني والسياسي. فقد تعرّض للاعتقال والإبعاد عن وطنه من قبل سلطات الاحتلال، لكنه واصل حضوره الكفاحي بصمت وثبات، مؤمنًا بأن الدفاع عن الحرية والعدالة هو جزء لا يتجزأ من رسالة المثقف الذي يربط الثقافة بالسياسة بصورة خلاقة. كما كان من بين القيادات البارزة في الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب)، حيث جمع بين الالتزام الفكري والنضال الطبقي والوطني، وظلّ وفيًّا لتاريخه النضالي، ومثالًا للمثقف الذي لا ينفصل فيه الإبداع عن الموقف.
وفي قلب تجربة محمود شقير بقيت القدس حاضرة بوصفها مدينة الروح والذاكرة، ومسرح الحكايات التي لا تنتهي. لقد كتب القدس بحب عميق، وصاغ في نصوصه صورة الإنسان المقدسي وهو يتمسك بحياته وكرامته في مواجهة سياسات الإقصاء والاقتلاع. ولهذا لم تكن كتابته مجرد توثيق للمكان، بل كانت دفاعًا عن معناه الإنساني والثقافي في زمنٍ تتعرض فيه الذاكرة الفلسطينية لمحاولات التشويه والطمس.
إن تكريم محمود شقير اليوم هو تكريم للكلمة التي بقيت وفية للحقيقة، وللأدب الذي انحاز إلى الإنسان وكرامته. وهو في الوقت نفسه رسالة تقدير لكل المثقفين الفلسطينيين الذين حافظوا، عبر الكتابة والإبداع، على جذوة الوعي والهوية في أحلك الظروف.
كل المحبة والاعتزاز للأديب الكبير الرفيق العزيز محمود شقير "ابو خالد " ، مع أصدق التمنيات له بموفور الصحة ودوام العطاء. ومبارك له هذا الاستحقاق الثقافي الرفيع، ومبارك للثقافة الفلسطينية أحد أنبل أصواتها وأكثرها وفاءً للإنسان والمكان والذاكرة.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

صرخة "خلااااص".. حين تُحوّل طريق العيد إلى فاجعة!


في ليلةٍ من ليالي رمضان، حين تمتلئ القلوب بانتظار الفجر وتتلألأ العيون بفرحة العيد القريب، خرجت عائلة فلسطينية بسيطة من بلدة طمون جنوب طوباس.
لم يكن في نيتها سوى أمرٍ صغير، بسيط، يكاد يكون طقساً سنوياً لكل عائلة: شراء ملابس العيد. كانت سيارةٌ عائلية صغيرة تحمل ستة أرواح، وستة قلوبٍ تحلم بصباح العيد.
الأب علي بني عودة خلف المقود، وبجانبه زوجته وعد. وفي المقعد الخلفي أربعة أطفال: عثمان، محمد، مصطفى، وخالد.
داخل تلك المركبة الصغيرة كان العالم يبدو دافئاً. ضحكات الأطفال كانت أعلى من صوت الطريق.
وكان كل واحدٍ منهم يتسابق ليقترب من المقعد الأمامي؛ يقبّل والده، ثم يميل ليطبع قبلةً على خدّ أمه.
كانوا يحتفلون بالعيد قبل أن يصل.
لكن الطريق الذي حمل تلك الضحكات لم يكن يعلم أنه بعد لحظات سيتحوّل إلى مسرحٍ للموت.
فجأة، وبدون إنذار، انهمر الرصاص.
رصاص كثيف، مباشر، بلا نداءٍ للتوقف، ولا محاولة للتفتيش، ولا حتى لحظة تردّد. تحوّلت السيارة العائلية إلى هدفٍ في مرمى النار.
في ثوانٍ قليلة فقط، سقطت الضحكات. واختلطت صرخات الأطفال بصوت الرصاص. في تلك اللحظة، حاولت الأم وعد أن تحمي أبناءها.
مدّت جسدها فوقهم كما تفعل كل الأمهات حين يقترب الخطر من صغارهن. وكانت آخر كلمة خرجت من بين شفتيها، وسمعها أحد أبنائها وسط الفوضى والرصاص: "خلاااااص…".
لم تكن مجرد كلمة. كانت صرخة أمٍ تحاول أن توقف الموت بيديها المرتجفتين. لكن الرصاص كان أسرع. ارتقت وعد شهيدة. ولحق بها زوجها علي بعد أن اخترقت جسده عدة رصاصات.
أما الطفلان عثمان ومحمد فقد صعدا مع والديهما إلى السماء.
وفي المقعد الخلفي، بقي طفلان يصارعان الألم والذهول، مصطفى أصيب في عينه، وخالد أصيب في رأسه.
وخلال دقائق قليلة فقط، تحوّل مشهد عائلي بسيط -أب عاد إلى بيته بعد غياب، واصطحب عائلته ليشتري لهم فرحة العيد- إلى مأساة إنسانية تهز الضمير.
انتهت الرحلة، لكنها لم تنتهِ عند باب متجرٍ لملابس العيد، بل عند باب الفاجعة.
وهكذا أضيفت قصة جديدة إلى السجل الطويل للألم الفلسطيني؛ سجلٌّ تُكتب صفحاته بدم العائلات، ودموع الأمهات، وأحلام الأطفال التي لم تصل إلى صباح العيد.
ما حدث في طمون ليس حادثاً عابراً، ولا مأساةً فردية. إنه فصلٌ آخر من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تطال المدنيين الفلسطينيين، حيث تتحوّل الطرقات إلى مصائد موت، وتتحول المركبات المدنية إلى أهداف.
إن استهداف عائلة كاملة داخل مركبة مدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويكشف عن نمطٍ متكرر من الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين.
وأمام هذه الجريمة، لا يكفي الحزن، ولا تكفي البيانات الباردة. إن المجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
فحماية المدنيين ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل التزامٌ قانوني نصّت عليه اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. إن الصمت أمام هذه الجرائم لا يعني الحياد؛ بل يعني السماح باستمرارها. مجزرة طمون ليست مجرد خبرٍ عابر. إنها حكاية أطفالٍ خرجوا ليبحثوا عن ملابس العيد في نابلس… فعادوا إلى قريتهم "طمون" ملفوفين بالكفن.
ويبقى السؤال الكبير معلقاً أمام ضمير العالم: كم من الأمهات يجب أن يصرخن "خلاااااص".. قبل أن يقول العالم.. أخيراً.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس بين الوفاء الرمزي ومسؤولية الفعل


تحتاج القدس اليوم إلى إعادة تعريف شكل المسؤولية تجاهها أكثر من حاجتها إلى الحديث عن مكانتها، فالمشكلة لم تعد في حضورها داخل الوجدان الانساني، بل في الفجوة المتسعة بين حضورها الرمزي وما يُبذل فعليًا لحماية شروط صمودها، لتبدو المدينة كأنها تحمل مكانتها وحدها، فيما تُترك تفاصيل حياتها اليومية تحت ضغط متواصل يعيد تشكيلها ببطء، وهنا يظهر السؤال الذي لا يجوز تأجيله ما معنى أن تبقى القدس أمانة إذا لم تتحول هذه الأمانة إلى التزام يومي واضح؟
تُستنزف القدس عبر تراكم طويل يجعل الخسارة أحيانًا أقل صخبًا وأكثر عمقًا، وحين تبقى المدينة حاضرة في الخطب أكثر من حضورها في البرامج، يصبح الخلل سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، لأن المدينة التي يُرفع اسمها كثيرًا يجب أن تظهر بوضوح في مشاريع التعليم والصحة والإسكان والسوق وحماية المؤسسة، وهنا تكمن مفارقة قاسية وهي (كلما ارتفع اسم القدس في الخطاب العام، اشتد اختبار صدقية هذا الخطاب في قدرة الناس على حماية تفاصيل الحياة فيها)، لأن صمودها لا يُقاس بقوة حضورها الرمزي، بل بقدرة المجتمع على إبقاء شروط الحياة ممكنة داخلها.
-    الخطر كما يظهر في يومٍ مقدسيّ
يتسلل الخطر إلى القدس عبر تفاصيل تتكرر حتى تبدو مألوفة، فالمدرسة تواجه ضغطًا يوميًا كي تحافظ على هويتها، والمؤسسة الأهلية تستهلك جزءًا كبيرًا من جهدها في تأمين شروط استمرارها بدل توسيع أثرها، والشباب يفكرون في مستقبلهم داخل مدينة ترتفع فيها كلفة الحياة وتتراجع فيها الفرص، أما التاجر فيفتح محله وهو يدرك أن السوق لم يعد يتحرك وفق إيقاعه الطبيعي.
تكشف هذه التفاصيل واقعًا يتشكل ببطء، وتشير الى خطر حقيقي يظهر في تكرارها حتى تفقد قدرتها على لفت الانتباه، والأخطر أن المجتمع يعتاد بعض التحولات من دون أن ينتبه إلى أن الاعتياد نفسه جزء من الخسارة، فالضغط اليومي يعيد تشكيل السلوك والخيارات والعلاقات الاجتماعية ويؤثر تدريجيًا في صورة المدينة داخل وعي أهلها، كما أن تراجع الثقة بالفعل الجماعي يفتح المجال أمام نزعة فردية متزايدة، إذ يبدأ كل طرف في البحث عن خلاصه الفردي، وهو ما يضعف المدينة ويؤخر قدرتها على المبادرة، ويجعل الاستجابة المشتركة أكثر صعوبة كلما طال غياب الفعل المنظم.
تبدأ حماية القدس من الفرد
ابدأوا من الفعل الفردي، لأن ما يبدو في القدس خيارًا شخصيًا صغيرًا يتحول في أثره إلى مساهمة مباشرة في حماية توازن المدينة اليومي، حين يقرر الفرد أن يجعل السوق المقدسي جزءًا ثابتًا من استهلاكه، فإنه يدعم شبكة حياة كاملة تبدأ من التاجر وتمتد إلى استقرار الدورة الاقتصادية المحلية، وحين تصبح زيارة القدس فعلًا منتظمًا غير مرتبط بالمواسم أو المناسبات، يتحول الحضور نفسه إلى رسالة عملية تؤكد أن المدينة ليست عنوانًا عاطفيًا عابرًا، بل امتدادًا طبيعيًا للحياة الفلسطينية اليومية.
امنحوا التضامن بُعده العملي عبر مساهمة شهرية ثابتة، ولو كانت متواضعة، لدعم مبادرة تعليمية أو صحية أو اجتماعية داخل القدس، فالمدينة لا تحتاج فقط إلى من يحبها، بل إلى من يشارك فعليًا في تحمّل كلفة صمودها، لأن القرار الصغير المنتظم يترك أثرًا أعمق من موقف كبير يبقى في حدود التعبير.
تعزيز معنى الانتماء العملي داخل الأسرة
عزّزوا داخل الأسرة علاقة يومية واعية مع القدس، لأن الأسرة تشكّل المجال الأول الذي تتكوّن فيه صورة المدينة داخل وجدان الجيل الجديد، ولا يقتصر دورها على التربية الوجدانية، بل يمتد إلى بناء معرفة حيّة تجعل القدس جزءًا من التجربة اليومية لا مجرد رمز بعيد، وحين يعرف الطفل أسماء الأحياء وتاريخ الأسواق وقصص الناس ومسارات الحياة في المدينة، يصبح أكثر قدرة على إدراك القدس بوصفها جزءًا من هويته الشخصية والجمعية، اجعلوا حضور القدس جزءًا من السلوك الأسري المنتظم عبر الزيارة والمتابعة والاختيار الاقتصادي الواعي، فالأسرة التي تذهب إلى المدينة وتشتري من أسواقها وتتابع أخبارها اليومية تسهم في بناء علاقة متينة بين المجتمع والمدينة، كما تمنح الأبناء شعورًا بأن القدس حياة قريبة وتجربة معيشة وليست ملفًا عامًا بعيدًا.
فعّلوا المؤسسات قبل أن يسبقها الواقع
فعّلوا دور المؤسسات الأهلية والدينية والمدنية في القدس ومحيطها، لأن المرحلة لم تعد تحتمل تشتت الجهد أو بقاء كل طرف داخل حدوده المنفصلة، فالمدينة تحتاج إلى شبكة أولويات مشتركة تبدأ بالتعليم والصحة والإسكان والاقتصاد والدعم الاجتماعي، وتمتد إلى حماية الفضاء الثقافي بوصفه جزءًا من مناعة المجتمع وقدرته على الاستمرار.
راجعوا شكل العمل المؤسسي بحيث يصبح أكثر اقترابًا من الاحتياجات اليومية وأكثر قدرة على بناء شراكات حقيقية، لأن المؤسسة التي تعمل بمعزل عن غيرها تخسر جزءًا من أثرها مهما كان جهدها كبيرًا، بينما يمنح التنسيق قدرة أكبر على توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية، ويجعل الاستجابة أكثر تماسًا مع ما تحتاجه المدينة فعلًا.
ألزموا السياسة بأن تقترب من التفاصيل
ألزموا الخطاب الرسمي بأن يقترب من التفاصيل، لأن القدس لا يكفي أن تبقى عنوانًا ثابتًا في الموقف السياسي ما لم تتحول إلى ملف يومي تتابعه أدوات واضحة في التمويل والتنسيق، فالمدينة تحتاج إلى إدارة تدرك أن كل تأخير في دعم قطاعاتها يترك أثرًا مباشرًا في معركة الصمود.
شجّعوا المستوى العربي على تجاوز حدود التضامن اللفظي نحو شراكة عملية أكثر اتصالًا باحتياجات المدينة، فالمنح المهنية ودعم المبادرات يمنحان القدس قدرة أكبر على تثبيت مجتمعها وتعزيز قدرتها على الاستمرار.
عزّزوا الحضور العالمي للقدس عبر المعرفة الدقيقة والشراكات الأكاديمية والمهنية، لأن الرواية المستندة إلى التوثيق والعمل المؤسسي الطويل تملك قدرة أكبر على تثبيت الحقيقة وإبقاء المدينة حاضرة باعتبارها قضية حياة يومية لا مجرد عنوان سياسي.
ثقوا أن القدس لا تُصان بالشعارات، بل بالفعل اليومي الذي يحمي الإنسان والمكان والمؤسسة والذاكرة ويصون حضورها الحي في الوعي والميدان، فهي امتحان لصدق فعل الأوفياء، وكل تأخير في تحويل الوفاء إلى برنامج عمل مستدام يعني خسارة جديدة في مدينة لا تزال تطلب مسؤولية تليق بمكانتها ومعناها.


أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة على الهامش: حرب إيران تسرق الأضواء والمأساة مستمرة


مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة عقب المواجهة مع إيران، تحوّلت بوصلة الاهتمام الدولي والإعلامي سريعًا نحو ساحات الصراع الجديدة، لتتراجع غزة مرة أخرى إلى الهامش ، لم تتوقف الحرب على القطاع، ولم تتغير قسوة الواقع الإنساني فيه، لكن ما تغيّر هو موقعه في سلّم الأولويات العالمية ،  فالأحداث في الإقليم غالبًا ما تبتلع ما دونها من أزمات، حتى وإن كانت تلك الأزمات تمس حياة ملايين البشر الذين يعيشون تحت الحصار والقصف.
لقد ألقت الحرب على إيران بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي والإعلامي، فباتت غزة حاضرة في ذيل نشرات الأخبار بعد أن كانت ولو مؤقتًا في قلب الاهتمام العالمي، هذا التحول لم يكن مجرد مسألة إعلامية، بل انعكس عمليًا على مستوى الضغط الدولي وعلى حجم التفاعل مع الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، فحين ينشغل المجتمع الدولي بملفات الحرب الإقليمية ، تتراجع قدرة غزة على استقطاب الاهتمام والدعم العاجل، وكأن مأساة سكانها يمكن أن تنتظر حتى تهدأ العواصف في المنطقة.
ورغم هذا التراجع في الاهتمام، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع فما تزال الغارات الجوية والاعتداءات المتكررة تضرب مناطق مختلفة من غزة، وتبقي السكان في حالة توتر دائم، حيث يعيش الناس بين الخوف من القصف والخشية من المستقبل المجهول ، ان واقع الحرب المستمرة في ظل غياب ضغط دولي فعال، يمنح إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عملياتها دون أن تواجه القدر نفسه من التدقيق أو المساءلة .
إلى جانب ذلك، يتفاقم الوضع الإنساني نتيجة القيود المتزايدة على دخول المساعدات فقد شهدت الأيام الأخيرة تصاعدًا في التضييق على وصول الإغاثة الإنسانية، خاصة بعد إغلاق المعابر المؤدية إلى القطاع، وهو ما ضاعف من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على هذه المساعدات، وقد أعلنت إسرائيل إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى غزة لأسباب أمنية، بما في ذلك معبر رفح الحدودي مع مصر، قبل أن تعيد لاحقًا فتح معبر كرم أبو سالم بشكل محدود للسماح بدخول كميات تدريجية من المساعدات، وهي كميات لا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.
هذا الواقع انعكس بوضوح على الحياة اليومية داخل القطاع. فالنقص الحاد في المواد الأساسية بات ملموسًا في الأسواق، حيث أصبحت السلع محدودة الكمية، بينما ترتفع أسعارها بشكل متواصل، ما يزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط الفقر والبطالة والدمار، ومع حلول شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، تتضاعف قسوة المشهد، إذ يجد كثير من العائلات نفسها عاجزة عن توفير أبسط متطلبات الحياة، في وقت يفترض أن يكون موسمًا للتكافل والطمأنينة.
سياسيًا، تكشف هذه اللحظة عن معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية،  فغزة تبدو مرة أخرى، رهينة لتقلبات المشهد الإقليمي؛ فإذا اشتعلت حرب أكبر في المنطقة، تراجعت معاناتها إلى الخلف، وإذا هدأت الجبهات الأخرى عادت لتتصدر المشهد مؤقتًا، هذا النمط يعكس خللًا بنيويًا في التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، حيث تتحول الكارثة الإنسانية إلى ملف موسمي يتقدم أو يتراجع وفقًا لأولويات القوى الكبرى وليس وفقًا لحجم المأساة على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو غزة وكأنها تدفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها الجغرافية، فبينما تنشغل العواصم الكبرى بحسابات الحرب مع إيران وتداعياتها الاستراتيجية، يستمر القطاع في مواجهة حربه الخاصة: حرب القصف والحصار والجوع، إنها حرب أقل حضورًا في العناوين، لكنها لا تقل قسوة على الأرض.
وهكذا، تقف غزة اليوم على هامش حرب لا تدور على أرضها، لكنها تدفع جزءًا من كلفتها، فحين تتجه أنظار العالم إلى جبهة أخرى، تتسع مساحة الصمت حول القطاع، ويصبح الألم الفلسطيني خبرًا ثانويًا في زمن الحروب المتلاحقة، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها تبقى واضحة: ان غزة ما تزال تحت النار، وقد تنشغل العواصم العالم بحروبها وحساباتها الاستراتيجية، وقد تنتقل عدسات الإعلام من جبهة إلى أخرى، لكن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها أن غزة ما تزال هناك، حيث القصف والحصار والجوع، فبينما تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والهيمنة، تعيش غزة معركة يومية من أجل البقاء.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط استمرار الحرب، بل اعتياد العالم على المأساة، وتحول معاناة غزة إلى خبر عابر في زمن الحروب الكبيرة ، غير أن الألم لا يصبح أقل قسوة فقط لأن الكاميرات ابتعدت، ولا تتراجع المأساة لأن العناوين تغيّرت، فغزة، رغم كل شيء، ما تزال تقف على خط النار، تذكّر العالم بأن خلف ضجيج الصراعات الكبرى شعبًا كاملًا يقاتل من أجل الحياة،

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

مركبة حولها الجنود إلى مقبرة


ذنبهم الوحيد أنهم قرروا شراء ثياب العيد برفقة والديهما، فخرجوا بعد أن تناولوا طعام الافطار وذهبوا للتسوق في مدينة نابلس، وذنبهم الأكبر أنهم ولدوا فلسطينيين على أرض طمون جنوب طوباس، ولا ذنب آخر اقترفوه لتخترق نحو سبعين رصاصة مركبتهم بكل وحشية ودموية، فمات الأب والأم واثنان من الأبناء، بينما نجا اثنان آخران، شاء القدر ألا تصيبهما رصاصات الجنود، فخرجوا من المركبة واحتضنوا بعضهم عند تلك اللحظة التي اسود فيها وجه العالم بعين الأطفال الصغار  وهم يشهدون المجزرة التي ارتُكبت بحق عائلتهم.
اغتالهم رصاص الحقد والكراهية وأفكار التطرف وتحريض بنغفير وسياسات اليمين المتطرف، وعقيدة الموت والقتل والخراب، واغتالتهم حالة الصمت الدولي والمواقف الخجولة من قبل مجلس الأمن الذي لم يتحرك منذ عامين ونصف لوقف المقتلة المستمرة من رفح وحتى طمون وعلى امتداد خارطة الوطن.
يقول الطفل الذي نجا من المجزرة: قلت للجندي القاتل: "بتحب أبوك وأمك؟" فأجابني: نعم، فقلت له: "إذن لماذا قتلت أبي وأمي؟" فضربني على وجهي.
المركبة التي تحوّلت إلى مقبرة على طريق العيد، والعائلة التي اغتيلت بأكثر من سبعين رصاصة، وهي عائدة إلى بيتها، ممتلئة بالسعادة ودفء ضحكات الصغار الفرحين بثيابهم الجديدة بانتظار العيد السعيد.
أيُّ عيد هذا والواقع مأساة مزدحمة بالموت
وأيُّ سعادة يطاردها الجنود وتغتالها البنادق.
مشهد المركبة التي أُعدمت فيها عائلة بني عودة بأكثر من سبعين رصاصة يُظهر حجم البشاعة والإرهاب والإمعان في ممارسة القتل، فالعائلة العائدة من مدينة نابلس بعد أن اشترت ملابس العيد لصغارها الذين كانوا يرقصون من شدة الفرح، فوجئت بوابل كثيف من الرصاص ينطلق نحوهم، وما هي إلا لحظات قليلة حتى أصبحوا في عداد الموتى شهداء، ومن نجا منهم سيعيش مع الفقد واليتم طيلة حياته، يتيم يعانق يتيمًا.
إنه كابوس الحياة البشع في فلسطين هذا الاحتلال الذي يواصل جرائمه، ويلقي بأحقاده على كل قرية وكل مخيم وكل مدينة، و يزرع الخوف في قلوب الأطفال والشيوخ والنساء، ويغتال الصغار والكبار، ويهدم البيوت ويستولي على الأرض ويطمس الهوية.
ماتوا
ولا ذنب لهم
لكنه صمت العالم

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الجغرافيا والاقتصاد السياسي والعقيدة.. مخاطر إضفاء الطابع الديني على صراعات المنطقة


في خضم التصعيد العسكري العدواني الأمريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، أعادت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة الجدل حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يرافق هذه الحروب. فالإشارة إلى مواجهة بين ما يسمى "القيم المسيحية – اليهودية" و"الإسلاموية" لا تبدو مجرد صياغة خطابية عابرة، بل تعكس اتجاهاً فكرياً متجذراً في بعض دوائر التأثير السياسي والفكري في الغرب وتحديدا بالولايات المتحدة، التي تعتبر ترامب "كخيار الٓهي لمحاربة الشر".
هذا الخطاب يرتبط بصعود التيارات المسيحية الصهيونية والإنجيلية الجديدة في الولايات المتحدة، والتي تتقاطع في كثير من مواقفها مع توجهات اليمين الشعبوي والمحافظين الجدد، والتي تجد امتدادات لها في بعض الأوساط اليمينية الأوروبية واللاتينية الأمريكية. وفي هذا السياق، يُقدم الصراع في الشرق الأوسط أحياناً باعتباره جزءاً من مواجهة حضارية بين الغرب وخصومه، وليس نتيجة مباشرة لصراعات سياسية أو لواقع الأحتلال والاستعمار الاستيطاني في فلسطين.
ويتقاطع هذا المناخ الفكري مع الخطاب السياسي الذي عاد إلى الواجهة في الولايات المتحدة مع صعود الترامبية الفاشية، حيث يجري أحياناً توظيف الرمزية الدينية والثقافية في تفسير الصراعات الدولية، وكأنها معركة أخلاقية أو حضارية بين الخير والشر. مثل هذا الخطاب يجد صدى لدى قطاعات من التيار الإنجيلي الداعم لإسرائيل، ويمنح السياسات الأمريكية في المنطقة بعداً أيديولوجياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
تكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يعيد تعريف طبيعة الصراع، فعندما تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن حضارة أو عقيدة، تتحول النزاعات السياسية القابلة للتفاوض إلى مواجهات وجودية يصعب التراجع عنها. فالصراع لم يعد فقط يدور حول حدود أو مصالح أو ترتيبات جيوسياسية، بل حول الهوية والرسالة التاريخية.
هذه الرؤية ليست بعيدة عن أطروحة المفكر صمؤيل هنتينجتون حول "صدام الحضارات"، التي افترضت أن الصراعات المستقبلية ستكون بين كتل حضارية كبرى. وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجهت لهذه النظرية، فإن بعض الخطابات السياسية في الغرب ما زالت تعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، خاصة في سياق الحروب الوحشية الدائرة في منطقتنا التي يقررها الحلف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي.

ويتجلى أثر هذا الخطاب في الطريقة التي يُفسر بها الصراع في فلسطين والمنطقة اليوم، فعدوان الإبادة الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على غزة وما رافقه من دمار واسع لا يُقدم في بعض الدوائر الغربية باعتباره نتيجة للأحتلال الأستيطاني أو لفشل عملية السلام، بل يُصور أحياناً كجزء من مواجهة حضارية أوسع. وفي هذا الإطار، يُقدم التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس فقط كشراكة استراتيجية، بل كتحالف يقوم على أسس ثقافية ودينية مشتركة.
ويتزامن هذا الخطاب مع تسارع سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية التي تنفذها حكومة نتنياهو، والتي لا تقتصر على توسيع المستوطنات والضم، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفصل غزة، بما يهدد عملياً بإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي هذا السياق، يشير المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية "ايلان بابيه" إلى أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً أعمق في التفكير السياسي داخل إسرائيل. فالحروب لم تعد تُقدم داخل المجتمع الإسرائيلي بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع تاريخي أوسع يرتبط برؤية أيديولوجية–دينية تعتبر اللحظة الحالية فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وإنجاز ما تسميه بعض التيارات الصهيونية "تصحيح أخطاء الماضي".

وعندما يتقاطع هذا التصور مع الخطاب الحضاري في بعض الدوائر الغربية، مع مشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية والترتيبات الأمريكية لغزة، تصبح الصراعات أقل ارتباطاً بالترتيبات السياسية وأكثر ارتباطاً برؤية أيديولوجية تتحدث صراحة عن إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور "إسرائيل الكبرى".
لكن، ورغم أهمية هذا البعد العقائدي، فإن اختزال الصراع في إطار ديني فقط يبقى تبسيطاً مضللاً. فالحروب في الشرق الأوسط ترتبط أيضاً بمصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة، تشمل سياسات البترودولار والطاقة والأسواق والممرات البحرية الاستراتيجية، إضافة إلى دور مجمع الصناعات العسكرية والتكنولوجية في النظام الدولي أحادي القطب القائم.

فالتحالف مع إسرائيل والعمليات العسكرية في المنطقة لا يعكسان فقط دفاعاً عن "قيم حضارية"، بل يشكلان أيضاً أدوات للحفاظ على النفوذ الأمريكي وضمان السيطرة على الموارد الحيوية في النظام العالمي الذي يريدون استمراره لمنع التحولات الجارية به.
إن أخطر ما في إضفاء الطابع الديني على الصراعات السياسية أنه لا يهدد فقط فرص التسوية التي هي بعيدة اصلا، بل يعيد تشكيل طبيعة النزاعات نفسها. فحين تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن الحضارة أو العقيدة، تصبح التسويات السياسية أشبه بتنازلات وجودية يصعب قبولها وهو امر تسعى له الحركة الصهيونية.

وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الهويات الدينية مع التنافس الجيوسياسي، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يهيئ البيئة الفكرية لحروب أطول وأكثر خطورة كما ولتبرير الدوافع الكامنة. فالتاريخ يبين أن الحروب التي تُخاض باسم الدين أو الحضارة غالباً ما تكون الأكثر دموية والأطول زمناً، لأنها تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل احيانا إلى مواجهة وجودية مفتوحة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على إنهاء الحروب الدائرة، بل يتجاوز ذلك إلى منع تحويلها إلى صراعات هوية أو عقيدة، لأن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط مستقبل القضية الفلسطينية، بل يهدد أيضاً استقرار الشرق الأوسط برمته حيث تعتبر أسراىيل فيه خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في مواجهتها مع الشرق الناهض.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

إرهاب المستوطنين... سياسة دولة لا انفلات أفراد


لم يعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس مجرد حوادث متفرقة أو انفلاتات فردية يمكن تفسيرها بالتطرف أو الغضب.
 ما يجري اليوم هو نمطٌ متكرر ومنهجي من الاعتداءات المنظمة التي تتم تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من سلطات الاحتلال في إسرائيل، الأمر الذي يكشف بوضوح أن هذه الجرائم باتت جزءًا من سياسة قائمة على فرض الوقائع بالقوة وترهيب الفلسطينيين لدفعهم إلى ترك أرضهم.
ففي جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس اليوم عن استشهاد شاب فلسطيني متأثرًا بإصابته برصاص مستوطنين في الصدر في بلدة قصرة.
حادثة أخرى تؤكد أن دم الفلسطيني أصبح هدفًا مباحًا لعصابات الاستيطان، التي تتحرك بثقة لأنها تدرك أن يد العدالة لن تصل إليها في ظل الحماية السياسية والعسكرية التي توفرها لها الحكومة الإسرائيلية.

لقد تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى قواعد متقدمة لمشروع استعماري إحلالي يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين.
فالمستوطنون لا يكتفون ببناء البؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي، بل يمارسون سياسة يومية من الإرهاب المنظم: إحراق المنازل والمركبات، اقتلاع أشجار الزيتون، الاعتداء على المزارعين، إغلاق الطرق، وإطلاق النار على المدنيين العزل.
وغالبًا ما تقع هذه الاعتداءات أمام أعين جيش الاحتلال أو تحت حمايته المباشرة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد سلوك متطرف لجماعات هامشية، بل أصبحت جزءًا من منظومة سياسية وأمنية.
 فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكتفِ بغض الطرف عن هذه الجرائم، بل شجعتها عمليًا عبر توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتوفير الحماية العسكرية للمستوطنين.
 وهكذا يتحول المستوطن المسلح إلى ذراع غير رسمية لسياسة الدولة، تمارس العنف حيث لا تستطيع الحكومة أن تعلن عنه صراحة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن هذا الواقع يمثل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية.
 فالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، كما يحظر الاعتداء على السكان المدنيين أو ممتلكاتهم.
 ورغم وضوح هذه القواعد القانونية، تستمر إسرائيل في توسيع مشروعها الاستيطاني في تحدٍ مباشر لقرارات الأمم المتحدة وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
إن ما يجري اليوم في القرى والبلدات الفلسطينية ليس مجرد نزاع محلي، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي.
فإذا استمرت هذه الجرائم دون مساءلة، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن حياة الفلسطينيين يمكن أن تبقى خارج دائرة الحماية الدولية.
المطلوب اليوم يتجاوز بيانات القلق أو الإدانة اللفظية.
 المطلوب خطوات عملية لوقف إرهاب المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه.
 فالمجتمع الدولي مطالب بالضغط الجاد على الحكومة الإسرائيلية لوقف هذه الاعتداءات، وتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وملاحقة المسؤولين عنها وفق قواعد العدالة الدولية.
كما أن حماية الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يجب أن تتحول إلى أولوية دولية، عبر آليات رقابة ومساءلة حقيقية تضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.
 فالتجارب أثبتت أن غياب المحاسبة هو ما يشجع استمرار هذه الجرائم وتوسعها.
إن الدم الفلسطيني الذي يسقط برصاص المستوطنين ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل شاهد حي على مأساة إنسانية وسياسية مستمرة منذ عقود.
 ومع كل شهيد جديد يتجدد السؤال الأخلاقي أمام العالم: إلى متى يبقى القانون الدولي عاجزًا أمام سياسة القوة؟
إن وقف إرهاب المستوطنين، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ليس مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى صوت الضحايا يذكّر العالم بأن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الأرض التي رويت بدماء أبنائها لا يمكن أن تتخلى عن حقها في الحياة والحرية والكرامة.
 

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

المدن والقرى لا تُبنى بالشعارات... بل بالعمل والشراكة مع الناس


في كل موسم انتخابي نسمع الكثير من الكلمات الكبيرة والوعود الجميلة، لكن ما يبحث عنه المواطن في النهاية ليس الخطابات، بل التغيير الحقيقي في حياته اليومية. فالناس تريد طرقاً أفضل، وخدمات أنظف، وبيئة منظمة، وإدارة قريبة منها تسمع مشاكلها وتعمل على حلها. وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمدن والقرى عبر مجالسها البلدية والمحلية.
إن تطوير المدن والقرى لا يعتمد فقط على حجم الإمكانيات المالية، بل على القدرة الحقيقية في استثمار كل ما هو متاح من موارد. فهناك موارد مالية يمكن إدارتها بشكل أفضل، وهناك موارد بشرية داخل المؤسسات البلدية من موظفين وكوادر قادرة على العطاء، إضافة إلى طاقات كبيرة في المجتمع المحلي من خبرات ومبادرات وأفكار يمكن أن تسهم في البناء والتطوير.
المجالس البلدية والمحلية الناجحة هي التي تدرك أن دورها لا يقتصر على تقديم الخدمات اليومية فقط، بل يتعدى ذلك إلى قيادة عملية التنمية في المدينة أو القرية. فالمجلس البلدي يجب أن يكون قادراً على جمع الطاقات، وتنظيم الجهود، وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى مشاريع وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لكن النجاح الحقيقي للعمل البلدي لا يتحقق دون شراكة حقيقية مع المجتمع. فدور البلديات لا يجب أن يكون إدارياً فقط، بل مجتمعياً أيضاً. عليها أن تعمل على تكوين أسرة كبيرة من أبناء المجتمع المحلي تلتف حول المجلس البلدي، وتكون شريكاً حقيقياً في عملية البناء والتطوير.
فعندما يشعر المواطن أن المجلس البلدي قريب منه، يستمع إليه، ويشاركه التفكير في الحلول، يصبح المجتمع كله جزءاً من عملية التطوير. وعندها تتحول المدن والقرى إلى مساحة عمل مشتركة بين المجلس البلدي والمواطنين، حيث يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على المكان وتطويره.
إن تطوير المدن والقرى لا يحتاج إلى خطابات رنانة ولا إلى وعود انتخابية تتكرر كل بضع سنوات. ما يحتاجه فعلاً هو نية صادقة لخدمة الناس، وعمل جاد ومستمر، وإيمان حقيقي بأن الشراكة مع المجتمع هي الطريق الأقصر لتحقيق النجاح.
فالمدن التي تتقدم ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، بل الأكثر قدرة على استثمار إمكانياتها، والأكثر قرباً من مواطنيها، والأكثر إيماناً بأن العمل المشترك هو أساس النجاح.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن المدن والقرى لا تُبنى بالكلام، بل بالعمل. ولا تتطور بالوعود، بل بالإرادة الصادقة والتعاون بين المجالس البلدية والمجتمع المحلي. وعندما تتحول هذه الشراكة إلى ثقافة يومية، يصبح التطوير ممكناً، ويصبح المستقبل أفضل لجميع.
كاتب وسياسي فلسطيني

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

صدام الأصوليات: ليندسي غراهام نموذجاً


ليندسي جراهام، السيناتور الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي يصرّح يميناً وشمالاً وكأنه صانع قرار في البيت الأبيض والخارجية والحربية في وقت واحد، يقدّم نموذجاً لماكينة السم والتحريض والجهل أيضاً، فهو يدعو صراحة إلى تكرار ما تم فعله في اليابان وألمانيا لضمان تغيير الشعوب والحدود والثقافة، إنه يدعو صراحة إلى الإزالة والحذف، وكأن الناس مجرد ديكور في لعبة كمبيوتر، وهو لا يُخفي كراهيته الشديدة وعداءه السافر للإسلام والمسلمين، ولا يتوانى عن وصف ما يجري بأنه حرب دينية، المنتصر فيها سيحدد شكل المرحلة لألف سنة قادمة، وهذا ما يُذّكر بعقيدة الألفية السعيدة، حيث ينتصر الخير على الشر حسب الأجندات الاستعمارية طبعاً.
غراهام هذا يقدم نموذجاً للعقلية المتطرفة المغلقة التي تُفصِّل النصوص الدينية كما تريد، وتحولها من صلة روحية دينية إلى تبرير استعماري يبيح القتل والتشريد والتدمير، والمشكلة هنا التي تدفع إلى الشعور بالعبث العقلي، أن ما يقوله هذا الرجل يأتي في سياق من الرفعة الأخلاقية والفكرية، بمعنى أن تبريره للدمار والقتل والإبادة ما هو إلا جزء أصيل من النظام الليبرالي الذي يبدو أنه لا يكتمل إلا به، وفي هذا ذروة التناقض والسخرية في آن معاً، وكأن الليبرالية لا تكون إلا على حساب الشعوب، وكأن الليبرالية لا تعبد إلا نفسها ولا تعيش إلا لذاتها.
السم الذي ينفثه غراهام في كل مكان، تهديداً وعدوانية وكراهية، هو نموذج بغيض للتيارات الأصولية العريضة، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في أماكن كثيرة في العالم، بما فيها إسرائيل طبعاً، حيث تكتسب فكرة بناء الهيكل زخماً كبيراً.
ليندسي غراهام هو نموذج يمثل قادة اليمين المسيحي ودُعاة التراث اليهودي المسيحي في الولايات المتحدة ومبشريه، الذين لهم تأثير هائل على مجمل صناع السياسة والإعلام والثقافة، استطاعوا فرض رؤاهم الدينية الحرفية على صنع القرار السياسي، وهو أمر واضح وجلي منذ بدايات تكون الولايات المتحدة، بحيث ارتبط في وعي مؤسسي هذه الولايات بأن ظهورها تجسيد "لنهاية الزمان"، ولهذا لم يكن من المستغرب أن يرى هؤلاء المؤسسين في إقامة إسرائيل دليلا على ذلك، أما أسباب اهتمام الآباء المؤسسين بالفكر الأخروي ونهاية الزمن، فهي كالآتي:
1.    الاعتقاد بأن أمريكا أمة فضلتها العناية الإلهية وخصّتها بمهمة مقدسة منذ بدء الاستيطان الأوروبي لها، فقد اعتقد الطهوريون أن أمريكا هي في الحقيقة "صهيون الجديدة"، وتردد هذا الاعتقاد في فترات متعددة من تاريخ أمريكا.
2.    الادّعاءات الأمريكية المستمرة بأن لأمريكا مهمة مقدسة أخرى، هي نشر الديمقراطية والحرية والعلوم والنزعة الإنسانية في كل أنحاء العالم، هذا النوع من التفكير غالباً ما يُشجّع النظرة الذاتية الطوباوية ويرفد أيضاً أفكار الألفية ونبوءات آخر الزمان ودور أمريكا فيها.
3.    انتشر نتيجة لهذه المعتقدات والأفكار، الحماس التبشيري بشكل أسرع وأوسع في أمريكا منه في أوروبا، وساعد بدوره على قبول الأفكار الألفية واقتراب نهاية الزمن.
وبما أن هذا المعتقد يفترض أن يأتي المشيح المخلص إلى "الشعب المختار"، وهو الشعب الذي آمن به - أي يتم استبدال الشعب المختار اليهودي بالشعب المختار الثاني وهو الذي آمن بألوهية المسيح حسب تعبير الدكتور المسيري رحمه الله -، فإن ذلك يفترض دعم إسرائيل كدليل على صحة النبوءات، والأهم هو أن ترجمة هذا الفكر الأخروي في الولايات المتحدة تحول إلى سياسات ومؤسسات ودعم وتماثل، والمشاركة في حروبها.
هذا الفكر الأخروي المنتشر بقوة، على مستوى النخبة وعلى مستوى الجماهير، يتضمن ضمن أمور أخرى، ما يسمى "بخطة الله للدهر"، وهي خطة مأخوذة من التفسيرات الحرفية لنبوءات الكتاب المقدسة، وهي مقسمة إلى عدد من الفترات الزمنية، حيث تتميز كل فترة بأحداث جسام، ونحن نعيش حسب هذه "بالخطة بالمرحلة الرابعة" التي تتميز بعودة المشيح - ملك الملوك ورب الأرباب - فيُهزم الشر في معركة مجدو، ويجتمع حوله المؤمنون والمخلصون الذين نجوا من محنة المرحلة الثالثة والذين سيعمرون المملكة الألفية.
والحديث هنا لا يدور عن جدل أكاديمي نخبوي، بل يتحوّل إلى تيارات عريضة تدعم دون قيد أو شرط عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وتأسيس دولة إسرائيل ... وكل من يعتقد بأن حق اليهود بهذه الأرض مدعوم بالكتاب المقدس هو صهيوني، وقد استطاعت هذه الأفكار تشكيل الرأى العام الأمريكى وربما سياسة أمريكا الخارجية.
وتتمثل هذه الأفكار والرؤى على النحو التالي:
•    ربط التنبؤات حرفياً وتفصيلياً بما يجري من أحداث عالمية، وبصورة خاصة بما يجري في العالم العربي.
•    وضع إسرائيل، الدولة السياسية، في بؤرة هذه الأحداث، على أنها موضوع النبوءات الرئيسي، والدعوة إلى دعم هذه الدولة سياسياً ومادياً وعسكرياً، لأن ذلك من علامات الساعة.
•    العداء الرهيب الذي يُكنّه هؤلاء الدُعاة للإسلام والمسلمين، بل دعوتهم إلى إبادة الإسلام كشرط من شروط تحقيق النبوءات.
•    اشتراك هؤلاء الدعاة بالنشاط التبشيري المحموم، وخاصة في العالم الإسلامي، لأن ذلك أيضاً يُعجّل بتحقيق هذه النبوءات.
لندسي غراهام – لأسباب علنية وخفية – يتحدث بوقاحة كبيرة، ويُعبّر عن هذا الفكر المنحرف للنصوص الدينية مستغلاً مرحلة الضعف والتفكك، وهو ليس وحده في هذا المجال، فهناك حملة ممنهجة، إعلامية وسياسية، ضد الوجود العربي والفلسطيني والإسلامي في الولايات المتحدة، في محاولة مكشوفة لحرف الأنظار وتغيير الاهتمامات.
الحرب الأخيرة توفِّر أرضية خصبة لاستثمار هذا الفكر المتطرف وترويجه والدعوة إليه، وهو فكر قد يقود – لأسباب أخرى – إلى حرب عالمية لا تُبقي ولا تذر.


أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

رُب ضارة نافعة


الحلقة الثانية

تعرضت بلدان الخليج العربي لاعتداء وتطاول ومس بسيادتها من قبل إيران، ولكن لم يكن يتم ذلك، لولا وجود القواعد الأميركية، التي شكلت دوافع الاعتداء الإيراني، ولولاها لما أقدمت إيران على المس بالأمن والتطاول على سيادة بلدان الخليج العربي.
وبذلك بدلاً من أن تشكل القواعد الأميركية عنواناً للحماية وتوفير الأمن، فقدت هذا الدور، وفشلت حقاً في حماية بلدان الخليج العربي الذي يتطلب إعادة النظر من قبل بلدان الخليج كافة بوجود هذه القواعد التي شكلت دافعاً عدوانياً للجارة الإيرانية على جيرانها العرب.
بلدان الخليج العربي، بلدان ثرية، تملك القدرة على شراء السلاح من بلدان عديدة، مثلما تملك القدرة لبناء علاقات أمنية متعددة حماية لأمنها الوطني، عبر التعاون والاتفاق مع أوروبا والصين وروسيا ومع الولايات المتحدة على أساس الندية والتكافؤ بعيداً عن حاجتها لوجود قواعد أجنبية على أراضيها.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تتعامل مع جارتها إيران على أساس الندية وحُسن الجوار على قاعدة المصالح المشتركة والأمن المشترك بدون الانصياع أو الدونية أو التعامل معها من موقع الضعف وهذا يتطلب، أول ما يتطلب يتطلب وحدة بلدان الخليج العربي، سياسياً وأمنياً وفق المنظومة القائمة بينهم: مجلس التعاون الخليجي، حيث ثبت بالملموس أنهم جميعاً تعرضوا للاعتداء والتطاول، والمس بأمنهم الوطني والقومي، ولم يكن كذلك لولا وجود القواعد الأجنبية التي ثبت عجزها وفشلها عن حماية أمن الخليجيين وسببت لهم الأذى والمس بالسيادة على أراضيهم.
الاستخلاص الواعي المفيد الواثق هو أن تدرك بلدان الخليج كافة أن أمنها واستقلالها والحفاظ على سيادتها هو عبر تماسكهم مع بعضهم، ووحدة إرادتهم، وأن يكون لهم حقاً الأمن الواحد المشترك، وأن الاعتداء على أي منهم هو اعتداء عليهم جميعاً، ولذلك إذا توفرت حقاً المصداقية التي تجمعهم، سيكون ذلك رادعاً لمن يفكر بالمس بالأمن لبدان الخليج العربي مجتمعة.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تبني علاقات مفيدة تخدم مصالحهم مع كل من مصر والأردن التي تربطها علاقات الأخوة والاحترام المتبادل في إطار الاتفاق القومي المشترك، وانعكاس ذلك على الأطراف جميعاً.
تجربة التطاول والاعتداء الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتداعياتها أثبت بوضوح بالغ أن الأولوية لسياسات الولايات المتحدة هي مصلحة المستعمرة الإسرائيلية، وليس الاتفاقات الظاهرة مع الولايات المتحدة التي لم توفر الأمن لبدان الخليج التي وقفت ضد الحرب، ولكن الولايات المتحدة لم تعطِ هذا الموقف ما يستحق، بل عملت على تلبية سياسة المستعمرة الإسرائيلية التوسعية العدوانية وشراكتها في الحرب على إيران، وسببت ما سببت من آثار وخراب وتدمير لشعوبنا العربية في الأردن والخليج العربي، وانعكاس ذلك على مجمل بلدان المشرق العربي، حيث تسعى المستعمرة للهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم العربي، وعملت على تمييع الاهتمام وإزالة التركيز عما فعلته من جرائم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
موقف العربية السعودية الحكيم العقلاني يجب أن يجد الصدى والاستجابة كما تفعل سلطنة عُمان، وموقف قطر الواعي الذاتي، المكمل لبعضهم البعض، مما يستوجب أن يستفيدوا مما جرى ويعملوا على وحدة مواقفهم وسياساتهم وإرادتهم وهي حصيلة ستوفر لهم الأمن والاستقرار والاحترام من قبل الجميع.


فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس في العشر الأواخر: مدينة محاصرة.. وإيمان يتخطى الحواجز

د. أحمد الطيبي: الصلاة على عتبات السور وباب الساهرة أبلغ رد على محاولات التقييد.. إن المصلين يراقبون المسجد بقلوبهم ويحولون كل زقاق إلى "محراب"
سامي أبو شحادة: حصار المسجد الأقصى لا يمس فقط حرية العبادة والديانة بل يندرج ضمن مشروع سياسي إسرائيلي مستمر منذ فترة طويلة
زياد الحموري: هناك إدراك واسع بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق "الأقصى" ترتبط بترتيباتٍ ومخططاتٍ تتعلق بقضية بناء "الهيكل"
 فخري أبو دياب: هذه الأيام ليست للعبادة فحسب بل أيضاً لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء للعلي القدير بأن يرفع عنه الحصار والإغلاق
د. محمد ربعي: "الأقصى" يقف اليوم وحيداً يلفّه صمتٌ موجع وتطلّ العشرُ الأواخر على القدس هذا العام غريبة كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد

خاص بـ القدس-

يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ومنع المصلين من الوصول إليه، لليوم السادس عشر على التوالي، وهي المرة الأولى منذ عام 1967 التي يُمنع فيها المصلون من أداء الصلاة والاعتكاف في المسجد وإحياء ليلة القدر، إذ  شهد محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد إجراءات عسكرية مشددة، ما حال دون تمكن الكثيرين من أداء الصلاة.
واعتبر متحدثون وشخصيات مقدسية ودينية لـ"ے" أن إغلاق المسجد يأتي ضمن سلسلة من الإجراءات والتقييدات التي تُفرض على المصلين، الأمر الذي يثير استياء واسعاً بين المواطنين، خاصة في المناسبات الدينية التي تشهد عادة توافد آلاف المصلين إلى المسجد المبارك، محذرين من التصاعد الخطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُسمّى "منظمات الهيكل" المتطرفة ضد الأقصى، في ظل استمرار إجراءات الإغلاق.
وأكدوا أن ما يجري لا يمكن اعتباره إجراءات أمنية مؤقتة كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي ومشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة يهدف إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.



أسوار المسجد الأقصى شاهدة على "مفارقة مؤلمة"

يقول رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير في الكنيست د. أحمد الطيبي: "في الوقت الذي تشرع فيه أبواب المصانع والمطاعم والمراكز التجارية في كل مكان، وتنبض فيه الأسواق بالحياة شبه الروتينية ، تقف أسوار المسجد الأقصى شاهدةً على "مفارقة مؤلمة" وقرار جارف يفتقر لأي منطق تنظيمي أو أمني مبرر".
ويتساءل الطيبي: كيف يمكن للعالم أن يفسر السماح بالتجمعات في "معابد الاستهلاك" ومنعها في "محراب الروح"؟ أو السماح باحتفالات البوريم في نحلؤوت لمئات اليهود ومنع المسلمين من الصلاة، خاصة في شهر رمضان والعشر الاواخر  وليلة القدر قريبا.
ويقول: "إن هذا التساؤل ليس مجرد سؤال عابر، بل هو صرخة وجهناها في وجه هذا التمييز الصارخ تحت قبة الكنيست".

اختبار للإرادة

ويضيف الطيبي: "في هذه الليالي المباركة من العشر الأواخر، يرقب الصائمون مآذن الأقصى بعيون تحدق وقلوب يملأها الشوق. المشهد في القدس اليوم ليس مجرد مشهد مدينة محاصرة، بل هو اختبار للإرادة.
ويؤكد الطيبي ان العيون الشاخصة ترى المصلين يقفون على أقرب نقطة تسمح بها القيود، يفترشون الأرصفة، وتلتحف سجادة صلاتهم برد الشوارع، وعيونهم لا تغادر قبة الصخرة.
ويشير الى المفارقة الصارخة بانه لا يوجد تفسير منطقي يبرر منع المصلين كلياً من ممارسة حقهم الطبيعي في العبادة، بينما تستمر عجلة الاقتصاد والمرافق العامة بالدوران دون عوائق. إنها سياسة تهدف إلى تغييب الهوية الروحية للمدينة في أقدس أوقاتها.

حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية

ويرى الطيبي أن صلاة المقدسيين وأهلنا من الداخل والضفة على عتبات السور وباب الساهرة هي أبلغ رد على محاولات التقييد. إنهم يراقبون المسجد بقلوبهم، ويحولون كل زقاق في القدس إلى "محراب".
ويقول الطيبي: "لقد طرحنا هذا التناقض بوضوح؛ فالحق في العبادة ليس منّة من أحد، بل هو حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية، وما يحدث اليوم هو محاولة لفرض واقع جديد يكسر الروابط الوجدانية بين المسلم ومسجده في ذروة تعبده."
ويشدد الطيبي في ختام حديثه لـ"ے" على أن مآذن الأقصى ستبقى تصدح، وسيبقى الصائمون يرقبون فجر حريتهم من خلف الأسوار. إن منع الصلاة في المسجد بينما تفتح "المولات" أبوابها هو شهادة إدانة صارخة ضد منطق الكيل بمكيالين.

رمز ديني ووطني

ويؤكد سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن المسجد الأقصى يشكّل رمزاً دينياً ووطنياً، وأن ما يجري حالياً من حصار للمسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه لا يمس فقط بحرية العبادة والديانة، بل يندرج ضمن مشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة.
ويوضح أن هناك اعتداءات متواصلة على المسجد الأقصى تقوم بها سلطات الاحتلال، ويؤكد أن هذه الإجراءات غير قانونية ومرفوضة، لأن القانون الدولي لا يمنح دولة الاحتلال سيادة على القدس أو على المسجد الأقصى، وأن جميع هذه الخطوات تتناقض مع قواعد القانون الدولي.
ويضيف أبو شحادة: إن هذه الإجراءات تمس بشكل مباشر بحرية العبادة ومشاعر المصلين المسلمين، كما تؤثر على أدائهم لطقوسهم الدينية وتقاليدهم، خاصة في شهر رمضان، حيث يتوافد إلى المسجد الأقصى عشرات الآلاف وربما أكثر من مئة ألف مصلٍ يوميا في الظروف الطبيعية.
ويشير إلى أنه لولا القيود التي يفرضها الاحتلال، لكان ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم قادرين على زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويوضح أنه حتى أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية، محرومون من الوصول إلى المسجد.
ويؤكد أبو شحادة أن هذا الواقع يمس كرامة ومشاعر كل مسلم، بل وكل من يؤمن بحقوق الإنسان الأساسية وحرية العبادة.

اختبار لردود الفعل

ويعرب أبو شحادة عن خشيته من أن يكون ما جرى بمثابة اختبار لردود الفعل، ويحذر من احتمال أن تتكرر مثل هذه الإجراءات في المستقبل تحت ذرائع مختلفة تؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى مرة أخرى.
ويرى أبو شحادة أن شهر رمضان يشهد عادة أعداداً كبيرة من المصلين في الأقصى، إذ تجاوز عدد الزوار في العام الماضي ثلاثة ملايين مصلٍ خلال الشهر الفضيل، فيما تشهد ليلة القدر تحديدا حضورا واسعًا، حيث يحرص مئات الآلاف سنويا على أداء الصلاة في المسجد الأقصى في تلك الليلة المباركة.

تداعيات وآثار

ويقول مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري: إن شهر رمضان هذا العام كان من أسوأ الأعوام بالنسبة للمسلمين الذين اعتادوا أداء صلاة الجمعة أو قضاء العشر الأواخر من رمضان في المسجد الأقصى المبارك، إذ حُرم كثيرون من ذلك، الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في نفوس الناس الذين ارتبطوا روحانياً بالأقصى عبر سنوات طويلة، ومن المتوقع أن تظل لهذه الإجراءات تداعيات وآثار حتى في المستقبل.
ويضيف الحموري أن هناك إدراكاً واسعاً بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق الأقصى ترتبط، في نظر كثيرين، بترتيبات ومخططات تتعلق بقضية بناء "الهيكل".
ويوضح الحموري أن هذا الإغلاق حرم أهالي القدس، والفلسطينيين من الداخل، وسكان الضفة الغربية من أداء عباداتهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وهو ما يعد حرماناً كبيراً، ليس فقط من الصلاة في الأقصى، بل أيضا من الوصول إلى البلدة القديمة، حيث إن عددا من التجار لم يعد بإمكانهم الوصول إلى محالهم إذا لم يكونوا من سكان المنطقة.
ويشير الحموري إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل انتشار مقاطع مصورة وتصريحات من قبل بعض المستوطنين تتحدث عن إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى ما وصفه بحالة التبجح لدى بعضهم باقتراب تنفيذ هذه الفكرة.

مؤشرات مقلقة

ويلفت إلى أنه قبل أحداث 7 أكتوبر كانت هناك مؤشرات مقلقة، من بينها الحديث عن تجهيزات مرتبطة بهذا المشروع، بما في ذلك إحضار ما يُعرف بـ"البقرات الحمراء"، إلى جانب الإعلان للمرة الأولى عن ميزانية حكومية مخصصة لموضوع بناء الهيكل، وهو أمر لم يكن يحدث سابقا، إذ كانت هذه القضية تُطرح غالباً من قبل جماعات استيطانية أو جمعيات دينية، وليس بشكل مباشر من الحكومة.
ويعتبر الحموري أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة وردود فعل واسعة، نظراً لحجم الحرمان الذي يشعر به الناس، خاصة أن الكثير من المسلمين يتهيؤون طوال العام لقضاء شهر رمضان والعشر الأواخر في رحاب المسجد الأقصى.
ويؤكد الحموري أن ما حدث هذا العام قد يكون الأول من نوعه منذ عام 1967 من حيث منع أعداد كبيرة من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ويشير إلى أن الإغلاقات كانت تحدث في سنوات سابقة، لكنها لم تكن بهذا الشكل الشامل وفي هذا التوقيت الحساس من الشهر الفضيل.

الاحتلال لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى

ويقول الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب إنه في هذه الليالي المباركة، ومع الألم والحسرة والشوق إلى المسجد الأقصى، ورغم كل ما يقوم به الاحتلال من محاولات لإبعاد أجساد المقدسيين وتفريغ المسجد الأقصى من المصلين، فإنه لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى أو محبته من قلوب المقدسيين.
ويضيف: كلما ازداد الاحتلال في منع أداء العبادات والصلاة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، ازدادت محبة الناس وشوقهم إليه. ويوضح أن هذه الأيام ليست مجرد ليالٍ للعبادة فحسب، بل هي أيضًا أيام لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء بأن يرفع الله عنه الحصار والإغلاق.
ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال قد يظن أنه من خلال إغلاق المسجد الأقصى وإبعاد المصلين عنه يستطيع فرض سيطرته الكاملة عليه، إلا أن ذلك قد يتحول إلى شرارة قد تفجر الأوضاع في القدس.
ويلفت إلى أن الأشهر الماضية، منذ العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة، شهدت تراجعاً نسبياً في مظاهر الوقوف مع المسجد الأقصى، لكن هذا الإغلاق قد يعيد الزخم ويعيد الشارع المقدسي إلى موقعه السابق.

محاولات لفرض وقائع جديدة

ويوضح أبو دياب أن الاحتلال يحاول خلق فجوة بين أهل القدس والمسجد الأقصى لتسهيل فرض وقائع جديدة عليه في المستقبل، غير أن تشديد الإجراءات والحصار والإغلاق لن يؤدي إلا إلى زيادة تعلق الناس بالأقصى.
ويضيف أبو دياب: إن المسجد الأقصى، خاصة في هذه الأيام من العشر الأواخر من رمضان، يمثل بالنسبة لأهل القدس مصدر الروح والسكينة، وكأنه الأكسجين الذي يتنفسون منه. لذلك فإن حرمانهم من هذا المصدر لن يخنقهم، بل قد يدفعهم إلى التحرك للدفاع عن هذا المكان الذي يمثل لهم القلب من الجسد.
ويتابع: إن ما يجري، رغم قسوته، قد يؤدي إلى إعادة تماسك الشارع المقدسي واستعادة دوره في الدفاع عن المسجد الأقصى، كما حدث في محطات سابقة شهدت هبات وانتفاضات شعبية ضد إجراءات الاحتلال.
ويختتم أبو دياب حديثه بالقول: إن هذا الإغلاق، رغم ما يحمله من ألم وحرمان من العبادة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، قد يتحول إلى شرارة لتغيير الأوضاع في القدس، وإلى رسالة واضحة للاحتلال بأن المسجد الأقصى لن يكون سهل التغيير أو السيطرة.
ويشير إلى أن بوادر التحرك بدأت بالفعل من خلال إقامة بعض الصلوات في محيط المسجد الأقصى.

الصائمون يرقبُون "الأقصى" من خلفِ الحواجز

يقول الخبير في مجال البناء المؤسسي و المختص بعالم القيادة والقيم د.محمد ربعي: "في أطهرِ بقاع الأرض، وحيث تلتقي تنهيداتُ الأرضِ بوعودِ السماء، تطلُّ العشرُ الأواخرُ على القدس هذا العام غريبةً، كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد".
يضيف: "هناك، حيثُ كان ينبغي أن تزدحمَ المصاطبُ بدموعِ المتهجدين، وتقرعَ الخطواتُ أبوابَ الجنةِ الأرضية، يقفُ المسجدُ الأقصى اليوم وحيداً، يلفُّه صمتٌ موجع، وتُحاصرهُ قسوةُ الحديدِ التي منعتِ الجباهَ من ملامسةِ الثرى".
ويؤكد ربعي أن الصائمين يرقبُون الأقصى من خلفِ الحواجز، وتكادُ أرواحهم تسبقُ أجسادهم التي قيّدها الحصار.
ويضيف ربعي "هذا المشهدُ يُعيدُ للأذهانِ وجعَ الصحابةِ الذين حُبسوا عن "عمرة القضاء"، يومَ أن كان النبي ﷺ ينظرُ إلى مكةَ من بعيد ويقول: "واللهِ إنكِ لأحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ". "
ويتابع القول: "اليوم، كل مقدسيٍّ يقفُ على عتبةِ الطريق، يرمقُ القبةَ الذهبيةَ بعينينِ دامعتين، يُرددُ بلسانِ حاله ما قاله كعبُ بن مالك حين تخلف عن الركب: "فكنتُ أطوفُ في الأسواق فلا يكلمني أحد".  هي غربةُ الروحِ في وطنها، وصلاةُ القلبِ خلفَ قضبانِ الحرمان.
ويشير ربعي إلى قساوة رفع المؤذنُ نداءَ "حيَّ على الصلاة"، فلا يجدُ خلفه إلا صدى صوتهِ المبحوح، ورياحاً تمرُّ بين الأعمدةِ الرخاميةِ التي اشتاقت لزحامِ الأكتاف. في هذه الليالي، يرتسمُ كربُ النبي ﷺ في "ليلةِ الطائف"؛ حين نادَى ربه بضعفهِ وقلةِ حيلته.

قيمة "الاحتساب الـمُر"

ويؤكد ربعي أن الصائمين اليوم، الذين يفطرون على أرصفةِ الشوارع لأنهم مُنعوا من دخولِ ساحاتهم، يجسدون قيمة "الاحتساب الـمُر"؛ هم يعلمون أنَّ المحرابَ يبكي شوقاً لساجديه، وأنَّ المنبرَ يحنُّ لزفيرِ المؤمنين كما حنَّ "جذعُ النخلة" لرسول الله ﷺ حين فارقه.
ويقول: "لذا يرقبُ المقدسيون الأقصى في العشرِ الأواخرِ ليس كأثرٍ تاريخي، بل كقطعةٍ من عقيدتهم تُذبحُ كل ليلة. "
ويوضح ربعي انه ورغم الحزنِ الذي يلفُّ زقاق البلدة القديمة، ورغم دموعِ العجائزِ اللواتي منعن عن اعتكافهنَّ المعتاد، يبقى اليقينُ بأنَّ "الضيقَ لا يدوم".
ويضيف: "إنهم يستحضرون لحظة دخول النبي ﷺ مكةَ فاتحاً، مُنحنياً على ناقتهِ تواضعاً لله، بعد أن ذاقَ مرارةَ الإخراجِ والمنعِ لسنواتٍ طوال".
ويختتم ربعي حديثه بالقول: إنَّ الأقصى في هذه الليالي لا يبكي خذلانَ الحجر، بل يبكي غربةَ البشر. سيظلُّ الصائمون يرقبونهُ بقلوبٍ محترقة، يُصلّون بدموعهم حيثُ عجزت أقدامهم، مؤمنين أنَّ اللهَ الذي أسرى بنبيهِ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قادرٌ على أن يُسري بالفرجِ إلى تلك القبابِ الحزينة، ليصدحَ التكبيرُ مجدداً في ساحاتٍ غسلها دمعُ المحبين وانتظارُ الصابرين. فيا من تُصلّون على الأسفلتِ وتحتَ هراواتِ القسوة، أنتم اليوم "القدوةُ السلوكيةُ" للأمةِ بأسرها. أنتم تجسدون قيمة "الوفاء" في زمنِ التخاذل.
ويخاطب ربعي المصلين "اعلموا أنَّ منعكم من دخولِ الأقصى هو وسامُ شرفٍ، فأنتم تحرسونه بقلوبكم حيثُ غابت الأجساد. تذكروا قولَ النبي ﷺ لصحابتهِ حين اشتدَّ الكرب: "أبشروا، واستبشروا بما يسرُّكم".




فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير بريطاني: المسيّرات الإيرانية تضرب العمق الاقتصادي للإمارات وتكشف هشاشة الاستقرار الإقليمي

تواجه دول الخليج العربي تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأفادت مصادر صحفية بريطانية بأن هذا الصراع بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصادات الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على الاستقرار وحركة التجارة العالمية، مما أثار مخاوف جدية حول استدامة صورة المنطقة كملاذ آمن للاستثمارات الدولية.

وسلط تقرير لصحيفة 'صاندي تايمز' الضوء على مشهد استثنائي في مراكز التسوق الكبرى بأبوظبي، حيث خلت الأروقة من المتسوقين وسط دوي الألحان الوطنية وصافرات الإنذار. وجاء هذا الهدوء الحذر عقب ليلة من التهديدات الصاروخية التي دفعت آلاف السياح والمقيمين الأجانب لمغادرة البلاد، في إشارة واضحة إلى اهتزاز الثقة بالمنظومة الأمنية التي طالما تغنت بها المنطقة.

وأكد التقرير أن التهديدات الإيرانية انتقلت من مرحلة الوعيد إلى التنفيذ المباشر قبل نحو أسبوعين، حينما شنت طهران هجوماً واسعاً بطائرات مسيرة من طراز 'شاهد'. واستهدفت هذه المسيرات مواقع استراتيجية في قلب مدينة دبي، التي لا يفصلها عن السواحل الإيرانية سوى مسافة قصيرة تقدر بنحو 160 كيلومتراً، مما جعلها في مرمى النيران المباشرة.

وتسببت إحدى الضربات الجوية في اندلاع حريق هائل بفندق فاخر في منطقة نخلة جميرا الشهيرة، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قاصمة للصورة الذهنية التي عملت الإمارات على ترسيخها لعقود. ويرى خبراء أن وصول النيران إلى هذه الوجهات السياحية العالمية يبعث برسالة إيرانية مفادها أن المراكز الاقتصادية لم تعد محصنة ضد التداعيات الجيوسياسية.

وفي سياق متصل، أشارت مصادر إلى أن المركز المالي العالمي في دبي تعرض لهجمات مماثلة دفعت مؤسسات مالية كبرى لإخلاء مكاتبها بشكل مؤقت كإجراء احترازي. ولم تقتصر الأضرار على المباني، بل امتدت لتشمل هجمات سيبرانية وضربات لمراكز بيانات أدت إلى تعطل واسع في الخدمات المصرفية الرقمية، مما أربك حركة المعاملات اليومية.

ولم تسلم المنشآت الحيوية الأخرى من الاستهداف، حيث رُصدت أعمدة الدخان تتصاعد من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة عقب هجوم بمسيرة انتحارية. كما طالت الهجمات محطة لتحلية المياه في البحرين وناطحات سحاب في مناطق مختلفة، فيما أحدث استهداف مطار دبي الدولي صدمة في أوساط الملاحة الجوية العالمية نظراً لمكانته كمحور ربط دولي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت المؤسسات الدولية في مراجعة تقييماتها للمنطقة، حيث خفضت مؤسسة 'ستاندرد آند بورز' توقعات النمو الاقتصادي لدول الخليج لعام 2026 بشكل حاد. وتراجعت التوقعات من 4.3% إلى ما يزيد قليلاً عن 2%، في ظل إلغاء فعاليات كبرى مثل سباقات فورمولا 1 التي كانت مقررة في البحرين والسعودية.

ونقلت الصحيفة عن دانيا ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي، تحذيراتها من أن استمرار هذه الحالة الحربية سيؤدي إلى تآكل صورة 'واحة الاستقرار' التي سوق لها الخليج طويلاً. وأوضحت أن الضرر الاقتصادي قد يكون طويل الأمد إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد ومنع تحول الأراضي الخليجية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

من جانبها، حاولت السلطات الإماراتية التقليل من حجم التأثيرات، حيث صرحت وزيرة الدولة للشؤون الخارجية نورة الكعبي بأن سمعة الدولة الأمنية لم تتأثر بشكل جوهري. وأكدت الكعبي في تصريحات إعلامية أن قطاع السياحة يمتلك القدرة على التعافي السريع، مشددة على أن الإمارات تظل وجهة جاذبة للأعمال رغم الظروف الراهنة.

وفي محاولة للسيطرة على الرواية الإعلامية، شددت السلطات الرقابة على تداول صور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات، حيث جرى اعتقال عشرات الأشخاص في أبوظبي ودبي والبحرين. ومن بين المعتقلين سائح بريطاني واجه تهمة تصوير ضربات صاروخية، وهي أفعال قد تؤدي للسجن لمدة تصل إلى عامين وفقاً للقوانين المحلية الصارمة.

وكشف التقرير عن حالة من الاستياء المكتوم في الأروقة السياسية الخليجية تجاه الحليف الأمريكي، رغم الاستثمارات الضخمة في صفقات الأسلحة التي تجاوزت 100 مليار دولار. وأشارت المصادر إلى أن امتلاك أحدث المنظومات الدفاعية مثل 'باتريوت' و'ثاد' لم يوفر الحماية الكافية ضد المسيرات الرخيصة التي تستنزف الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن.

وفي إطار العلاقات مع إدارة ترامب، لفت التقرير إلى استثمارات سياسية واقتصادية كبرى، من بينها استحواذ الشيخ طحنون بن زايد على حصة في شركة مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي. ومع ذلك، يرى مسؤولون خليجيون أن هذه الاستثمارات لم تمنع واشنطن من جر المنطقة إلى دائرة خطر لم تكن مستعدة لها بشكل كامل.

وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن الضغوط العسكرية الأمريكية، بما في ذلك استهداف جزيرة خرج الإيرانية ونشر آلاف الجنود الإضافيين، تزيد من احتمالات الانفجار الشامل. وتجد دول الخليج نفسها الآن أمام خيار صعب بين الاستمرار في ضبط النفس أو الانخراط في مواجهة عسكرية قد تدمر ما تبقى من مكتسبات اقتصادية.

عربي ودولي

الإثنين 16 مارس 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

انقسام في إدارة ترامب: صراع بين فانس وروبيو حول التوجه العسكري ضد إيران

أفادت تقارير صحفية ألمانية بوجود حالة من الانقسام الحاد داخل أروقة الإدارة الأمريكية، نتيجة تباين وجهات النظر حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني. وتتمحور هذه الخلافات بين تيار يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، وتيار آخر يتصدره وزير الخارجية ماركو روبيو، مما يعكس شروخاً في الفريق الرئاسي رغم الحماسة التي يبديها الرئيس دونالد ترامب تجاه العمليات العسكرية الجارية.

وذكرت مصادر صحفية أن المواجهة الخفية بين روبيو وفانس تعود إلى اختلاف جذري في الرؤية الاستراتيجية تجاه طهران. فبينما يتبنى فانس موقفاً يميل إلى تغليب الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري الشامل، يصر روبيو على انتهاج خطاب متشدد يدعم التحركات العسكرية المباشرة لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة.

وتشير المعطيات المسربة إلى أن هذا التنافس لا يقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل يمتد ليشمل طموحات سياسية مستقبلية تتعلق بانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في عام 2028. حيث يسعى كل من فانس وروبيو لتعزيز مكانتهما داخل الحزب الجمهوري باعتبارهما الوريثين المحتملين للقاعدة الشعبية التي بناها دونالد ترامب خلال فترتيه الرئاسيتين.

وفي سياق هذا الصراع الداخلي، يبدو أن كفة وزير الخارجية ماركو روبيو هي الأرجح لدى الرئيس ترامب في الوقت الراهن. فقد أشارت التقارير إلى أن ترامب يميل بوضوح نحو التوجهات المتشددة التي يطرحها روبيو، في حين بدأ دور نائب الرئيس جي دي فانس يتقلص تدريجياً في دوائر صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي بسبب اعتداله تجاه طهران.

وكشفت المصادر عن واقعة وصفت بـ 'المرة' لنائب الرئيس، حين استطلع ترامب آراء مجموعة من كبار المانحين للحزب الجمهوري حول الشخصية الأنسب لخلافته في البيت الأبيض. وجاءت النتائج شبه إجماعية لصالح ماركو روبيو، مما عزز من فرضية تهميش فانس داخل المطبخ السياسي للإدارة الحالية.

ويأتي هذا الحراك المبكر نحو انتخابات 2028 في ظل القيود الدستورية التي تمنع دونالد ترامب من الترشح لولاية ثالثة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أقطاب الإدارة للتنافس على كسب ثقة المانحين والقاعدة الانتخابية. ويعد ملف الحرب على إيران الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ملامح الزعامة القادمة داخل المعسكر الجمهوري.

وعلى الرغم من الفخر الذي يبديه ترامب بالتقدم العسكري المحرز في العمليات ضد الأهداف الإيرانية، إلا أن التباين بين نائبه ووزير خارجيته يضع الإدارة أمام تحديات في توحيد الخطاب السياسي. فالتناقض بين الدبلوماسية التي ينادي بها فانس والقبضة الحديدية التي يفضلها روبيو قد يؤثر على وتيرة القرارات الاستراتيجية المتخذة في واشنطن.

ختاماً، يراقب المحللون السياسيون هذا الانقسام باهتمام بالغ، معتبرين أن ميزان القوى داخل البيت الأبيض قد يشهد تحولات إضافية بناءً على نتائج المواجهة مع إيران. ويبقى السؤال المطروح حول قدرة جي دي فانس على استعادة نفوذه، أو ما إذا كان ماركو روبيو سيحكم قبضته على السياسة الخارجية الأمريكية تمهيداً لسباق الرئاسة القادم.

فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 7:18 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل الإعلامي جمال ريان.. أول صوت أطل عبر شاشة 'الجزيرة'

نعت أوساط إعلامية عربية ودولية، اليوم، الإعلامي الفلسطيني الأردني جمال ريان، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 73 عاماً. وقد أكدت مصادر إعلامية رحيل الفقيد الذي يعد واحداً من أبرز الوجوه الصحافية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الإعلامي العربي على مدار عقود طويلة.

ويُعرف الراحل بكونه أول مذيع ظهر على شاشة القناة القطرية عند انطلاق بثها الرسمي في عام 1996، ليصبح منذ ذلك الحين علامة فارقة في مسيرة القناة. وقد ساهم ريان في تأسيس المدرسة الإخبارية للمحطة، حيث ارتبط صوته وصورته بأبرز الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية.

وُلد جمال ريان في مدينة طولكرم بالضفة الغربية عام 1953، ونشأ في أسرة فلسطينية متمسكة بهويتها الوطنية، وهو ما انعكس بوضوح على توجهاته المهنية لاحقاً. حمل الفقيد الجنسية الأردنية، وبدأ أولى خطواته في عالم الميكروفون من العاصمة عمان، حيث انطلق شغفه بالعمل الإذاعي والتلفزيوني.

استهل ريان مسيرته المهنية في عام 1974 من خلال العمل مذيعاً للأخبار والبرامج السياسية في الإذاعة والتلفزيون الأردني. كانت هذه المرحلة بمثابة الحجر الأساس الذي صقل موهبته، وأهله للانتقال إلى فضاءات إعلامية أوسع خارج حدود الوطن العربي في سنوات لاحقة.

تنوعت الخبرات المهنية للراحل بين محطات إقليمية ودولية مرموقة، حيث عمل في هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية، وقدم محتوى إخبارياً متميزاً. كما كانت له محطة هامة في تلفزيون الإمارات، قبل أن ينتقل للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية، مما منحه رؤية شمولية للعمل الصحفي العالمي.

خلال عمله في القناة القطرية، تخصص ريان في تقديم الفترات الإخبارية الرئيسية والبرامج الحوارية التي تناقش القضايا الاستراتيجية. وقد عُرف بأسلوبه الرصين وقدرته العالية على إدارة الحوارات الساخنة، خاصة تلك المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية.

يروي زملاء الراحل مواقف عديدة تجسد شجاعته المهنية، من أبرزها مواجهته للمسؤولين الإسرائيليين على الهواء مباشرة بوقائع تاريخية. وفي إحدى المقابلات الشهيرة، أحرج ريان مسؤولاً إسرائيلياً بإظهار وثائق ملكية عائلته لمنزل في فلسطين التاريخية، مؤكداً على حق العودة.

وصفت مصادر صحفية رحيل ريان بأنه خسارة كبيرة للصحافة العربية، مشيرة إلى أنه رسخ مكانته كأحد أكثر المذيعين تأثيراً في جيله. لقد كان الفقيد نموذجاً للإعلامي الملتزم بقضايا أمته، والمتمسك بالمعايير المهنية في نقل الخبر وتحليل أبعاده السياسية المعقدة.

تفاعل ناشطون وإعلاميون بشكل واسع مع خبر الوفاة، مستذكرين اللحظات الأولى لانطلاق البث الإخباري العربي العابر للحدود الذي كان ريان بطل واجهته. وأشار مغردون إلى أن صوته سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال التي تابعت التحولات الكبرى في المنطقة عبر شاشات التلفزة.

تميزت مسيرة جمال ريان بالثبات على المبادئ، حيث ظل طوال عقود يدافع عن الحقوق الفلسطينية من على منبره الإعلامي. ولم يكتفِ بنقل الأخبار، بل كان يسعى دائماً لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، مستخدماً لغة عربية فصيحة وأداءً واثقاً.

أوضحت تقارير من الدوحة أن الراحل ترك إرثاً غنياً من العمل الصحفي الميداني والاستقصائي، حيث شارك في تغطية حروب وأزمات كبرى. وكان يُنظر إليه كمرجع للمذيعين الشباب، حيث تتلمذ على يديه الكثير من الكوادر التي تقود المشهد الإعلامي الحالي في عدة قنوات.

نعت مؤسسات صحفية قطرية وأردنية الفقيد، مؤكدة أن الساحة الإعلامية فقدت فارساً من فرسان الكلمة الصادقة. وأشارت هذه المؤسسات إلى أن مسيرة ريان الحافلة بالعطاء ستبقى مصدر إلهام لكل من يسعى للتميز في مجال الصحافة التلفزيونية والعمل السياسي.

من المقرر أن تتم مراسم التشييع والدفن وسط حضور من زملائه وعائلته، في وقت توالت فيه برقيات التعزية من مختلف أنحاء العالم العربي. سيبقى جمال ريان حاضراً في تاريخ الإعلام كأول من قال 'هنا الدوحة' في تجربة غيرت وجه الإعلام العربي المعاصر.

فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس

سلطات الاحتلال تقرر إعادة فتح معبر رفح جزئياً الأربعاء المقبل

كشفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، عن خطة لإعادة تشغيل معبر رفح الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية بصورة جزئية. ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذا القرار اعتباراً من يوم الأربعاء الموافق 18 مارس/آذار الجاري، وذلك بعد فترة من الإغلاق التام الذي فرضه الاحتلال تزامناً مع التصعيد العسكري الأخير ضد إيران.

وأفادت مصادر رسمية تابعة لهيئة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة بأن المعبر سيُخصص لحركة محدودة للأفراد في كلا الاتجاهين. وأوضح البيان الصادر عن الهيئة أن هذه الخطوة جاءت بعد إجراء مراجعة شاملة للظروف الميدانية وتقييمات أمنية أجرتها قيادة جيش الاحتلال، التي تسيطر حالياً على مساحات واسعة من القطاع تتجاوز نصف مساحته الإجمالية.

وفيما يخص الآلية التنفيذية، أكدت المصادر أن إدارة المعبر ستتم وفق بروتوكولات تنسيق مسبقة مع السلطات المصرية وبمراقبة مباشرة من بعثة الاتحاد الأوروبي. كما سيتم فرض إجراءات فحص وتفتيش إضافية في المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، لضمان ما وصفه الاحتلال بالمعايير الأمنية المشددة خلال فترة التشغيل الجزئي.

على الصعيد السياسي، يتزامن هذا الإعلان مع وصول وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى العاصمة المصرية القاهرة. ويهدف الوفد من خلال هذه الزيارة إلى عقد سلسلة من المباحثات مع المسؤولين المصريين، استكمالاً للقاءات سابقة جرت مع منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لبحث ملفات التهدئة والأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة.

وتركزت النقاشات في القاهرة على ضرورة إيجاد آليات مستدامة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وضمان عدم انهياره في ظل الخروقات الميدانية المتكررة. وشدد وفد الحركة على ضرورة التزام الاحتلال الكامل ببنود التهدئة ووقف كافة أشكال الاعتداءات، محذراً من أن استمرار الاستفزازات العسكرية سيؤدي حتماً إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الرامية لاستقرار الأوضاع.

يُذكر أن معبر رفح يمثل الشريان الوحيد لسكان قطاع غزة نحو العالم الخارجي بعيداً عن المعابر التي يتحكم بها الاحتلال بشكل مباشر. وكان المعبر قد شهد إغلاقاً طويلاً تخلله فتح جزئي لفترة وجيزة في مطلع فبراير الماضي، قبل أن يتم إيصاده مجدداً في أعقاب الهجوم المشترك الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة ضد الأراضي الإيرانية في الثامن والعشرين من الشهر ذاته.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 4:33 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الدراما التلفزيونية: بين بريق الماضي وتحديات التجديد

لطالما ارتبط شهر رمضان المبارك في الوجدان المصري والعربي بخصوصية فريدة، حيث تتلاقى الروحانيات مع الإبداع الفني الذي يقدم وجبات درامية دسمة. وقد شكلت هذه الفترة تاريخياً موسماً للتميز المصري الذي فرض ريادته على الشاشات العربية بلا منازع، مقدماً تنوعاً ثرياً بين الكوميديا والتاريخ والاجتماع.

إلا أن المشهد الراهن يشير إلى تحول مقلق، حيث بدأ هذا الكيف المتميز يتآكل تدريجياً ليحل محله ضعف فني وصل في بعض جوانبه إلى حد الهزال. ورغم الوفرة الإنتاجية، إلا أن القيمة الإبداعية باتت تفتقر إلى العمق الذي ميز الأعمال الكلاسيكية التي حفرت أسماءها في ذاكرة الأجيال.

وعند العودة بالذاكرة إلى العصر الذهبي، لا يمكن إغفال أعمال شكلت وجدان المشاهد العربي مثل مسلسل 'الدوامة' للمخرج نور الدمرداش. هذا العمل الذي تصدر بطولته الفنان محمود ياسين، كان نموذجاً للدراما التي تجمع بين الحبكة القوية والأداء التمثيلي الرفيع الذي يلامس قضايا المجتمع.

كما برزت الدراما التاريخية والدينية كأحد أعمدة الريادة المصرية، بفضل مخرجين كبار مثل أحمد طنطاوي في 'محمد رسول الله'. هذه الأعمال لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل كانت رسائل فكرية وفنية عميقة ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية العربية لسنوات طويلة.

وفي سياق متصل، يبرز مسلسل 'بوابة الحلواني' للمخرج إبراهيم الصحن كعلامة فارقة في تاريخ الدراما الاجتماعية والتاريخية. مثل هذه الأعمال كانت تعتمد على نصوص محكمة ورؤية إخراجية تضع القيمة الفنية فوق أي اعتبار تقني أو تجاري عابر.

لكن الواقع الحالي يفرض تساؤلات مؤلمة حول أسباب تراجع هذا العملاق الدرامي ووصوله إلى حالة تستدعي الحنين إلى الماضي. فقد طغت التقنيات الشكلية المبهرة على جوهر القصة والموضوع، مما أفقد العمل الدرامي روحه وقدرته على التأثير الحقيقي في الجمهور.

ومن أبرز مظاهر هذا التراجع هو تفشي ظاهرة الاقتباس والسطو على الأصول الأجنبية دون مراعاة لخصوصية المجتمع المصري. هذا التقليد الأعمى أدى إلى إنتاج أعمال غريبة عن بيئتنا، مما خلق فجوة بين ما يعرض على الشاشة وبين واقع المشاهد وتطلعاته.

إن التغيرات السياسية والاجتماعية المتلاحقة ألقت بظلالها على البنية الإنتاجية للدراما، مما أدى إلى تغييرات جذرية في معايير الاختيار. وقد نتج عن ذلك تهميش متعمد أو غير مقصود لعدد كبير من القامات الفنية من مؤلفين ومخرجين وممثلين كانوا يمثلون صمام أمان للجودة.

هذا الزلزال الإنتاجي أحدث هزة عنيفة في قيم المهنة نفسها، حيث فُتح الباب أمام الدخلاء وغير المتخصصين لتصدر المشهد الفني. وبات الفن في بعض حالاته مهنة لمن لا مهنة له، مما أدى إلى انحدار المستوى العام وغياب الرؤية الإبداعية المتكاملة.

ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار وجود محاولات جادة ومبشرة من بعض المخرجين الواعدين الذين يحاولون تقديم رؤى مختلفة. إلا أن هذه التجارب تظل فردية ومحدودة التأثير في ظل غياب استراتيجية شاملة لإعادة إحياء الصناعة الدرامية على أسس سليمة.

إن الحاجة باتت ملحة اليوم لإعادة النظر في المنظومة الدرامية برمتها، بدءاً من اختيار النصوص وصولاً إلى آليات الإنتاج والتوزيع. ويجب على القائمين على الشأن الثقافي والفني العمل بجدية لنفض الغبار عن هذه الجوهرة الفنية التي تمثل قوة مصر الناعمة.

في الختام، يبقى الأمل معقوداً على استعادة البريق المستحق للدراما المصرية من خلال العودة إلى الجذور مع الاستفادة من أدوات العصر. إن الحفاظ على الريادة يتطلب شجاعة في مواجهة الأخطاء وإرادة حقيقية لتقديم فن يحترم عقل المشاهد ويليق بتاريخ مصر العريق.

أقلام وأراء

الإثنين 16 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

بين 'شرك القصور' وطموحات 'ترامبياهو': قراءة في جدلية الموقف من إيران والمنطقة

تتداخل المفاهيم الدعوية والسياسية في قراءة الواقع الراهن، حيث يبرز التمييز بين ما يمكن تسميته 'شرك القبور' المتمثل في التعلق بالأموات، و'شرك القصور' الذي يعني الارتهان لإرادة الحكام الجائرين والسعي لنيل حظوتهم بالباطل. إن التحذير من التبعية العمياء للسلطان يعد من أسمى مراتب الجهاد، استناداً إلى الإرث النبوي الذي جعل كلمة الحق عند الحاكم الجائر صفة لسيد الشهداء.

ولا يقتصر خطر التبعية على بلاط السلاطين فحسب، بل يمتد ليشمل الخضوع لرغبات الجماهير وضغوط المتابعين، وهو ما يقع فيه بعض الدعاة سعياً وراء 'الإعجاب' الرقمي. وقد حذر الشيخ محمد الغزالي سابقاً من مسايرة رغبات العوام دون ترشيد، مؤكداً أن الوعي الحقيقي يقتضي قيادة الناس نحو الحق لا الانقياد وراء أهوائهم المتقلبة.

وفي ظل المعارك المحتدمة في المنطقة، انقسم الشارع العربي حيال الدور الإيراني إلى تيارين متصادمين؛ الأول يرى في طهران القوة الوحيدة القادرة على مجابهة المشروع الصهيوني ودعم المقاومة الفلسطينية. هذا الفريق يعتبر أن مواقف إيران الراهنة في مواجهة 'الحملة الصهيو-صليبية' تجبُّ ما قبلها من عثرات سياسية أو صراعات إقليمية سابقة.

على الطرف الآخر، يقف فريق يرى في السياسات الإيرانية تهديداً وجودياً، مستحضراً التدخلات في سوريا والعراق وأفغانستان، ومعتبراً أن دماء السوريين لا تزال تلطخ هذا المشروع. يتبنى هذا التيار رؤية مفادها أن المنطقة تمر بمرحلة صراع بين ظالمين، آملاً في خروج الشعوب العربية من هذا الأتون بأقل الخسائر الممكنة.

بين هذين القطبين، يبرز طريق ثالث يرفض القسمة الثنائية الضيقة واتهامات التخوين المتبادلة بين 'المتأيرنين' و'المتأمركين'. هذا المنهج الوسطي يرى ضرورة الفصل بين دعم إيران في وجه المشاريع الاستعمارية وبين رفض سياساتها التوسعية التي تستهدف استقرار دول الجوار العربي والمنشآت المدنية فيها.

إن المنطقة تواجه اليوم مشروعاً أطلق عليه 'ترامبياهو'، وهو تحالف يجمع بين طموحات دونالد ترامب وأجندة بنيامين نتنياهو، يهدف إلى إعادة رسم الخرائط وتكريس سيادة إسرائيل. هذا المشروع يسعى لتجاوز حدود 'سايكس-بيكو' التاريخية نحو نموذج جديد يضع المنطقة بأكملها تحت راية 'إسرائيل الكبرى' وهيمنتها المطلقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن القبول بالحياد عندما يتعلق الأمر بتهديد الأمن القومي للدول التي تتبنى مواقف عادلة وتستضيف قادة المقاومة الفلسطينية. إن استهداف المدنيين وترويع الآمنين في دول الجوار تحت أي ذريعة هو فعل مدان، والحياد في هذه الحالة قد يرقى إلى مرتبة الخيانة للقيم والمبادئ الأخلاقية.

تظهر المفارقة في أن بعض القوى الإقليمية التي تسعى لحماية المظلومين وتلعب دور الوسيط الصادق في ملفات التفاوض، تجد نفسها مستهدفة من قبل الاحتلال الصهيوني. هذا الاستهداف يؤكد أن المعركة ليست مجرد صراع نفوذ، بل هي محاولة لكسر كل من يقف في وجه تصفية القضية الفلسطينية أو يدعم صمود شعبها.

إن توصيف إيران بأنها 'مظلومة' أمام الاستعلاء الأمريكي والصهيوني لا يمنع من وصفها بـ 'الظالمة' عندما تنقل صراعاتها إلى العمق الخليجي وتستهدف جيرانها. هذا التمييز الأخلاقي والسياسي هو ما يحفظ توازن الرؤية ويمنع السقوط في فخ الانحيازات المطلقة التي تعمي عن الحقائق الميدانية.

يشبه الواقع الحالي قصة 'أبرهة الأشرم' الذي جاء لهدم الكعبة، لكن النسخة المعاصرة تتمثل في 'أبرهة الأشقر' الذي يسعى لهدم التاريخ وتغيير الجغرافيا لصالح ربيبته الصهيونية. إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يمثل كتيبة متقدمة في جيش إمبراطورية بدأت شمسها بالمغيب، مما ينبئ بأفول قريب لمشاريعها في المنطقة.

ستنتهي هذه الحروب لا محالة، لكن النصر الحقيقي يتجلى في مدى الاستفادة من الدروس القاسية وفهم طبيعة التحالفات الغادرة. إن من يراهن على الحماية الأمريكية لكف الأذى الإيراني كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فالقوى الكبرى لا تتحرك إلا وفق مصالحها الضيقة وتطلعاتها الاستعمارية.

القرآن الكريم علمنا أن الألوان والخيارات تتعدد ولا تنحصر في الأبيض والأسود فقط، وهو درس بليغ لمن يحصرون المواقف السياسية في خندقين لا ثالث لهما. إن ضيق الأفق لدى أصحاب الاتجاهات الحادة يجعلهم ينكرون كل تاريخ من التوافق بمجرد حدوث اختلاف واحد في وجهات النظر.

إن معركة الوعي تتطلب شجاعة في التعبير عما يعتقده المرء بعيداً عن ضجيج الجماهير أو إملاءات القوى السياسية. الالتزام ببوصلة الضمير هو المنجي الوحيد في زمن الفتن، حيث تختلط الأوراق وتضيع الحقائق وسط سيل من الدعاية الموجهة من كافة الأطراف المتصارعة.

ختاماً، يبقى الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين من يدعم قضاياها بصدق وبين من يتخذها ورقة للمساومة السياسية. إن زوال المشاريع اللقيطة في المنطقة هو حتمية تاريخية، شريطة أن تدرك الأمة مكامن قوتها وتتحرر من تبعية 'القصور' ومن أوهام الحماية الخارجية الزائفة.

عربي ودولي

الإثنين 16 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يهدد الناتو ويشترط على الصين حماية مضيق هرمز لضمان عقد القمة المرتقبة

صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته تجاه حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وجمهورية الصين الشعبية، مطالباً إياهم بالتحرك الفوري للمساهمة في تأمين إمدادات النفط العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في ظل حالة من الشلل شبه التام التي أصابت حركة الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة.

وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة 'فايننشل تايمز'، حذر ترمب من أن حلف الناتو قد يواجه مستقبلاً مظلماً إذا لم يبادر أعضاؤه بتقديم الدعم اللازم لفتح المضيق وتأمين عبور الناقلات. وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن استمرار حالة الجمود في الاستجابة للمطالب الأمريكية سيؤدي حتماً إلى مراجعة شاملة لطبيعة العلاقة مع الحلف وتأثير ذلك على استقراره المستقبلي.

وشدد ترمب على أن الدول المستفيدة من نفط الخليج، وفي مقدمتها دول أوروبا والصين، يجب أن تتحمل مسؤولياتها المباشرة في حماية هذه المصالح الحيوية. وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة كما في السابق، مما يجعل العبء الأكبر يقع على عاتق القوى الدولية التي تعتمد اقتصادياتها بشكل كلي على استمرارية التدفقات عبر هرمز.

وفيما يخص العلاقات مع بكين، ربط ترمب بشكل مباشر بين عقد القمة المقررة مع نظيره الصيني شي جينبينغ وبين مدى تعاون الصين في ملف المضيق. وألمح إلى إمكانية تأجيل القمة التي كان من المفترض انطلاقها في الحادي والثلاثين من مارس الجاري، مؤكداً رغبته في رؤية خطوات ملموسة من الجانب الصيني قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.

ولفت الرئيس الأمريكي إلى أن الصين تستورد نحو 90% من احتياجاتها النفطية عبر هذا الممر المائي، وهو ما يجعل صمتها أو عدم مشاركتها أمراً غير مقبول لدى الإدارة الأمريكية. وأضاف أن واشنطن تنتظر رداً واضحاً قبل موعد القمة، مشيراً إلى أن التبعات الاقتصادية والسياسية ستكون كبيرة في حال استمرار عرقلة الإمدادات.

وعلى صعيد التحركات الميدانية، كشف ترمب أن البحرية الأمريكية تستعد لبدء عمليات مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز في وقت قريب جداً. ودعا دولاً عدة، من بينها فرنسا واليابان والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، لإرسال قطع بحرية حربية للمشاركة في هذه المهمة الدولية الرامية لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وفي سياق متصل بفرص الحل الدبلوماسي، أعرب ترمب عن شكوكه العميقة في رغبة طهران بالانخراط في مفاوضات جادة لإنهاء الصراع الحالي. ورغم تأكيده وجود قنوات اتصال قائمة بين واشنطن وطهران، إلا أنه اعتبر أن القيادة الإيرانية لا تبدو مستعدة حتى الآن لتقديم التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق شامل.

من جانبه، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حازمة، مؤكداً أن طهران لا تجد سبباً يدعوها للتحدث مع الأمريكيين في الوقت الراهن. وأوضح عراقجي في مقابلة تلفزيونية أن بلاده في وضع مستقر وقوي، وأنها تمارس حقها المشروع في الدفاع عن شعبها ومصالحها في وجه ما وصفه بالاعتداءات الأمريكية.

وأشار عراقجي إلى أن إيران كانت منفتحة على الحوار قبل بدء الهجمات عليها، لكن الواقع الميداني الحالي يفرض أولويات مختلفة تتعلق بالدفاع والردع. وشدد على أن بلاده لن تخضع للضغوط التي تمارسها واشنطن عبر حشد القوى الدولية في المنطقة، معتبراً أن هذه التحركات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

وفي إطار التحركات الدبلوماسية الإيرانية، دعا عراقجي خلال اتصال مع نظيره الفرنسي دول العالم إلى ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات قد تؤدي إلى توسيع رقعة النزاع. وحذرت الخارجية الإيرانية من أن إرسال سفن حربية إضافية إلى المنطقة قد يُفهم كخطوة تصعيدية تزيد من مخاطر المواجهة المباشرة.

حتى اللحظة، لم تعلن أي من الدول التي دعاها ترمب عن استجابة رسمية لإرسال قوات بحرية، باستثناء كوريا الجنوبية التي أكدت أنها تدرس الطلب بعناية. ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحركات عسكرية أو دبلوماسية قد تغير مسار الأزمة في واحد من أهم الممرات المائية في العالم.

عربي ودولي

الإثنين 16 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد دامٍ في لبنان: 29 شهيداً في غارات مكثفة وحزب الله يضرب قواعد استراتيجية

شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً دامياً مساء الأحد، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد خمسة مواطنين وإصابة سبعة آخرين في غارات جوية إسرائيلية استهدفت بلدتي مجدل سلم وعيتيت في الجنوب. وتأتي هذه الهجمات في سياق حملة جوية واسعة يشنها الاحتلال، تزامناً مع محاولات التوغل البري التي بدأت مطلع شهر مارس الجاري.

وفي تفاصيل المجازر الميدانية، أوضحت المصادر الطبية أن الغارة على بلدة مجدل سلم التابعة لقضاء مرجعيون أسفرت عن ارتقاء شهيدين وإصابة أربعة آخرين. بينما أدت الضربة التي استهدفت بلدة عيتيت في قضاء صور إلى استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة ثلاثة بجروح متفاوتة، مما يرفع منسوب التوتر الإنساني في المناطق الحدودية.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مركز عمليات الطوارئ، فقد ارتفعت حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية المكثفة يوم الأحد وحده إلى 29 شهيداً و103 جرحى. وتوزعت هذه الإصابات والوفيات على مناطق متفرقة من البلاد، في ظل استمرار القصف الذي لم يستثنِ الأحياء السكنية والبنى التحتية المدنية.

وفي العاصمة بيروت، أفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شن غارة عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية، مما أحدث دماراً واسعاً في المنطقة المستهدفة. وسبق هذا القصف تهديدات أطلقها جيش الاحتلال عبر منصات التواصل الاجتماعي، زاعماً نيته استهداف منشآت تابعة لحزب الله في تلك المنطقة المكتظة بالسكان.

من جانبه، أعلن حزب الله اللبناني عن تنفيذ 25 عملية عسكرية نوعية خلال الساعات الماضية، استخدم فيها الصواريخ النوعية والطائرات المسيرة الانقضاضية. وأكد الحزب في بياناته أن هذه العمليات استهدفت مواقع استراتيجية وتجمعات لجنود الاحتلال في شمال فلسطين المحتلة وفي عمق الأراضي اللبنانية التي تشهد محاولات توغل.

ومن أبرز العمليات التي نفذها الحزب، استهداف قاعدة 'بلماخيم' الجوية التي تقع جنوب مدينة تل أبيب وتبعد عن الحدود اللبنانية نحو 140 كيلومتراً. كما طالت الرشقات الصاروخية قاعدة 'ميرون' للمراقبة وإدارة العمليات الجوية، بالإضافة إلى استهداف مجمع الصناعات العسكرية التابع لشركة 'رفائيل' شمال منطقة الكريوت.

وعلى صعيد المواجهات البرية، أكد الحزب تدمير دبابة ميركافا بصاروخ موجه في منطقة شمال معتقل الخيام، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة أدت إلى تدميرها. كما رصد مقاتلو الحزب احتراق دبابة ميركافا أخرى في مشروع الطيبة، بالإضافة إلى استهداف جرافة عسكرية من طراز D9 كانت تقوم بأعمال تخريبية في ذات المنطقة.

وفي إطار استهداف منظومات الدفاع الجوي، أعلن الحزب عن قصف مرابض ومنظومات دفاعية في منطقة معالوت ترشيحا بصلية صاروخية مكثفة. وشملت الهجمات أيضاً قواعد عسكرية في الجولان السوري المحتل، منها قاعدة 'كتسافيا' وقاعدة 'تسنوبار' اللوجستية، بالإضافة إلى ثكنة 'كيلع' العسكرية.

تجمعات جنود الاحتلال كانت أيضاً هدفاً مباشراً لنيران الحزب، حيث تم استهداف تحركات عسكرية في ثكنة 'أفيفيم' وخلة المحافر في خراج بلدة العديسة الحدودية. واستخدم المقاتلون القذائف المدفعية والصواريخ الموجهة لضرب نقاط تجمع الآليات عند تلة الخزان ونقطة جيبيا المقابلة لبلدة ميس الجبل.

سلاح الجو التابع للحزب شارك بفعالية عبر أسراب من المسيّرات الانقضاضية، التي استهدفت تجمعات للآليات الإسرائيلية في خلة العقصى ببلدة العديسة. وأوضحت المصادر أن هذه المسيرات نجحت في الوصول إلى أهدافها بدقة، مما أعاق تحركات القوات البرية التي تحاول التثبيت في بعض النقاط الحدودية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة بعد أن وسعت إسرائيل دائرة عدوانها لتشمل مناطق في شرق لبنان وضاحية بيروت الجنوبية. ويربط مراقبون هذا التصعيد بفشل الاحتلال في تحقيق خروقات برية جوهرية منذ بدء توغله المحدود في الثالث من مارس، وسط مقاومة شرسة من المقاتلين على الأرض.

وفي الجانب الإسرائيلي، أقرت المتحدثة باسم الجيش بتنفيذ هجمات واسعة على ما وصفته بـ 'بنى تحتية' في بيروت، في محاولة لتبرير القصف العنيف على المناطق المدنية. وتستمر صافرات الإنذار في الدوي داخل المستوطنات الشمالية، وصولاً إلى نهاريا وكريات شمونة، نتيجة الرشقات الصاروخية المتواصلة من لبنان.

يُذكر أن هذا التصعيد يأتي رداً على سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. وتؤكد المعطيات الميدانية أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة من كسر العظم، حيث يسعى كل طرف لفرض معادلاته الميدانية قبل أي تحركات دبلوماسية محتملة.

فلسطين

الإثنين 16 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

من غزة إلى أروقة واشنطن ومنصات الأوسكار.. قضية هند رجب تتحول إلى حراك عالمي للمساءلة

تداخلت خيوط السياسة والسينما والقانون الدولي في قضية واحدة هزت الضمير العالمي، مع عودة اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى واجهة النقاش في واشنطن. لم يكن هذا التقاطع وليد الصدفة، بل جاء ثمرة جهود متراكمة لتوثيق جريمة قتل وقعت في حي تل الهوا بمدينة غزة أوائل عام 2024، حين كانت الطفلة ذات الخمس سنوات عالقة داخل سيارة عائلتها تحت وابل من النيران المباشرة.

في خطوة تشريعية لافتة، تقدم عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بمشروع قانون يحمل اسم 'قانون العدالة لهند رجب'، في محاولة لكسر الصمت الرسمي حول ملابسات الجريمة. وينص المشروع على مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير مفصل يرفع إلى الكونغرس حول الظروف التي أدت إلى استشهاد هند، وتقييم ما إذا كانت أسلحة أمريكية قد استخدمت في ذلك الهجوم.

ويسعى مشروع القانون المنشور على موقع مكتب السيناتور بيتر ويلش إلى تحديد ما إذا كانت الواقعة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني أو لقوانين الحرب الأمريكية. وتعود جذور القضية إلى نهاية يناير 2024، عندما تعرضت سيارة تقل عائلة الطفلة لإطلاق نار مكثف أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال، مما أسفر عن استشهاد أفراد عائلتها وبقائها وحيدة لفترة زمنية قاسية.

خلال تلك الساعات العصيبة، تمكنت هند من الاتصال بمسعفي الهلال الأحمر الفلسطيني في نداء استغاثة حبس أنفاس العالم قبل أن ينقطع الاتصال تماماً. وقد انتشرت تسجيلات تلك المكالمة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الدولية، لتتحول منذ ذلك الحين إلى رمز صارخ لمعاناة المدنيين في قطاع غزة وتأثير الحرب على الطفولة.

بالتوازي مع الحراك التشريعي في واشنطن، برز الفيلم الوثائقي الدرامي 'صوت هند رجب' للمخرجة كوثر بن هنية كقوة ناعمة مؤثرة في المحافل الدولية. الفيلم الذي نجح في الوصول إلى القائمة القصيرة لفئة 'أفضل فيلم وثائقي' ونال ترشيحاً رسمياً لجائزة 'أفضل فيلم دولي' في أوسكار 2026، أعاد تصوير مأساة تلك الليلة بأسلوب سينمائي يدمج الواقع بالدراما.

يقدم العمل السينمائي وثيقة بصرية تدخل المشاهد مباشرة إلى قلب غرفة عمليات الهلال الأحمر، مستخدماً التسجيلات الصوتية الحقيقية للطفلة المستغيثة. ومنذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي وحصده للجائزة الكبرى للجنة التحكيم، نجح الفيلم في تحويل الجريمة من مجرد خبر عابر إلى قضية إنسانية تطارد صناع القرار في الغرب.

وقد حظي الفيلم بدعم واسع من أسماء عالمية انضمت كمنتجين تنفيذيين، مؤكدين على ضرورة ألا تدفن هذه المأساة تحت الركام دون محاسبة. هذا التلاقي بين المسار الفني في هوليوود والمسار التشريعي في البرلمانات يخلق حالة نادرة من الضغط الأخلاقي والسياسي، حيث توثق الجريمة بلسان الضحية وتعرض أمام أعين النقاد والسياسيين على حد سواء.

وفي نهاية المطاف، تبدو الحقيقة الأهم أن قصة هند رجب قد تجاوزت كافة محاولات الطمس والتغييب التي تعرضت لها في البداية. فصوت الطفلة الذي خنقته النيران داخل سيارة محترقة، بات اليوم يتردد صداه بقوة في قاعات التشريع ومنصات التتويج العالمية، مشكلاً حاجزاً أمام النسيان ومحاولات الإفلات من العقاب.

تحليل

الإثنين 16 مارس 2026 3:14 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب أميركية بلا بوصلة تقود المنطقة نحو الكارثة

واشنطن – سعيد عريقات-16/3/2026

تحليل إخباري


مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أسبوعها الثالث، تتزايد المؤشرات على أن الصراع يتجه نحو مرحلة أكثر اتساعا وتعقيدا. فما بدأ بسلسلة ضربات عسكرية محدودة تحول بسرعة إلى مواجهة متعددة الجبهات تمتد من الخليج إلى لبنان وتلقي بظلال ثقيلة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي المقابل تبدو الإستراتيجية الأميركية غامضة المعالم وسط تصريحات متباينة وتصعيد تدريجي يثير أسئلة جوهرية حول أهداف الحرب وحدودها وإمكانية احتوائها.


أحد أبرز التطورات الميدانية تمثل في الضربات الأميركية التي استهدفت جزيرة خرج الإيرانية وهي المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. ويعد استهداف هذه الجزيرة تصعيدا نوعيا لأنها تمثل شريانا اقتصاديا حيويا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيرانية. الرسالة الضمنية في هذه الضربات كانت واضحة ومباشرة وهي أن الضغط على طهران لن يقتصر على المجال العسكري بل سيمتد أيضا إلى المجال الاقتصادي ومحاولة تقليص موارد الدولة المالية.


وفي السياق نفسه صعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته محذرا من أن بلاده قد تقدم على تدمير البنية التحتية في الجزيرة إذا استمرت إيران في تهديد الملاحة أو حاولت إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. كما ألمح إلى احتمال إرسال قوات إضافية إلى المنطقة وهو ما فسره بعض المراقبين على أنه تمهيد لاحتمال تصعيد عسكري أكبر خلال المرحلة المقبلة.


غير أن التوتر لم يبق محصورا في الخليج. فقد دخلت جبهة لبنان بصورة أوضح في مسار الحرب بعد أن كثف حزب الله هجماته الصاروخية والطائرات المسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية. وردت إسرائيل بسلسلة غارات جوية مكثفة داخل الأراضي اللبنانية استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وبنى لوجستية مرتبطة بالحزب.


ومع تصاعد هذا التبادل في الضربات لوحت القيادة الإسرائيلية بإمكانية تنفيذ عملية اجتياح بري لجنوب لبنان إذا استمرت الهجمات الصاروخية بالوتيرة نفسها. ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن فإن مجرد طرحه يعكس مدى اتساع نطاق المواجهة واحتمال تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.


في الوقت نفسه بدأت المعركة تأخذ بعدا جغرافيا أوسع. فقد تعرضت قواعد ومصالح للولايات المتحدة في عدد من دول الشرق الأوسط لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة نفذتها جماعات حليفة لإيران. ويعزز هذا التطور المخاوف من تحول الصراع إلى شبكة من المواجهات المتزامنة في أكثر من ساحة.


وفي خضم هذا التصعيد أدلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتصريحات مثيرة للجدل قال فيها إن بعض الضربات التي استهدفت منشآت في دول الخليج ربما نفذت من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل بهدف توسيع نطاق الحرب وإلقاء المسؤولية على إيران. ورغم عدم وجود تأكيدات مستقلة لهذه الاتهامات فإنها تعكس عمق انعدام الثقة بين أطراف الصراع.


اقتصاديا بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح. فقد أدت التوترات في الخليج والتهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. ومع ارتفاع أسعار البنزين في عدد من الولايات بدأت بوادر تذمر شعبي بالظهور.


ومع استمرار القتال بدأت الأهداف الكبرى التي رفعت في بداية الحرب تبدو بعيدة المنال وفي مقدمتها إضعاف النظام الإيراني أو تغييره. فرغم الضربات التي تعرضت لها البلاد ما زالت إيران تحتفظ ببنيتها السياسية والعسكرية الأساسية ولم تظهر مؤسسات الدولة مؤشرات واضحة على انهيار داخلي.


هذا الواقع دفع عددا متزايدا من المحللين إلى التشكيك في جدوى الحرب. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن تغيير الأنظمة عبر الضغوط العسكرية الخارجية نادرا ما يحقق النتائج المعلنة بل قد يؤدي أحيانا إلى نتائج معاكسة تعزز تماسك النظام المستهدف.


وفي موازاة ذلك لم تنجح الجهود الرامية إلى دفع دول الخليج إلى الانخراط المباشر في الحرب. ففي الأيام الأولى للتصعيد سادت توقعات بأن تسمح بعض هذه الدول باستخدام أراضيها على نطاق أوسع في العمليات العسكرية. غير أن التطورات اللاحقة تشير إلى أن معظم الحكومات الخليجية تفضل البقاء خارج المواجهة المباشرة والتركيز على حماية استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.


كل هذه التطورات تجري في ظل ما يصفه كثير من المراقبين بغياب إستراتيجية أميركية واضحة لإدارة الحرب. فالتصريحات الصادرة عن الرئيس دونالد ترمب ومسؤولي إدارته تتغير من وقت إلى آخر بين التهديد بتوسيع العمليات العسكرية والتلميح بإمكانية احتواء الصراع. هذا التباين في الرسائل السياسية يعكس على الأرجح غياب رؤية متماسكة لما ينبغي أن تكون عليه نهاية هذه الحرب.


فحتى الآن لا يبدو واضحا ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى مجرد ردع إيران أم إلى إضعاف قدراتها العسكرية أم إلى دفعها نحو مفاوضات جديدة بشروط مختلفة. وفي ظل هذا الغموض تتزايد المخاوف من أن تتحول المواجهة إلى صراع استنزاف طويل يفرض كلفة متزايدة على جميع الأطراف.


وفي حال استمر التصعيد من دون مسار سياسي واضح فإن احتمال اتساع الحرب سيبقى قائما. فكلما طال أمد القتال ازدادت فرص انتقاله إلى ساحات جديدة في المنطقة وازدادت معه المخاطر الاقتصادية والأمنية. كما أن استمرار التوتر في محيط مضيق هرمز قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي. وفي المحصلة يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والمصالح الاقتصادية. ومع غياب أفق دبلوماسي واضح تبقى المنطقة معرضة لدورات متتالية من التصعيد قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.


ويرى بعض المراقبين أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس حجم الضربات العسكرية بقدر ما هو غياب تصور واضح لنهاية الصراع. فالحروب التي تبدأ من دون أهداف سياسية محددة غالبا ما تتحول إلى مواجهات مفتوحة يصعب إنهاؤها بسرعة. وإذا لم يظهر مسار تفاوضي جدي فقد تجد المنطقة نفسها أمام نزاع طويل يستنزف موارد الدول ويزيد من حالة عدم اليقين. ويجعل احتمالات التهدئة في المدى القريب محدودة وغير مضمونة في الظروف الإقليمية الراهنة المعقدة.

عربي ودولي

الإثنين 16 مارس 2026 2:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تحدياً لترمب.. إسبانيا تغلق قواعدها أمام الطائرات الأميركية وترفض الحرب على إيران

في ظل تسارع وتيرة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، برز موقف إسباني لافت يكسر حالة الإجماع الغربي التقليدية تجاه النزاعات المسلحة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز صراحة أن بلاده لن تنخرط في أي مغامرة عسكرية تستهدف إيران، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي والشرعية الأممية.

يأتي هذا الموقف في أعقاب الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية، وما تبعها من ردود انتقامية طالت منشآت في عدة دول. وقد وضعت هذه التطورات مدريد في مواجهة مباشرة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي كانت تتوقع دعماً لوجستياً وسياسياً كاملاً من حلفائها في الناتو.

وأكد سانشيز خلال خطاب جماهيري في مدينة بلد الوليد أن الذاكرة الإسبانية لا تزال تستحضر دروس غزو العراق عام 2003، وما خلفه من كوارث نتيجة القفز فوق قرارات مجلس الأمن. وأوضح أن رفض الأنظمة الاستبدادية لا يمكن أن يكون مبرراً لخرق القوانين الدولية أو إشعال فتيل حروب إقليمية مدمرة.

ولم تكتفِ الحكومة الإسبانية بالتصريحات السياسية، بل انتقلت إلى خطوات إجرائية حازمة عبر منع القوات الأميركية من استخدام القواعد العسكرية على أراضيها. وشمل القرار قاعدتي 'روتا' و'مورون' الاستراتيجيتين، حيث رُفض تقديم أي تسهيلات لوجستية للعمليات الموجهة ضد طهران.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا القرار السيادي أجبر 15 طائرة عسكرية أميركية على تغيير مسارها ومغادرة الأجواء الإسبانية بشكل فوري. واضطرت تلك الطائرات للتوجه نحو قاعدة 'رامشتاين' في ألمانيا وقواعد أخرى في أوروبا، مما أربك الخطط اللوجستية الأميركية في المنطقة.

وفي واشنطن، حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت التخفيف من حدة الموقف بالادعاء أن هناك تعاوناً إسبانياً في اللحظات الأخيرة. إلا أن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس سارع لنفي هذه الادعاءات، مؤكداً أن موقف بلاده ثابت ولم يتغير 'قيد أنملة' تجاه رفض الحرب.

رد الفعل الأميركي جاء غاضباً وحاداً، حيث وصف الرئيس دونالد ترمب إسبانيا بأنها 'حليف فظيع' لا يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى. ولوح ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقطع علاقات تجارية مع مدريد، في محاولة للضغط على حكومة سانشيز للتراجع عن قراراتها الأخيرة.

من جانبه، رد سانشيز بتحدٍ واضح، معتبراً أن القيادة الحقيقية تقتضي حماية مصالح الشعب والالتزام بالمبادئ، وليس ممارسة 'الطاعة العمياء'. وأشار مراقبون إلى أن تهديدات ترمب قد تصطدم بحائط الصد الأوروبي، كون إسبانيا عضواً في السوق الموحدة، وأي استهداف لها هو استهداف للاتحاد الأوروبي.

ويرتبط الموقف الإسباني من إيران بشكل وثيق بسياستها تجاه القضية الفلسطينية والعدوان المستمر على قطاع غزة. فقد اتخذت مدريد خطوات دبلوماسية غير مسبوقة بسحب سفيرتها من تل أبيب، احتجاجاً على ما وصفته بحرب الإبادة الجماعية والمشاركة الإسرائيلية في التصعيد الإقليمي.

كما أقر البرلمان الإسباني تشريعاً تاريخياً يفرض حظراً دائماً وشاملاً على تصدير كافة أنواع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى إسرائيل. وتعكس هذه الخطوة رغبة إسبانية في ممارسة ضغوط فعلية لوقف نزيف الدماء في المنطقة، بعيداً عن لغة البيانات الدبلوماسية التقليدية.

داخلياً، يحظى توجه سانشيز بدعم شعبي واسع، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 68% من المواطنين الإسبان يعارضون أي تدخل عسكري خارجي. هذا الالتفاف الشعبي يمنح الحكومة الائتلافية القوة اللازمة لمواجهة الضغوط الخارجية والابتزاز السياسي الذي قد تمارسه القوى الكبرى.

وعلى صعيد التفاعلات الدولية، حذر سانشيز من خطورة 'اقتصاد الحروب' وتأثير المجمعات الصناعية العسكرية في دفع العالم نحو الهاوية. ودعا القوى الكبرى إلى التوقف عن 'اللعب بالروليت الروسي' بمصائر ملايين البشر، مؤكداً أن الخيار الوحيد لإنقاذ الأرواح هو قول 'لا' للحرب.

أثارت هذه المواقف انقساماً حاداً على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد يرى في سانشيز 'قائداً أخلاقياً' نادراً، ومعارض يتهمه بالضعف. ويرى بعض المحللين أن إسبانيا تحاول رسم مسار جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، يعتمد على الاستقلالية الاستراتيجية وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.

ختاماً، تظل المواجهة بين مدريد وواشنطن مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار إسبانيا على موقفها المبدئي. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، يبدو أن إسبانيا قررت أن تكون صوتاً للتهدئة والشرعية الدولية، حتى لو كلفها ذلك صداماً مباشراً مع أقوى دولة في العالم.

اقتصاد

الإثنين 16 مارس 2026 2:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير دولي: مصر ثالث أكثر الاقتصادات الناشئة تضرراً من الحرب الإقليمية

صنفت مؤسسة فيتش سوليوشنز مصر في المرتبة الثالثة ضمن قائمة تضم 24 اقتصاداً ناشئاً تأثرت سلباً بالحرب الجارية في المنطقة. وأشار التقرير إلى أن مصر جاءت مباشرة بعد باكستان والهند من حيث الضرر الاقتصادي الكلي، إلا أنها تصدرت القائمة في مؤشر تأثر السياسة المالية نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة.

ويعود هذا التصنيف المتقدم إلى الضغوط الهائلة التي يفرضها ارتفاع أسعار النفط والغاز على الموازنة العامة المصرية التي تعاني أصلاً من عجز مزمن. ومع وصول سعر خام برنت إلى حاجز 103 دولارات للبرميل بزيادة شهرية بلغت 50%، تجد الحكومة نفسها مضطرة لتحمل أعباء مالية إضافية لم تكن مدرجة في خططها المالية.

ولا تقتصر الأزمة على النفط وحده، فقد سجلت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية قفزة بنسبة 62% خلال الشهر الماضي، بينما ارتفع الفحم بنسبة 28%. وتعتمد مصر بشكل كبير على استيراد هذه المشتقات لتلبية احتياجاتها المحلية، مما يضع ميزان المدفوعات تحت ضغط مستمر وغير مسبوق.

وتشير بيانات التجارة الخارجية الرسمية إلى أن فاتورة استيراد الوقود في العام الماضي بلغت نحو 21.4 مليار دولار، وهو ما يمثل خمس إجمالي الواردات المصرية. وتتوزع هذه المبالغ بين المشتقات البترولية والغاز الطبيعي والنفط الخام، مما يعني أن أي زيادة سعرية عالمية تترجم فوراً إلى زيادة في العجز التجاري.

وإلى جانب الطاقة، تبرز أزمة الأمن الغذائي كعامل ضغط إضافي، حيث ارتفعت أسعار القمح عالمياً بنسبة 21% منذ مطلع العام الحالي. وتستورد مصر كميات ضخمة من الحبوب والزيوت النباتية واللحوم، حيث بلغت قيمة واردات القمح والذرة وفول الصويا وحدها أكثر من 8 مليارات دولار في العام المنصرم.

وأفادت مصادر اقتصادية بأن إغلاق مضيق هرمز حال دون استفادة مصر من شحنات غاز قطرية بأسعار تفضيلية، مما دفعها للجوء إلى السوق الفورية بأسعار مرتفعة. وتزامن ذلك مع تراجع إمدادات الغاز الواردة من الجانب الإسرائيلي نتيجة الاستهداف المتبادل لمنشآت الطاقة بين إيران وإسرائيل، مما فاقم من أزمة الوقود المحلية.

وعلى صعيد السياسة النقدية، توقع محللون أن يضطر البنك المركزي المصري لوقف نهج خفض أسعار الفائدة والعودة لرفعها لمواجهة التضخم المستورد. هذا التحول من شأنه أن يزيد من تكلفة خدمة الدين العام، ويقلل من فرص التوسع الائتماني للشركات، مما يؤدي في النهاية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي المتعثر أصلاً.

وشهد الجنيه المصري تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي بنسبة وصلت إلى 9.4% خلال الأسبوعين الأولين من اندلاع المواجهات العسكرية. ويأتي هذا التراجع رغم محاولات البنك المركزي للسيطرة على سعر الصرف، إلا أن فجوة العجز التجاري السلعي تظل هي المحرك الأكبر للضغط على العملة المحلية.

وتواجه الموارد الدولارية أزمة مزدوجة، حيث تأثرت إيرادات قناة السويس بشكل مباشر نتيجة تغيير شركات الملاحة الدولية لمساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح. هذا الهروب من البحر الأحمر جاء بسبب زيادة مخاطر التأمين وارتفاع تكاليف الشحن، بالإضافة إلى الاضطرابات الناتجة عن التواجد العسكري المكثف في المنطقة.

قطاع السياحة لم يكن بمنأى عن هذه التداعيات، إذ سجلت الفنادق موجة من إلغاء الحجوزات، خاصة من السياح الخليجيين الذين يمثلون 20% من إجمالي القادمين. وتعتبر السياحة الخليجية مصدراً حيوياً للعملة الصعبة نظراً لارتفاع معدلات إنفاقها مقارنة بالجنسيات الأخرى، مما يعني خسارة مورد مالي سريع التأثير.

كما تزايدت المخاوف بشأن تحويلات المصريين العاملين في الخارج، خاصة في دول الخليج، مع اضطراب الأوضاع الإقليمية وتسهيل عودة أعداد منهم عبر مسارات برية. وتعد هذه التحويلات الركيزة الأساسية لتوفير السيولة الدولارية في السوق المصرية، وأي اهتزاز فيها يهدد الاستقرار النقدي بشكل مباشر.

وفيما يخص الاستثمارات، شهدت الأسواق خروجاً سريعاً لما يعرف بـ 'الأموال الساخنة' بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار في غضون أسبوعين فقط. كما تراجع مؤشر البورصة المصرية بنسبة 5%، رغم التدخلات الحكومية عبر المؤسسات الرسمية لدعم الأسعار ومنع الانهيار الكامل للسوق المالي.

ويرى مراقبون أن الحرب الحالية كشفت عن 'هشاشة بنيوية' في الاقتصاد المصري، وأثبتت عدم فاعلية برامج الإصلاح المتتالية مع صندوق النقد الدولي. فرغم سنوات من تطبيق هذه البرامج، لا تزال الفجوة بين الصادرات والواردات تتسع، ولا يزال الاعتماد على الاستدانة الخارجية هو الحل الوحيد لسد العجز.

وفي ظل هذه المعطيات، تلاشت الوعود الحكومية بشأن استقرار أسعار الوقود وتحسن الأحوال المعيشية للمواطنين خلال العام الحالي. ومع استمرار التصعيد العسكري، يجد المواطن المصري نفسه أمام موجات غلاء جديدة تزيد من معدلات الفقر وتضعف الثقة في القدرة على تجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة.

اسرائيليات

الإثنين 16 مارس 2026 1:48 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس 'الضربة القاضية': كيف اغتالت إسرائيل خامنئي و40 قيادياً في 40 ثانية؟

كشفت مصادر صحفية عبرية عن تفاصيل معقدة لعملية عسكرية واسعة استهدفت رأس الهرم القيادي في إيران، حيث تم تنفيذ الهجوم في وقت قياسي لم يتجاوز 40 ثانية. العملية التي صُممت لتكون 'الضربة الافتتاحية' في مواجهة كبرى، اعتمدت على معلومات استخباراتية ذهبية وصلت في اللحظات الأخيرة قبل إقلاع الطائرات، مما أدى لتعديل بنك الأهداف ليشمل المرشد الأعلى علي خامنئي بشكل مباشر.

بدأت القصة بتنسيق عالي المستوى بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، حيث كان من المقرر تنفيذ الهجوم مساء السبت تزامناً مع اجتماع المجلس الأعلى للدفاع. إلا أن اختراقاً استخباراتياً كشف عن تقديم موعد الاجتماع إلى الصباح، مما استدعى استنفاراً شاملاً لتقديم موعد إقلاع الأسراب الجوية بنحو 12 ساعة للحفاظ على عنصر المفاجأة وشل قدرة النظام على الرد.

استخدمت القوات الجوية في هذه العملية صواريخ 'روكس' الباليستية المتطورة، وهي أسلحة سرية تُطلق من طائرات F-15 من مسافات بعيدة لتجنب منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. وقد أصابت هذه الصواريخ أهدافها بدقة متناهية في مجمع 'باستور' شديد الحراسة جنوب طهران، مستهدفة قاعة الاجتماعات ومقر إقامة المرشد والمكتب العسكري التابع له في آن واحد.

المعلومات الاستخباراتية أكدت أن علي خامنئي لم يكن متواجداً في المخبأ الحصين الموجود تحت الأرض، بل كان في منزله فوق سطح الأرض لحظة وقوع الانفجارات. ويرجح المحللون أن بقاء المرشد في منزله كان ناتجاً عن رغبة في تجنب الانتقادات الداخلية التي وصفته بـ'المختبئ' خلال جولات تصعيد سابقة، وهو ما شكل فرصة تاريخية للمهاجمين.

لم تقتصر الضربة على مجمع باستور، بل شملت أيضاً مبنى وزارة الاستخبارات الذي كان يشهد اجتماعاً رفيع المستوى لكبار المسؤولين الأمنيين. هذا التزامن الجغرافي والزمني بين الاجتماعات مكن المهاجمين من توجيه ضربة قاصمة للهيكل القيادي الإيراني، مما تسبب في حالة من الفوضى العارمة داخل أروقة النظام الذي فقد بوصلته القيادية في لحظات.

قائمة الاغتيالات التي تم الكشف عنها ضمت أسماء وازنة، على رأسها علي خامنئي، وعلي شمخاني أمين مجلس الأمن القومي، ومحمد فاخبور قائد الحرس الثوري. كما شملت القائمة وزير الدفاع بالوكالة عزيز ناصر زاده، وقائد القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، بالإضافة إلى رؤساء دوائر الاستخبارات والمسؤولين عن المشاريع النووية والصاروخية الحساسة.

وتشير التقارير إلى أن إسرائيل استخدمت تكنولوجيا مبتكرة لتتبع القادة، متجاوزة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضها الإيرانيون بمنع استخدام الهواتف المحمولة. ويبدو أن أجهزة الاستخبارات نجحت في اختراق دوائر ضيقة جداً مكنتها من معرفة التحركات الدقيقة للمسؤولين، رغم محاولات التمويه ونشر تقارير متضاربة حول أماكن تواجد المرشد الأعلى.

العملية أثارت توتراً مكتوماً بين تل أبيب وواشنطن، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى مقتل شخصيات كانت تعتبرها واشنطن 'بدائل محتملة' لقيادة إيران. ووفقاً للمصادر، فإن الغارة قضت على ثلاثة مرشحين كانت الولايات المتحدة تعول عليهم لإدارة المرحلة الانتقالية في حال سقوط النظام، مما يعقد الحسابات السياسية لما بعد الضربة.

في الجانب التقني، أوضحت المصادر أن الصواريخ المستخدمة تمتلك قدرات خارقة للتحصينات، لكن التواجد المكثف للقادة فوق الأرض جعل استخدام القنابل الزلزالية الثقيلة غير ضروري في الموجة الأولى. وقد تم إطلاق نحو 30 صاروخاً دمرت المجمع بالكامل، بما في ذلك المكاتب العسكرية وسكرتارية المرشد، مما أدى لمقتل كل من كان يتواجد في الطوابق العليا للمباني المستهدفة.

التحقيقات الإيرانية الأولية، بحسب تسريبات، تشير إلى وجود 'خطيئة غرور' أدت لهذه الكارثة الأمنية، حيث استهان القادة بالتحذيرات العلنية والتحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة. وبدلاً من اللجوء إلى الأنفاق الخرسانية المحصنة التي بُنيت على مدار عقود، فضل القادة ممارسة مهامهم من المكاتب التقليدية، مما جعلهم أهدافاً سهلة للصواريخ الموجهة.

ويرى مراقبون أن هذه الضربة تمثل ذروة جهد استخباراتي استمر لأكثر من عقدين من الزمن، حيث تم بناء قدرات تكنولوجية وبشرية داخل إيران قادرة على العمل حتى في حال انكشاف بعضها. هذا الاختراق العميق مكن من رسم خرائط دقيقة للمنشآت الحساسة وتحديد نقاط الضعف في شبكة الاتصالات والقيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري.

على الصعيد السياسي، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسويق العملية كإزالة نهائية للتهديد النووي والصاروخي الإيراني، رغم تشكيك بعض المسؤولين الأمنيين في هذه الادعاءات. ويرى هؤلاء المسؤولون أن تدمير القيادة لا يعني بالضرورة تدمير المشروع النووي بالكامل، محذرين من أن غياب 'رأس النظام' قد يؤدي لردود فعل غير منضبطة من أطراف متعددة.

الأسواق العالمية بدأت بالفعل في استشعار تداعيات هذه الضربة، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة وسط مخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة. وفي حين تستمر العمليات العسكرية الجوية، يبقى الغموض سيد الموقف بشأن مستقبل الحكم في طهران، في ظل غياب أي قيادة قادرة على لم شمل المؤسسات العسكرية والأمنية المنهارة.

وختاماً، تظل هذه العملية نموذجاً يدرسه الخبراء العسكريون حول العالم في كيفية دمج الاستخبارات البشرية مع التكنولوجيا المتطورة لتحقيق أهداف استراتيجية في وقت قياسي. ومع استمرار الهجمات، تترقب المنطقة طبيعة الرد الإيراني المتبقي، وما إذا كانت هناك جيوب قيادية قادرة على تنظيم هجوم مضاد أو الدخول في مفاوضات لإنهاء الصراع.