أقلام وأراء

الأحد 26 يوليو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

الصين وقيادة دفة الذكاء الاصطناعي


لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو بما تنتجه مصانعها فحسب، بل بما تملكه من خوارزميات، وما تبنيه من عقول، وما ترسمه من رؤى للمستقبل. فالعالم يقف اليوم أمام ثورة تكنولوجية تعيد صياغة موازين القوى الدولية، ويبدو أن الصين قررت ألا تكون مجرد شاهد على هذه المرحلة، بل أحد أبرز من يقودها.
من يتابع التجربة الصينية في الذكاء الاصطناعي يدرك أن ما يحدث ليس طفرة تقنية عابرة، بل مشروع دولة طويل الأمد. فالصين لم تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منتجاً جديداً أو فرصة استثمارية مؤقتة، وإنما اعتبرته ركيزة أساسية لبناء اقتصاد المستقبل، وتعزيز الأمن القومي، ورفع القدرة التنافسية، وترسيخ حضورها في النظام الدولي القادم.
هذا ما يلفت الانتباه في التجربة الصينية؛ فالاستراتيجية جاءت أولاً، ثم جاءت الخطوات التنفيذية تباعاً. كثير من الدول تجيد كتابة الخطط، لكن القليل منها يمتلك القدرة على تحويلها إلى واقع. أما الصين، فقد تعاملت مع الاستراتيجية باعتبارها نقطة البداية، لا خط النهاية.
فعقب إطلاق خطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، بدأت مرحلة التنفيذ المنظم. توسعت الاستثمارات الحكومية والخاصة في مراكز الأبحاث، وأُنشئت حاضنات للشركات الناشئة، وربطت الجامعات باحتياجات الصناعة، وجرى تحديث المناهج التعليمية لتواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي، بالتوازي مع بناء بنية تحتية رقمية تُعد من الأكبر عالمياً. ولم يكن الهدف إنتاج تطبيقات ذكية فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من دورة الاقتصاد بأكملها.
واليوم، تشير التقديرات إلى أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي الأساسي في الصين تجاوزت "1.2 تريليون يوان"، أي ما يقارب "177 مليار دولار أمريكي"، مع آلاف الشركات العاملة في هذا القطاع. والأهم من حجم السوق أن الصين أصبحت من أكثر دول العالم تسجيلاً لبراءات الاختراع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، في مؤشر يعكس انتقالها من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الابتكار.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في التجربة الصينية أنها لم تدخل سباق الذكاء الاصطناعي بعقلية "من يمتلك النموذج الأكبر"، بل بعقلية "من يجعل التقنية أكثر انتشاراً وأقل تكلفة". ولهذا بدأت شركات مثل: "DeepSeek" و"Moonshot AI" و"Alibaba" و"Huawei" تقدم نماذج متقدمة بكفاءة عالية وتكاليف أقل، الأمر الذي جعل المنافسة العالمية أكثر شراسة، وأثبت أن الابتكار لا يقاس دائماً بحجم الإنفاق، بل بحسن توظيف الموارد وسرعة التنفيذ.
ورغم القيود المفروضة على تصدير بعض الرقائق الإلكترونية والتقنيات المتقدمة، لم تتعامل الصين مع هذه التحديات بوصفها نهاية الطريق، بل باعتبارها حافزاً لتسريع الاعتماد على القدرات الذاتية. وهذه ربما إحدى السمات التي تميز التجربة الصينية؛ تحويل الضغوط إلى دوافع، والأزمات إلى فرص لإعادة البناء.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
أدركت الصين مبكراً أن المنافسة الحقيقية ستكون على الإنسان قبل أن تكون على الآلة. فالتقارير تشير إلى احتمال وجود فجوة في الكفاءات المتخصصة بحلول عام 2030 إذا لم تتوسع برامج إعداد المواهب. لذلك لم تنتظر الجامعات وحدها، بل بدأت الاستثمار في تعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي منذ المراحل الدراسية المبكرة، وتوسيع برامج التدريب، واستقطاب العلماء والباحثين الصينيين من مختلف أنحاء العالم. فالعقول، في نظر بكين، ليست مورداً بشرياً فحسب، بل ثروة استراتيجية.
ولم تتوقف الرؤية الصينية عند حدودها الجغرافية. ففي خطوة ذات أبعاد استراتيجية، أعلنت عن تأسيس *المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي* في شنغهاي، في محاولة للمشاركة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية لهذه التكنولوجيا، مع التركيز على تمكين الدول النامية من الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر عدالة. إنها رسالة تعكس قناعة بأن من يقود التكنولوجيا، يشارك أيضاً في صياغة قواعدها.
إن ما يستحق التوقف عنده في التجربة الصينية ليس حجم الاستثمارات فقط، بل الانضباط في تنفيذ الرؤية. فالدول لا تتقدم بعدد الاستراتيجيات التي تعلنها، وإنما بعدد الاستراتيجيات التي تتحول إلى مختبرات، وشركات، ومنتجات، وفرص عمل، وتأثير عالمي. وهذا هو الفارق بين التخطيط والتنفيذ، وبين الحلم والسياسة العامة.
ولا يعني ذلك أن الطريق الصيني خالٍ من التحديات، فالمنافسة مع الولايات المتحدة ستزداد حدة، والسباق على أشباه الموصلات والنماذج اللغوية والبيانات سيبقى عنوان المرحلة المقبلة. لكن الواضح أن الصين لم تعد تتحرك بردة فعل، بل وفق رؤية طويلة المدى تجعل كل خطوة جزءاً من مشروع أكبر.
وبالنسبة لنا في العالم العربي، ربما لا تكون القضية في اختيار النموذج الصيني أو الأمريكي، وإنما في استخلاص الدرس الأهم من التجربة الصينية: *أن المستقبل لا يُشترى، بل يُبنى.*فحين تستثمر دولة في التعليم، والبحث العلمي، والبنية الرقمية، والشركات الناشئة، فإنها لا تطور قطاعاً تقنياً فحسب، بل تعيد تشكيل اقتصادها ومكانتها الدولية.
الصين لا تراهن على أن تكون أفضل مستخدم للذكاء الاصطناعي، بل على أن تكون إحدى الدول التي تُعرّف العالم كيف يُدار عصر الذكاء الاصطناعي. وبين من يكتب قواعد المستقبل، ومن يكتفي بقراءتها، تتحدد مكانة الأمم. وربما لهذا، فإن السؤال لم يعد: هل تتقدم الصين في سباق الذكاء الاصطناعي؟ بل: من سيلحق بها قبل أن يصبح المستقبل قد كُتب بالفعل؟

دلالات

شارك برأيك

الصين وقيادة دفة الذكاء الاصطناعي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.