أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن تغيير جوهري في هرم القيادة العسكرية، بتعيين اللواء ميخايلو دراباتي قائداً عاماً جديداً للجيش الأوكراني. تأتي هذه الخطوة لإنهاء حقبة أولكسندر سيرسكي، الذي واجه انتقادات واسعة بسبب اعتماده على عقيدة عسكرية وصفت بالقديمة، فضلاً عن اتهامات تتعلق بارتفاع كلفة الخسائر البشرية في العمليات الأخيرة.
ويعد دراباتي، البالغ من العمر 43 عاماً، نموذجاً للجيل الجديد من الضباط الأوكرانيين الذين تشكل وعيهم العسكري بالكامل بعد استقلال البلاد عن الاتحاد السوفياتي. وقد تدرج في الرتب العسكرية بدءاً من ملازم وصولاً إلى قيادة القوات المشتركة، مما يجعله يحظى بقبول واسع داخل صفوف المقاتلين والمؤسسات المدنية الداعمة للجيش.
برز اسم القائد الجديد بشكل لافت خلال أحداث عام 2014، حين انتشر له مقطع فيديو شهير وهو يقود مركبة مدرعة تخترق حواجز الانفصاليين الموالين لروسيا في مدينة ماريوبول. تلك الواقعة لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل عكست شخصية قيادية ميدانية لا تتردد في اتخاذ قرارات جريئة تحت ضغط النيران، وهو ما أكده في مقابلات لاحقة.
وإلى جانب سجله الميداني، يُعرف دراباتي بكونه ضابطاً يمتلك حساً عالياً بالمسؤولية الأخلاقية تجاه جنوده، وهو ما تجلى في استقالته السابقة في يونيو 2025. جاءت تلك الاستقالة عقب هجوم صاروخي روسي استهدف ميدان تدريب وأدى لمقتل 12 جندياً، حيث اعتبر دراباتي نفسه مسؤولاً عن خرق بروتوكولات السلامة التي تمنع التجمعات الكبيرة في مناطق التهديد.
يرى مراقبون أن تعيين دراباتي يمثل انتصاراً لتيار التحديث داخل المؤسسة العسكرية، وهو التيار الذي كان يقوده وزير الدفاع المقال ميخايلو فيدوروف. وقد وصف فيدوروف تعيين حليفه السابق بأنه بمثابة 'نفس من الهواء النقي'، معرباً عن أمله في أن يساهم هذا التغيير في تسريع وتيرة الابتكار العسكري واستخدام التكنولوجيا الحديثة.
وفي أولى تصريحاته التي تعكس رؤيته للمرحلة المقبلة، أكد دراباتي أن الجيش الأوكراني بحاجة ماسة إلى قواعد جديدة تتجاوز البيروقراطية المعطلة. وشدد على أن النظام العسكري يجب أن يكون داعماً للقرارات الصحيحة وليس عائقاً أمامها، مشيراً إلى ضرورة استكمال مسيرة التحول التي بدأت قبل أشهر لتطوير قدرات القوات المسلحة.
من جانبه، قلل الكرملين من أهمية هذا التغيير في القيادة الأوكرانية، حيث صرح المتحدث باسمه دميتري بيسكوف بأن موسكو لا تتوقع أي تبدل في مسار الحرب. وأكد بيسكوف أن القوات الروسية ستواصل عملياتها الهجومية على طول خط المواجهة، معتبراً أن التغييرات الداخلية في كييف لن تؤثر على الأهداف الاستراتيجية لروسيا.
عندما يتعين تنفيذ القرار الصحيح رغم النظام لا بفضله، فهذا يعني أن النظام نفسه يحتاج إلى التغيير؛ الجيش بحاجة لقواعد جديدة.
وعلى الصعيد الداخلي، يواجه دراباتي إرثاً ثقيلاً من الأزمات التي عصفت بالجيش مؤخراً، وعلى رأسها ملف التعبئة العامة الذي يثير جدلاً واسعاً في الشارع الأوكراني. كما تبرز مشكلات نقص المعدات العسكرية في بعض الوحدات الأمامية وحالات الغياب، وهي تحديات تتطلب حلولاً عاجلة لاستعادة التوازن في الجبهات المشتعلة.
حذر القائد السابق للجيش، فاليري زالوجني، من أن مهمة دراباتي ستكون 'شديدة الصعوبة' وأكبر مما يتخيله الكثيرون بالنظر إلى تعقيدات المشهد الميداني والسياسي. وأوضح زالوجني أن القيادة في هذا التوقيت تتطلب موازنة دقيقة بين الطموحات السياسية والقدرات العسكرية الفعلية المتاحة على الأرض.
يعتبر تعيين دراباتي أيضاً محاولة من الرئاسة الأوكرانية لرأب الصدع الذي ظهر للعلن بين القيادتين العسكرية والسياسية خلال الأسبوع الماضي. فقد كشفت السجالات العلنية عن انقسامات عميقة حول استراتيجيات القتال وإدارة الموارد البشرية، وهو ما يأمل زيلينسكي أن ينهيه وجود قائد يحظى بتوافق واسع مثل دراباتي.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي أبداه قادة المجتمع المدني، مثل سيرغي بريتولا، إلا أن هناك تحذيرات من سقف التوقعات المرتفع جداً والمبالغ فيه تجاه القائد الجديد. فالتحديات الهيكلية التي يعاني منها الجيش لا يمكن حلها بمجرد تغيير الأشخاص، بل تتطلب إصلاحات جذرية في منظومة القيادة والسيطرة والتمويل.
تتجه الأنظار الآن إلى كيفية تعامل دراباتي مع ملف الطائرات بدون طيار والابتكارات التقنية التي كان يدفع بها الوزير المقال فيدوروف. فالمؤسسة العسكرية الأوكرانية تطمح للتحول إلى جيش ذكي يعتمد على التكنولوجيا لتعويض النقص العددي أمام القوات الروسية، وهو تحدٍ تقني وعسكري بامتياز يقع في صلب مهام القائد الجديد.
تؤكد مصادر مطلعة أن دراباتي سيبدأ فوراً في مراجعة خطط الدفاع والهجوم على الجبهات الشرقية والجنوبية، مع التركيز على تحسين ظروف معيشة وتدريب المجندين الجدد. ويهدف هذا التوجه إلى رفع الروح المعنوية للقوات التي استنزفتها شهور طويلة من القتال العنيف والدفاع المستمر أمام الهجمات الروسية المتواصلة.
في الختام، يمثل ميخايلو دراباتي رهاناً جديداً لأوكرانيا في مرحلة مفصلية من تاريخها المعاصر، حيث يجمع بين الشرعية الميدانية والرغبة في الإصلاح المؤسسي. وستكون الشهور القادمة اختباراً حقيقياً لقدرته على تحويل رؤيته لـ 'الجيش الجديد' إلى واقع ملموس يغير موازين القوى على جبهات القتال.





شارك برأيك
من هو ميخايلو دراباتي؟ قائد الجيش الأوكراني الجديد في مواجهة تحديات الحرب والتحول