MISCELLANEOUS

السّبت 18 يوليو 2026 3:37 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة ثكنة الجمهور: عندما استهدفت غارات الاحتلال سلاح الهندسة في الجيش اللبناني

في الليلة الفاصلة بين السابع عشر والثامن عشر من يوليو عام 2006، تجاوز العدوان الإسرائيلي حدود المواجهة التقليدية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ليصل القصف إلى منطقة الجمهور شرق العاصمة. استهدفت الغارات الجوية بشكل مباشر مقر فوج الأشغال المستقل التابع للجيش اللبناني، في تصعيد عكس رغبة الاحتلال في توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مؤسسات الدولة الرسمية.

تعرض الموقع العسكري لسبع غارات متتالية وعنيفة، أسفرت عن ارتقاء 11 عسكرياً، كان من بينهم ثلاثة ضباط برتب مختلفة، بالإضافة إلى وقوع عدد كبير من الجرحى. لم تقتصر الخسائر على الأرواح فحسب، بل أدت الضربات إلى تدمير واسع في المباني والآليات الهندسية الثقيلة التي كانت تشكل العمود الفقري لعمليات الفوج.

بالتزامن مع مجزرة الجمهور، طال القصف الإسرائيلي مركزاً آخر للجيش في منطقة كفرشيما، مما رفع الحصيلة الإجمالية لضحايا المؤسسة العسكرية في ذلك اليوم إلى 14 شهيداً و44 جريحاً. هذه الهجمات وضعت الجيش اللبناني في قلب دائرة النار، رغم أنه لم يكن الطرف الذي بدأ المواجهة العسكرية على الحدود الجنوبية.

تثير طبيعة فوج الأشغال المستقل تساؤلات حول أهداف الاحتلال، حيث أن هذه الوحدة ليست قتالية ولا تتمركز على خطوط المواجهة الأمامية. تتركز مهام الفوج الأساسية في الإنشاءات العسكرية وصيانة الطرق وتشغيل الآليات الهندسية، فضلاً عن تقديم المؤازرة للمدنيين ومؤسسات الدولة خلال الكوارث والأزمات الكبرى.

أفادت مصادر عسكرية بأن الغارات التي وقعت ليلاً استهدفت بشكل دقيق المبيتات والآليات، مما أدى إلى شل القدرة التشغيلية للفوج في مرحلة حرجة من الحرب. كان من المفترض أن يلعب هذا الفوج دوراً محورياً في إزالة آثار العدوان وفتح الطرق الحيوية، إلا أن الاحتلال سعى لتعطيل هذه القدرات بشكل مسبق.

وثقت منظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، هذه الغارة ضمن تقاريرها حول انتهاكات حرب يوليو، مشيرة إلى غياب الأهداف العسكرية الواضحة في العديد من الضربات. واعتبر مراقبون أن استهداف ثكنات الجيش كان يحمل رسائل سياسية تهدف إلى إضعاف هيبة الدولة اللبنانية والضغط على قرارها السيادي في ذلك الوقت.

عقب الهجوم، تفقد قائد الجيش آنذاك الموقع المدمر وعائلات الشهداء، وسط حالة من الصدمة الوطنية جراء استهداف مؤسسة تمثل رمزاً لوحدة البلاد. بدأت فرق الإنقاذ عمليات مضنية للبحث عن ناجين تحت الأنقاض وبين حطام الآليات الهندسية التي تحولت إلى ركام بفعل الصواريخ الإسرائيلية الثقيلة.

لم يقدم الاحتلال الإسرائيلي في سجلاته العلنية أي تفسير تفصيلي يبرر استهداف فوج الأشغال في الجمهور تحديداً. واكتفت التصريحات الإسرائيلية حينها بالادعاء العام بأن الحملة تستهدف البنية التحتية التي قد تساعد في العمليات العسكرية، وهو ما فندته طبيعة المهام الإنشائية والخدمية للفوج المستهدف.

كشفت غارات الجمهور عن المفارقة الكبرى التي عاشها الجيش اللبناني خلال صيف 2006، حيث وجد نفسه مطالباً بحماية السيادة دون امتلاك قرار الحرب. وبينما كان الانقسام السياسي يسيطر على المشهد اللبناني بشأن سلاح المقاومة، كانت ثكنات الجيش تتلقى الضربات دون امتلاك منظومات دفاع جوي قادرة على صد العدوان.

رغم الخسارة البشرية والمادية الفادحة، استعاد فوج الأشغال نشاطه تدريجياً بعد توقف العمليات العسكرية، ليلعب دوراً حاسماً في إعادة الإعمار. تولى الفوج مهام طمر الحفر الناتجة عن القصف وإنشاء الجسور المؤقتة، مما سهل عودة آلاف النازحين إلى قراهم ومدنهم في الجنوب والبقاع.

ساهم القرار الدولي 1701 في تغيير الواقع الميداني لاحقاً عبر نشر وحدات الجيش جنوب نهر الليطاني، لكنه لم ينهِ المعضلة البنيوية للدولة. بقيت المؤسسة العسكرية تتحمل تبعات تسويات سياسية كبرى، وتعمل على لملمة آثار حروب لم تكن هي من رسمت مساراتها الميدانية أو السياسية.

تعتبر مجزرة الجمهور اليوم واحدة من المشاهد الأقل تداولاً في ذاكرة حرب يوليو، رغم دلالاتها العميقة على طبيعة بنك الأهداف الإسرائيلي. فهي تختصر قصة مؤسسة وطنية تعرضت للغدر في عقر دارها، بينما كانت تستعد للقيام بواجبها الإنساني والإنمائي تجاه المواطنين المتضررين من الحرب.

بعد مرور عقدين من الزمن، تظل أسماء شهداء فوج الأشغال محفورة في ذاكرة المؤسسة العسكرية كشاهد على التضحية في أصعب الظروف. وتبرز الحادثة كدليل تاريخي على أن العدوان الإسرائيلي لا يميز بين الأهداف القتالية والمنشآت الخدمية التابعة للدولة اللبنانية، سعياً لتقويض أي قدرة على الصمود.

في نهاية المطاف، تحولت آليات فوج الأشغال التي نجا بعضها من القصف من هدف للصواريخ إلى أدوات لبناء ما هدمه الاحتلال. وتبقى ذكرى الجمهور تذكيراً دائماً بالفارق الجوهري بين الدولة التي تتحمل مسؤولية حماية شعبها، والاحتلال الذي يسعى لتدمير مقومات هذه الدولة بكل الوسائل المتاحة.

دلالات

شارك برأيك

مجزرة ثكنة الجمهور: عندما استهدفت غارات الاحتلال سلاح الهندسة في الجيش اللبناني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.