أقلام وأراء

الخميس 09 يوليو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الناتو في أنقرة.. تحالف يبحث عن نفسه في عالم يشتعل

تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة وسط واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا منذ تأسيس الحلف عام 1949، فالعالم لم يعد يعيش مرحلة حرب باردة تقليدية، ولم يعد النظام الدولي أحادي القطبية كما كان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بل دخل مرحلة انتقالية تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ، بينما تتشابك الحروب والأزمات من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وصولًا إلى بحر الصين.
وفي هذا السياق، تكتسب قمة أنقرة أهمية تتجاوز البيانات الختامية والقرارات التقليدية، لأنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحلف على الحفاظ على وحدته في ظل تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، وتزايد الشكوك بشأن مستقبل القيادة الأمريكية للتحالف بعد عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.
فترمب لا ينظر إلى "الناتو" باعتباره تحالفًا استراتيجيًا بقدر ما يراه عبئًا ماليًا تتحمله واشنطن نيابة عن أوروبا، ولذلك يواصل الضغط على الحلفاء لزيادة إنفاقهم العسكري وتقليص الاعتماد على القوات الأمريكية، وهو ما دفع الأوروبيين إلى التفكير بجدية في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالًا، ليس بالضرورة بديلًا عن الحلف، وإنما تقلل من الارتهان الكامل للقرار الأمريكي.
ومن هنا جاء الحديث عن مفهوم "الناتو 3.0"، الذي يعكس مرحلة جديدة يسعى فيها الحلف إلى إعادة تعريف دوره بعد الحرب الأوكرانية، عبر توزيع الأعباء العسكرية والمالية بصورة مختلفة، وتعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، وزيادة الإنتاج العسكري لمواجهة ما يعتبره تحديات استراتيجية طويلة الأمد.
غير أن هذه التحولات لا ترتبط فقط بأوروبا، بل تمتد آثارها إلى الشرق الأوسط الذي أصبح ساحة مركزية في الحسابات الغربية بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، والمواجهة مع إيران، واتساع دائرة التوتر في البحر الأحمر والخليج العربي.
فالولايات المتحدة، المنشغلة بمنافسة الصين واحتواء روسيا، لم تعد راغبة في الانخراط العسكري المباشر كما في السابق، وتسعى إلى إدارة الأزمات عبر الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، مع تحميل الأوروبيين مسؤولية أكبر في حماية أمنهم ومصالحهم.
ومن هذا المنطلق، تبدو قمة أنقرة جزءًا من عملية إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة الغربية، وليس مجرد اجتماع دوري للحلف، فالتوسع في الصناعات العسكرية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وإبرام عقود تسليح بمليارات الدولارات، كلها مؤشرات على أن الغرب يستعد لمرحلة طويلة من الصراعات، وليس لمرحلة سلام أو تسويات سياسية.
كما أن اختيار تركيا لاستضافة القمة يحمل دلالات سياسية واضحة، فأنقرة أصبحت لاعبًا يصعب تجاوزه داخل الحلف، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية المتطورة، إضافة إلى قدرتها على التواصل مع أطراف متناقضة، من روسيا إلى أوكرانيا، ومن الولايات المتحدة إلى دول الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تكشف القمة حجم التناقضات داخل المعسكر الغربي نفسه، فبينما يعلن الحلف تمسكه بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أوكرانيا، يواصل تقديم الدعم السياسي والعسكري غير المحدود لإسرائيل، رغم ما تتعرض له غزة من دمار شامل وقتل وتجويع وحصار، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الغربي وممارساته على الأرض، وأضعف كثيرًا من صورته الأخلاقية أمام الرأي العام العالمي.
كما أن الحرب على غزة أعادت تشكيل المزاج الشعبي في كثير من الدول الغربية، حيث تصاعدت الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، وازدادت الضغوط على الحكومات الأوروبية والأمريكية، الأمر الذي يجعل من الصعب على حلف "الناتو" تجاهل التداعيات السياسية والاستراتيجية لهذه الحرب، حتى وإن لم تكن مدرجة رسميًا على جدول أعمال القمة.
وفي الوقت ذاته، يواصل الحلف تعزيز دعمه لأوكرانيا باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة روسيا، بما يعكس استمرار الأولوية الأوروبية في الاستراتيجية الأطلسية، لكن ذلك لا ينفي أن الشرق الأوسط بات يشكل بدوره ساحة اختبار لقدرة الغرب على حماية مصالحه، خاصة مع اتساع النفوذ الروسي والصيني، وتزايد أدوار القوى الإقليمية.
وهكذا، تبدو قمة أنقرة محطة جديدة في مسار إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث يسعى الغرب إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي، وتوزيع أعبائه العسكرية، وتعزيز قدراته الدفاعية، استعدادًا لمنافسة دولية طويلة الأمد قد تمتد لعقود.
أما بالنسبة لشعوب منطقتنا، فإن هذه القمم لا تحمل في الغالب بشائر سلام بقدر ما تعكس استمرار سياسة إدارة الصراعات، وتغليب المصالح الاستراتيجية على قيم العدالة وحقوق الإنسان، وهو ما تؤكده المواقف الغربية من حرب الإبادة في غزة، والدعم غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي، مقابل الانتقائية في تطبيق القانون الدولي.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التحالفات الدولية لا تُدار وفق المبادئ المعلنة، بل وفق ميزان القوة والمصلحة، لذلك، فإن أي حديث غربي عن الأمن الجماعي أو الدفاع عن القانون الدولي يفقد الكثير من مصداقيته عندما يُستثنى الشعب الفلسطيني من هذه القيم، وتُمنح إسرائيل حصانة سياسية وعسكرية تتيح لها مواصلة الاحتلال والاستيطان والحصار والإبادة دون مساءلة. ومن هنا، فإن قمة أنقرة، مهما رفعت من شعارات الوحدة والدفاع المشترك، ستبقى بالنسبة لشعوب المنطقة عنوانًا لتحالف يواصل إعادة إنتاج موازين القوة ذاتها، بدلًا من الإسهام في بناء نظام دولي أكثر عدلًا وإنصافًا.


دلالات

شارك برأيك

الناتو في أنقرة.. تحالف يبحث عن نفسه في عالم يشتعل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.