لا تزال العلاقة الفكرية بين الأديب اللبناني جبران خليل جبران والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه تثير شهية الباحثين في حقل الأدب المقارن، نظراً للأثر البنيوي الذي تركه كتاب 'هكذا تكلم زرادشت' في رائعة جبران 'النبي'. وفي هذا السياق، يأتي كتاب 'جبران النبي ونيتشه الرؤيوي' للباحثة سعاد الخراط، الصادر عن دار مكتبة اسطفان، ليفتح حلقة جديدة من التحليل المعمق لهذه الظاهرة الإبداعية.
تستند الدراسة إلى جذور الأدب المقارن الذي نشأ في القرن التاسع عشر، حيث تسعى الباحثة لاستيضاح المؤثرات الفكرية ومقدار التناص بين جبران وغيره من الفلاسفة العالميين. وقد انقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، تناول الأول منها ظاهرة التنبؤ لدى جبران، متأثراً بنهج شعراء الغرب الذين نظروا للوجود بمنظار انتقادي للقيم والمدنية الحديثة.
توقفت الخراط عند الثيمات المركزية في كتاب 'النبي'، موضحة دعوة جبران للتحرر الاجتماعي عبر قيم المحبة والصداقة، مع التركيز على رؤيته للأطفال ككائنات حرة لا يجوز تملكها. كما ناقشت المظاهر الإنسانية اليومية كالعمل والأكل والشرب، وهي أمور أعطاها جبران بعداً روحياً مغايراً لبعض التوجهات الدينية التقليدية.
حللت الباحثة في فصل خاص حالة التخبط بين الشك والإيمان التي عاشها جبران نتيجة الفواجع المتتالية بفقدان أفراد عائلته. هذا القلق الوجودي دفع جبران نحو فلسفة 'الحلولية' والاعتقاد بالتقمص، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب 'المصطفى' لأهل أورفليس حين وعدهم بالعودة في جسد آخر.
في الجزء الثاني، انتقلت الدراسة إلى تشريح مسيرة فريدريك نيتشه، متتبعة مساره الأدبي منذ قصائده الأولى وصولاً إلى مؤلفاته الكبرى مثل 'العلم المرح' و'أصل الأخلاق'. وركزت الباحثة على الدوافع الشخصية التي شكلت نظرة نيتشه العدمية للحياة، بما في ذلك معاناته الأسرية وفقدانه لوالده وأخيه في سن مبكرة.
أوضحت الدراسة كيف كانت الموسيقى ملاذاً لنيتشه، حيث استلهم من عباقرة مثل بيتهوفن وفاغنر ما أعانه على مواجهة علله الجسمانية التي أدت به في النهاية إلى الجنون. ومن رحم هذه المعاناة، ابتدع نيتشه نموذج 'الإنسان المتفوق' المتمرد على كافة القيود الاجتماعية والتشريعية، معلناً عداءه للزواج والمؤسسات التقليدية.
خصصت الباحثة الجزء الثالث لاستعراض نقاط التشابه بين الأديبين، حيث تبين أن كليهما نشأ في بيئة دينية محافظة، مارونية لجبران وبروتستانتية لنيتشه. هذا المنشأ جعل كلاً منهما يقتبس النبرة الدينية والرموز الكتابية في صياغة خطابهما الفلسفي، مما خلق نوعاً من التناص الواضح في استخدام مفردات الخبز والخمر.
لا تنسوا أنني سآتي إليكم مرة أخرى، فلن يمر زمن قليل حتى يشرع حنيني في جمع الطين والزبد لجسد آخر.
تتجلى أوجه الشبه أيضاً في استخدام الأرقام ذات الدلالات الرمزية، مثل الرقم 12 أو الـ 40 يوماً، وهي استعارات مباشرة من الكتاب المقدس. كما تتشابه رسالة 'المصطفى' و'زرادشت' في تمجيد العزلة والهروب من ضجيج المدينة نحو الطبيعة والغابات، بحثاً عن الحرية وتكوين الذات المتفردة بعيداً عن زيف المجتمع.
رغم هذه التقاطعات، تؤكد الباحثة وجود اختلافات جوهرية تمنع اعتبار جبران مجرد ظل لنيتشه، وأبرزها الموقف من الألوهية. فبينما كان نيتشه ملحداً يدعو لتدمير المعتقدات، ظل جبران مؤمناً بعمق، نابذاً فقط التقاليد التي تشوه جوهر الدين، ومؤكداً على مفهوم القيامة والرجاء.
تشير الدراسة إلى أن نيتشه كان يكره صورة الضعف في المسيحية ويؤله القوة، في حين رأى جبران في الآلام طريقاً نحو حياة أسمى. هذا التباين في الرؤية الكونية يجعل من كل منهما صوتاً فريداً ينتمي لعالم مختلف، رغم التقائهما في أدوات التعبير والتمرد على الواقع الاجتماعي المأزوم.
استعانت الباحثة في دراستها بمصادر ومترجمين مرموقين لتسليط الضوء على هذه العلاقة الجدلية التي أسيء فهمها أحياناً. وقد نجحت في إثبات أن جبران، وإن تأثر بأسلوب نيتشه، إلا أنه صاغ فلسفته الخاصة النابعة من روحه الشرقية وتجاربه الشخصية المريرة مع الموت والفقد.
يعد الكتاب إضافة هامة للمكتبة العربية في مجال النقد المقارن، حيث يفكك الارتباط الوثيق بين 'النبي' و'زرادشت' بأسلوب علمي رصين. وتؤكد الخراط أن الإبداع الجبراني استطاع استيعاب المؤثرات الغربية وإعادة إنتاجها في قالب إنساني شمولي يخاطب الوجدان العالمي.
تنتهي الدراسة بالتأكيد على أن نيتشه وجبران، رغم اختلاف مصائرهما، قدما للبشرية خطاباً يدعو للتحرر من العبودية والظلم. فكلاهما رأى في الفن والكتابة وسيلة لتجاوز الضعف البشري، وإن اختلفت الغايات بين 'الإنسان السوبرمان' عند نيتشه و'الإنسان الروحاني' عند جبران.
أفادت مصادر نقدية بأن هذا العمل يساهم في إعادة تقييم مكانة جبران في الأدب العالمي، ليس كمقلد بل كمحاور للفكر الغربي. إن المقارنة التي قدمتها سعاد الخراط تمنح القارئ فهماً أعمق لكيفية تداخل الفلسفة بالأدب، وكيف يمكن للبيئة والنشأة أن تشكلا مسارات فكرية متناقضة رغم وحدة المنطلقات الجمالية.





شارك برأيك
بين 'النبي' و'زرادشت'.. دراسة نقدية تكشف ملامح التلاقي والتباعد بين جبران ونيتشه