تحليل

الأحد 26 يوليو 2026 5:28 مساءً - بتوقيت القدس

دراسة في "فورين أفيرز": حرب إيران تعلن نهاية عصر الهيمنة الأميركية المطلقة وتفرض قواعد جديدة للقوة العالمية

رسالة واشنطن


تحليل إخباري

واشنطن – سعيد عريقات – 26/7/2026

في قراءة تتحدى كثيراً من المسلمات التي حكمت السياسة الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، خلص الباحث روبرت بابي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، في دراسة مطولة نشرتها مجلة "فورين أفيرز" الأميركية الجمعة، إلى أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لا تمثل مجرد مواجهة إقليمية، بل تشكل نقطة تحول تاريخية قد تعلن نهاية النظام الدولي الذي تأسس بعد حرب الخليج عام 1991، عندما بدت الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها العسكرية والسياسية على العالم.

ويرى بابي أن حرب الخليج الأولى كانت الحدث الذي رسخ الاعتقاد العالمي بأن واشنطن تمتلك تفوقاً عسكرياً لا ينازعها فيه أحد، وأن هذا التفوق أصبح أساس الاستقرار الاقتصادي والعولمة واتساع التجارة الدولية. لكن الحرب مع إيران، وفق الدراسة، أظهرت أن هذه الفرضيات لم تعد صالحة، بعدما نجحت دولة أقل قوة عسكرياً في فرض كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها، دون الحاجة إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي.

وتستعيد الدراسة مشاهد السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1991، عندما تابع العالم عبر شاشات التلفزيون القصف الجوي الدقيق لبغداد خلال عملية “عاصفة الصحراء”. يومها بدت التكنولوجيا العسكرية الأميركية وكأنها دشنت عصراً جديداً من الحروب السريعة والحاسمة، خصوصاً بعد الانهيار السريع للجيش العراقي الذي كان يُعد آنذاك من أكبر الجيوش في المنطقة، رغم المخاوف الأميركية من تكرار تجربة فيتنام.

ولم يقتصر أثر ذلك الانتصار على تحرير الكويت، بل أنتج، بحسب الباحث، تحولاً نفسياً واستراتيجياً عميقاً. فقد اقتنعت الحكومات والأسواق المالية والشركات العالمية بأن الولايات المتحدة قادرة على التدخل العسكري في أي مكان، وضمان أمن طرق التجارة الدولية، ومنع أي قوة منافسة من تهديد النظام العالمي.

ويشير بابي إلى أن النظام الدولي بعد عام 1991 استند إلى أربع ركائز رئيسية: قدرة الولايات المتحدة على حسم الحروب بسرعة، واحتكارها التفوق في التصعيد العسكري، وضمانها حرية الملاحة العالمية، وإيمان معظم الدول بأن مقاومة القوة الأميركية ستكون في النهاية بلا جدوى.

 

هذه القناعة، كما يوضح الباحث، شجعت أوروبا على تقليص إنفاقها الدفاعي، وسرّعت توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً، كما دفعت الشركات العالمية إلى بناء سلاسل توريد عابرة للقارات، اعتماداً على افتراض أن الممرات البحرية ستظل آمنة بفضل التفوق العسكري الأميركي.

غير أن الدراسة ترى أن العولمة نفسها أطلقت عملية معاكسة تماماً. فالتكنولوجيا التي كانت حكراً على الجيوش الكبرى أصبحت متاحة في الأسواق المدنية، بدءاً من المعالجات الإلكترونية والشرائح الذكية، وصولاً إلى أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة، وهو ما منح دولاً أقل قوة، وحتى جهات غير حكومية، وسائل قادرة على إرباك أقوى الجيوش في العالم.

ويضرب الباحث مثالاً بالطائرة الإيرانية المسيّرة "شاهد-136"، التي تعتمد في معظم مكوناتها على إلكترونيات تجارية منخفضة الكلفة، لكنها تستطيع تنفيذ ضربات دقيقة كانت تتطلب، قبل ثلاثة عقود، برامج عسكرية بمليارات الدولارات.

تكمن أهمية هذا التحليل في أنه لا يقيس ميزان القوى بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات، بل بمدى قدرة الخصوم على استنزاف القوة العظمى بأدوات زهيدة الكلفة. فالتكنولوجيا التجارية، التي كانت أحد أعمدة ازدهار العولمة، أصبحت في الوقت نفسه أداة لتقويض الاحتكار العسكري التقليدي. وهذا التحول يغيّر مفهوم الردع ذاته، إذ لم يعد المطلوب هزيمة الخصم عسكرياً، بل إقناعه بأن كلفة استمرار المواجهة ستكون أعلى من أي مكسب سياسي أو عسكري يمكن تحقيقه.

وتعتبر الدراسة أن الحرب مع إيران جسدت هذه القاعدة الجديدة بصورة واضحة. فبدلاً من مواجهة البحرية الأميركية في معركة تقليدية، ركزت طهران على تهديد البيئة الأمنية للملاحة في مضيق هرمز باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة ومنصات الإطلاق المتحركة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري، وإثارة اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، رغم استمرار حركة السفن في المضيق.

ويشير بابي إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا آلاف الضربات ضد مواقع عسكرية داخل إيران، إلا أن القدرة الإيرانية على إعادة الانتشار وإخفاء منصات الإطلاق وإعادة إنتاج الوسائل القتالية جعلت القضاء على هذا التهديد أمراً بالغ الصعوبة.

وبحسب الدراسة، فإن المشكلة لم تعد في القدرة على تدمير الأهداف، وإنما في استحالة السيطرة على مساحات جغرافية واسعة تنتشر فيها منصات صغيرة ومتنقلة ومنخفضة الكلفة، تستطيع العودة إلى العمل بسرعة أكبر من قدرة الجيوش التقليدية على تدميرها.

كما يرى الباحث أن نجاح إيران لا يعني تحولها إلى القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، فاقتصادها لا يزال يعاني، وقواتها التقليدية تبقى أقل تطوراً من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن قدرتها على فرض حساباتها على الأسواق والحكومات تمنحها نفوذاً سياسياً متزايداً، حتى دون تحقيق انتصار عسكري حاسم.

الرسالة الأبرز التي تحملها الدراسة أن النفوذ السياسي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يرتبط فقط بالتفوق العسكري، بل بقدرة الدولة على التأثير في توقعات الأسواق والمستثمرين وشركات النقل والطاقة. فحين يصبح مجرد احتمال التعرض لهجوم كافياً لرفع أسعار التأمين وتعطيل التجارة، تتحول القوة الاقتصادية نفسها إلى رهينة لحسابات الردع الجديدة. ومن هنا، فإن التأثير الاستراتيجي قد يتحقق عبر زعزعة الثقة أكثر مما يتحقق عبر السيطرة على الأرض.

ولا تقف الدراسة عند الشرق الأوسط، بل تحذر من احتمال انتقال هذا النموذج إلى شرق آسيا، ولا سيما في مضيق تايوان، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة البحرية العالمية. ويرى بابي أن تايوان قد تتمكن، إذا اندلع نزاع مع الصين، من استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة وأجهزة الاستشعار التجارية لتهديد الملاحة الصينية، تماماً كما فعلت إيران في مضيق هرمز.

ويؤكد الباحث أن الهدف في مثل هذه الحروب لن يكون تدمير الأساطيل، بل تقويض الثقة في أمن الممرات البحرية، ورفع كلفة التجارة العالمية، وإجبار القوى الكبرى على تحمل أعباء اقتصادية متزايدة.

ويخلص بابي إلى أن النظام الدولي يدخل مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر قوة تدميرية في العالم، لكنها لم تعد قادرة على فرض النتائج السياسية بالكلفة المنخفضة التي ميزت مرحلة ما بعد عام 1991، بينما باتت القوى الأضعف تمتلك أدوات تمكنها من الصمود، ورفع الكلفة، وإطالة أمد الصراعات.

إذا صحت فرضية روبرت بابي، فإن العالم يقف أمام تحول استراتيجي يشبه في أهميته التحولات التي أعقبت الحربين العالميتين. فالعولمة التي ازدهرت تحت المظلة الأمنية الأميركية قد تدخل مرحلة أكثر كلفة وأقل استقراراً، حيث تصبح حماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد تحدياً دائماً للقوى الكبرى. وفي هذه البيئة الجديدة، لن يكون السؤال من يمتلك أقوى جيش، بل من يستطيع الحفاظ على ثقة الأسواق العالمية، وضمان استمرار التجارة، ومنع الخصوم من تحويل التكنولوجيا الرخيصة إلى أدوات لإعادة تشكيل ميزان القوة الدولي.

دلالات

شارك برأيك

دراسة في "فورين أفيرز": حرب إيران تعلن نهاية عصر الهيمنة الأميركية المطلقة وتفرض قواعد جديدة للقوة العالمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.