تحليل

الإثنين 06 يوليو 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

بين إرث التأسيس وواقع القوة.. هل نجحت عقيدة 'أميركا أولاً' في اختبار النفوذ العالمي؟

لا تزال سياسة 'أميركا أولاً' تمثل أحد أكثر المواضيع الجيوسياسية جدلاً في أروقة صنع القرار بواشنطن، حيث ينقسم الخبراء بين من يراها استعادة ضرورية للهيبة الوطنية ومن يعتبرها تقويضاً للقوة الناعمة. وتتزامن هذه النقاشات مع احتفالات الولايات المتحدة بذكرى استقلالها، مما يعيد التذكير بالبذور الأولى التي وضعها الآباء المؤسسون للانعزالية والتركيز على المصالح الداخلية وتجنب الصراعات الخارجية.

وعلى الرغم من أن الشعار بصيغته الحديثة لم يكن موجوداً في القرن الثامن عشر، إلا أن المبادئ الكامنة وراءه كانت متجذرة في فكر القادة الأوائل. فقد نصح جورج واشنطن في خطاب وداعه عام 1796 بالابتعاد عن التحالفات الدائمة، معتبراً أن التورط في منافسات القوى الأوروبية لن يؤدي إلا إلى الإضرار بازدهار الدولة الفتية وسيادتها.

وفي مطلع القرن التاسع عشر، لخص توماس جيفرسون رؤيته في السلام والتجارة والصداقة مع الجميع دون تشابك التحالفات، مانحاً الأولوية المطلقة للاحتياجات المحلية. وقد أدرك المؤسسون حينها أن المحيط الشاسع الذي يفصلهم عن أوروبا يمثل رصيداً جيوسياسياً يسمح لهم بالتركيز على النمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي بعيداً عن حروب القارة العجوز.

لكن ثمة فارق جوهري بين 'أميركا أولاً' التاريخية والحديثة، حيث بنيت الأولى على استراتيجية الضعف والحاجة لحماية دولة بلا جيش نظامي قوي. في المقابل، تستخدم الإدارة الحالية هذا المبدأ من منطلق القوة العظمى والنفوذ العسكري الذي لا يضاهى، لفرض شروطها على الخصوم والحلفاء على حد سواء في نظام دولي معقد.

تاريخياً، كان الرئيس وودرو ويلسون أول من استخدم العبارة كشعار انتخابي عام 1916 للتعهد بالحياد خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تتبناها لجنة 'أميركا أولاً' في الأربعينيات. ومع ذلك، فإن الهجوم الياباني على بيرل هاربور أنهى ذلك الاتجاه الانعزالي لعقود، لتعود الولايات المتحدة وتقود النظام العالمي كقوة فريدة اقتصادياً وعسكرياً.

عاد الشعار للبروز في التسعينيات مع بات بوكانان الذي حذر من مخاطر العولمة واتفاقيات التجارة الحرة على الصناعة المحلية، لكنه لم يصل للبيت الأبيض. وقد نجح الرئيس ترمب في تحويل هذه التحذيرات إلى واقع سياسي حاكم منذ عام 2016، معتمداً استراتيجية 'السلام من خلال القوة' وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية الكبرى.

ويرى المؤيدون أن هذا النهج أضفى واقعية صارمة على السياسة الخارجية، حيث تم تحويل الموارد من صيانة إمبراطورية عالمية مكلفة إلى تحديث الجيش وإنعاش القاعدة الصناعية. وقد تجسد ذلك في استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 التي حددت ردع الصين والدفاع عن الأراضي الأميركية كأولويات قصوى تتصدر المشهد.

وفي إطار هذه الواقعية، قنن وزير الدفاع بيت هيغسيث الانتقال من النزعة الدولية إلى معايير صارمة لتقاسم الأعباء، مطالباً الحلفاء بإنفاق 5% من ناتجهم المحلي على الدفاع. وتعكس هذه السياسة رغبة واشنطن في التوقف عن تعويض أوجه القصور الأمني لدى الدول الأخرى، وإجبار الشركاء على تحمل مسؤولياتهم الإقليمية.

دبلوماسياً، يدافع وزير الخارجية ماركو روبيو عن سياسة قائمة على المصالح المشتركة وإعادة إحياء 'مبدأ مونرو' في نصف الكرة الغربي. وتؤكد الإدارة أنها رغم تفضيلها للحلول الدبلوماسية، إلا أنها تحتفظ بالقدرة العسكرية لتنفيذ عمليات مباشرة ضد أي تهديدات تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة.

وعلى صعيد الردع، يشير مراقبون إلى أن الإجراءات الهجومية غير المتوقعة استعادت الخوف الحقيقي من القوة الأميركية لدى الخصوم. وقد تجلى ذلك في العمليات العسكرية ضد البنية التحتية النووية الإيرانية واعتراض ناقلات 'أسطول الظل'، مما أجبر طهران على الجلوس لطاولة المفاوضات لإنهاء النزاعات الإقليمية وضمان أمن الملاحة.

اقتصادياً، استخدمت واشنطن ضخامة سوقها كوسيلة ضغط عبر فرض تعريفات جمركية شاملة لإجبار الدول على إعادة التفاوض. كما أدى إطلاق العنان لإنتاج الوقود الأحفوري إلى تحويل الولايات المتحدة لقوة طاقة عالمية، مما منحها نفوذاً جيوسياسياً هائلاً، خاصة في ظل تبعية أوروبا المتزايدة لإمدادات الغاز الأميركية.

في المقابل، يحذر معارضون من أن هذه السياسة ألحقت ضرراً بالغا بمكانة أميركا العالمية عبر تقويض التحالفات التقليدية والقوة الناعمة. فالانسحاب من الاتفاقيات الدولية مثل اتفاق باريس للمناخ أعطى انطباعاً بأن واشنطن لم تعد قائداً موثوقاً، مما خلق فراغات استراتيجية استغلتها قوى منافسة مثل الصين وروسيا.

ويرى خبراء أن التعامل مع الحلفاء بمنطق نفعي وتجاري أدى إلى نفور شركاء تاريخيين وأضر بتبادل المعلومات الاستخباراتية والردع المشترك. هذا التوتر قد يدفع الأوروبيين للبحث عن شبكات تجارية وأمنية بديلة ومستقلة، مما يضعف التماسك الغربي اللازم لمواجهة التحديات الهيكلية طويلة الأمد في النظام الدولي.

ختاماً، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت 'أميركا أولاً' قد نجحت فعلياً في حماية المصالح الوطنية أم أنها وضعت البلاد في مسار من العزلة والاضطراب. فبينما يرى البعض مكاسب فورية في الأمن والاقتصاد، يخشى آخرون من أن التخلي عن المبادئ الأخلاقية والقيادة بالقدوة سيفقد الولايات المتحدة نفوذها الدبلوماسي العالمي للأبد.

دلالات

شارك برأيك

بين إرث التأسيس وواقع القوة.. هل نجحت عقيدة 'أميركا أولاً' في اختبار النفوذ العالمي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.