تعيش قطاع غزة فصول كارثة بيئية غير مسبوقة مع انهيار المنظومة المخصصة للتخلص من النفايات الطبية، حيث تحولت أطنان المخلفات البيولوجية الناتجة عن آلاف العمليات الجراحية إلى سلاح فتاك يهدد الصحة العامة. فبعد أن كان هذا الملف يدار وفق معايير هندسية صارمة، باتت المستشفيات اليوم بؤراً لتصدير الأوبئة بدلاً من أن تكون قلاعاً للاستشفاء.
في الأحوال الطبيعية، كانت النفايات الطبية تخضع لبروتوكول وطني دقيق يمنع ملامستها للأرض، حيث تُنقل في حاويات صلبة إلى أجهزة تعقيم حرارية عملاقة تعمل بدرجة حرارة تصل إلى 143 مئوية. هذه الإجراءات كانت تضمن قتل الفيروسات وتفتيت المخلفات وتحويلها إلى مسحوق خامل بيولوجياً قبل دفنه في خلايا خرسانية معزولة، وهو ما توقف كلياً بفعل العمليات العسكرية.
أفادت مصادر طبية بأن معدل توليد النفايات الطبية الخطرة قفز ليسجل ما بين 10 إلى 15 طناً يومياً، مدفوعاً بآلاف العمليات الجراحية المعقدة وحالات بتر الأعضاء المستمرة. هذا الارتفاع القياسي يقابله انهيار كامل في القدرة على المعالجة، حيث تشير البيانات إلى أن الطواقم المتخصصة لا تستطيع معالجة أكثر من طن ونصف فقط شهرياً.
تؤكد تقارير دولية أن أكثر من 90 في المئة من النفايات الطبية في غزة باتت تختلط بالقمامة العادية دون أي فرز أو تعقيم، مما حولها إلى قنابل بيولوجية تتدفق إلى مكبات عشوائية. وقد استحدثت هذه المكبات، التي تجاوز عددها 140 مكباً، في مساحات ترابية مفتوحة تقع مباشرة بين خيام ومراكز نزوح السكان المكتظة.
داخل ممرات المستشفيات المتبقية، يضطر العاملون لجمع الأكياس الحمراء التي تحمل شعار الخطورة البيولوجية دون أدنى مقومات الوقاية الشخصية. وبسبب تعطل أجهزة التعقيم وانقطاع الكهرباء، تُجر هذه الحاويات المليئة ببقايا العمليات الجراحية والأنابيب الملوثة لتُلقى في الساحات الخلفية للمرافق الطبية المحاذية لخيام النازحين.
يرصد الواقع الميداني مشاهد صادمة لأطفال يلعبون بمخلفات طبية سامة، مثل الحقن المستعملة وأنابيب غسيل الكلى الملوثة، وسط غياب المساحات الآمنة. هؤلاء الأطفال لا يدركون أن وخزة إبرة واحدة لم تمر بمرحلة التعقيم كفيلة بنقل فيروسات فتاكة إلى أجسادهم ومن ثم نشر العدوى في المخيمات المكتظة.
أوضح المهندس ماجد زقوت، مدير وحدة الإصحاح البيئي أن الاحتلال دمر محطات التعقيم المركزية الخمس بالكامل، كما أخرج مكبي 'جحر الديك' و'الفخاري' عن الخدمة. هذا التدمير الممنهج للجدار التقني الواقي أدى إلى سحق بروتوكول فرز النفايات، مما جعل المخلفات تخرج من غرف الجراحة بكامل خطورتها البيولوجية.
المستشفيات أصبحت عاجزة بيئياً، وتراكم المواد المعدية يفتح الباب لانتشار وبائي مرعب لن يتوقف عند المرضى بل سينتقل لآلاف النازحين.
من جانبه، حذر ناهض أبو طعيمة، رئيس لجنة مكافحة العدوى، من أن النفايات تتكدس بالأطنان في ممرات المستشفيات بانتظار حلول غائبة تماماً. وأشار إلى تسجيل إصابات وخز مباشر بالإبر الملوثة بين الكوادر التمريضية وعمال النظافة، نتيجة الاكتظاظ الشديد والاضطرار للتعامل مع المخلفات بأيدٍ شبه عارية.
لا تقتصر التداعيات على العدوى المباشرة، بل تزحف المخاطر إلى باطن الأرض عبر ما يعرف بـ 'عصارة النفايات الطبية' شديدة السمية. هذه العصارة الناتجة عن تحلل المخلفات تحت تأثير الأمطار والحرارة، ترتشح إلى الخزان الجوفي الساحلي، وهو المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه السكان للحصول على المياه.
سجلت منظمة الصحة العالمية قفزة وبائية مرعبة في قطاع غزة، حيث تجاوزت حالات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي حاجز 40 ألف حالة. وتعزو المنظمة هذا التفشي إلى تلوث المياه واختلاطها بعصارة النفايات الطبية والمنزلية، محذرة من ظهور أنماط أخطر من فيروسات الدم في ظل غياب العوازل الخرسانية.
في ظل العجز التقني، تضطر الإدارات الطبية إلى اللجوء لأساليب بدائية لمواجهة تراكم السموم، منها حفر مقابر مؤقتة وعشوائية للأعضاء المبتورة داخل ساحات المستشفيات. هذه المقابر تفتقر لأي طبقات واقية، مما يسهل نفاذ الميكروبات إلى التربة المحيطة بخيام النازحين التي لا تبعد سوى خطوات قليلة.
تحدثت النازحة خلود عوض عن معاناة عائلتها من الروائح الكريهة المنبعثة من مكبات النفايات الطبية المجاورة لخيمتها، واصفة إياها برائحة الدماء المتعفنة والمواد الكيماوية. وأكدت أن أطفالها يعانون من قروح جلدية ودمامل غريبة نتيجة انتشار الحشرات والذباب الأزرق الذي يتكاثر فوق هذه الأكوام الملوثة.
يضطر المسؤولون اللوجستيون أحياناً إلى حرق المخلفات البلاستيكية والطبية يدوياً باستخدام الديزل، مما يطلق غاز الديوكسين والغازات المسرطنة في الأجواء. هذه الأدخنة السامة تتسبب بحالات اختناق حادة للمرضى والجرحى داخل غرف العناية المركزة، مما يضيف معاناة جديدة فوق جراحهم.
بينما تدعي سلطات الاحتلال تسهيل دخول شاحنات الإصحاح البيئي، تؤكد الوقائع الميدانية أن القيود العسكرية وتدمير البنية التحتية حالا دون وصول المساعدات اللازمة. ويبقى قطاع غزة يصارع وحده قنابل بيولوجية تهدد بإبادة ما تبقى من مقومات الحياة الصحية والبيئية في المنطقة.





شارك برأيك
قنابل بيولوجية موقوتة: انهيار منظومة النفايات الطبية يهدد غزة بكارثة وبائية