تلوح في أفق قطاع غزة بقايا أحياء مدمرة كشاهد حي على سياسة القضم العسكري المستمرة التي تنتهجها القوات الإسرائيلية. وعلى بعد أمتار قليلة من خطوط الهدنة المؤقتة التي شقها الجيش في عمق القطاع، تقف عائلات فلسطينية تترقب بحذر ما تبقى من ذكرياتها خلف كتل خرسانية تمنعهم من العودة إلى منازلهم التي باتت ركاماً.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل تسيطر حالياً على نحو 58 في المئة من مساحة القطاع، وسط مخاوف من تحول هذه السيطرة إلى واقع دائم. القلق الشعبي تضاعف عقب أوامر أصدرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجيشه بالاستعداد للوصول بنسبة السيطرة إلى 70 في المئة، مما يهدد بمحو المعالم الجغرافية المتبقية للحياة الفلسطينية.
وفي تصريحات علنية، أكد نتنياهو أن التدرج الميداني هو الاستراتيجية المتبعة، حيث انتقل الجيش من السيطرة على 50 في المئة إلى 60 في المئة وصولاً للهدف الجديد. ويهدف هذا التحرك، بحسب التصريحات الرسمية، إلى تشديد الخناق الأمني والعسكري على المناطق التي لا تزال خارج السيطرة المباشرة للجيش الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن تحريك الكتل الخرسانية بانتظام يمثل خرقاً صريحاً لالتزامات التهدئة السابقة وتفكيكاً ممنهجاً لجغرافية القطاع. هذه السياسة التي توصف بـ 'الزحف الصامت' تعيد رسم الحدود من جانب واحد، مما يقلص المساحات المتاحة للوجود الفلسطيني إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
وتعتمد العقيدة السياسية والعسكرية الحالية على تثبيت خطوط ميدانية جديدة عبر تحريك السواتر بضعة أمتار يومياً. الهدف النهائي من هذه التحركات هو تحويل ما تبقى من غزة إلى معازل ديموغرافية مخنوقة، تمنح تل أبيب أوراق ضغط استراتيجية لفرض شروط أمنية طويلة الأمد.
ميدانياً، تتوزع المساحة المستهدفة بالسيطرة على أحزمة ومحاور استراتيجية تهدف لتفكيك وحدة القطاع الجغرافية. تبدأ هذه الخارطة بتوسيع 'المنطقة العازلة' على الحدود الشرقية والشمالية، حيث يتم قضم عمق يصل في بعض المناطق إلى كيلومترين من الأراضي الزراعية والبلدات الحدودية.
وفي أقصى الجنوب، يبرز محور فيلادلفي كأحد أهم نقاط السيطرة، حيث يعمل الجيش على توسيعه بعمق مئات الأمتار داخل الأحياء السكنية في رفح. هذا الإجراء يهدف إلى عزل قطاع غزة تماماً عن حدوده مع مصر، وتحويل المنطقة إلى ثكنة عسكرية مغلقة ممسوحة بالكامل.
توجيهاتي الحالية هي الانتقال أولاً إلى 70 في المئة، لنبدأ بذلك لتشديد الخناق.
وتستخدم إسرائيل تكتيكات توصف بـ 'الهندسة الجغرافية التصاعدية' بدلاً من الاجتياح الشامل المفاجئ لتثبيت نفوذها. وتعتمد هذه التكتيكات على استخدام الرافعات العسكرية لنقل الكتل الخرسانية الصفراء تدريجياً نحو الغرب، مما يمهد الأرض للسيناريوهات الأمنية الكبرى التي وضعتها القيادة السياسية.
من جانبها، أعلنت حركة حماس رفضها القاطع لهذه المخططات، معتبرة أن أي تلاعب بجغرافية غزة هو وصفة لاستمرار الصراع. وأكدت قيادات في الحركة أن القطاع يمثل وحدة سياسية وجغرافية واحدة لا تقبل القسمة، وأن محاولات فرض 'الأحزمة الأمنية' هي احتلال موصوف سيتم مقاومته بكل الوسائل.
هذه التحركات الإسرائيلية لا تغير الخارطة فحسب، بل تدفع بالكتلة البشرية نحو مصير مجهول في مساحة لا تتجاوز 30 في المئة من مساحة القطاع الأصلية. ويصف خبراء في الجغرافيا السياسية هذا الوضع بأنه 'خنق ديموغرافي' غير مسبوق، حيث تحول السكان إلى جزر معزولة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وتكدست أعداد هائلة من النازحين في مناطق ضيقة مثل المواصي وأجزاء من دير البلح، مما خلق كثافة سكانية تعد الأعلى عالمياً. هذا الانفجار السكاني في مساحة محدودة أدى إلى انهيار الخدمات الأساسية، حيث يتشارك مئات الآلاف في موارد مائية وغذائية شحيحة للغاية.
ونجحت الخطوط التكتيكية الإسرائيلية في تقسيم القطاع إلى ثلاثة كانتونات منفصلة: كانتون الشمال المعزول خلف محور نتساريم، وكانتون الوسطى المحاصر بالأسلاك، وكانتون الجنوب المقطوع عن العمق الدولي. هذا التقسيم ينهي فكرة غزة كأرض متصلة جغرافياً ويحولها إلى بؤر اكتظاظ معزولة.
وعلى الصعيد الإنساني، يعبر المواطنون عن شعورهم بـ 'تلاشي بلادهم' من تحت أقدامهم، حيث باتت المعالم التاريخية والأسواق القديمة أثراً بعد عين. ولم يعد الأمر يقتصر على تدمير البيوت، بل امتد ليشمل إلغاء الهوية البصرية للمدن الفلسطينية وتحويلها إلى تلال من الركام والمناطق الأمنية المقيدة.
وفي ظل هذا الواقع، تحولت الحياة اليومية للنازحين إلى سلسلة من الطوابير الطويلة للبحث عن المياه والاحتياجات الأساسية. وتصف شهادات من داخل المخيمات الوضع بأنه معركة يومية للبقاء، حيث تلتصق الخيام ببعضها البعض في بيئة تفتقر لأبسط معايير الكرامة الإنسانية، وسط ترقب لما ستسفر عنه مخططات التوسع القادمة.





شارك برأيك
مخطط السبعين بالمئة: إسرائيل تعيد رسم جغرافية غزة بالكتل الخرسانية