أقلام وأراء

الخميس 02 يوليو 2026 9:23 مساءً - بتوقيت القدس

الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة

لم تَعُد كرة القدم لعبة نتائج عابرة، ولا مساحة تُدارُ بمنطق ردود الفعل، بل صارت صناعة متكاملة تقوم على التخطيط والحوكمة والاستثمار وبناء الأجيال. وفي هذا الزمن، لم يَعُد الإخفاق في كأس العالم حَدَثًا يُعالَج ببيان عاطفي أو بتغيير فني سريع، بل سؤالًا أعمق: مَن يَتحمَّل المسؤولية؟ ومَن يملِك شجاعة المراجعة حين تحتاج المرحلة إلى قيادة وأدوات مختلفة؟

من هنا تكتسب استقالة ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، بعد خروج "الاخضر" من دور المجموعات في كأس العالم 2026، قيمة تتجاوز حدود الحدث السعودي. فهي ليست مجرد مغادرة لمنصب، بل رسالة إدارية نادرة في المشهد الكروي العربي: المسؤولية لا تعني الحضور في لحظة النجاح فحسب، بل الوقوف أمام الخيبة والاعتراف بأن المشروع يحتاج إلى تجديد في الرؤية والعمل.

قاد المسحَل مرحلةً مهمةً بلغت فيها السعودية المونديال مرتين، وهذا يُحسَب له ولا يُسقِطُه الإخفاق الأخير. لكن جوهر التحول أن الكرة السعودية لم تَعُد تكتفي بشرف التأهل أو حضور البطولة، بل باتت تَطلُب النتائج، والمنافسة، وترك الأثر، بما ينسجم مع حجم الاستثمار الرياضي والتحول الكبير في المملكة. هنا يتغير سقف التقييم؛ فما كان إنجازا قبل سنوات، قد يُصبِح اليوم محطة غير كافية أمام مشروع يريد أن يكون حاضرا في قلب المنافسة لا على هامشها.

وتستدعي هذه الحالة إلى الذاكرة استقالة شرف الدين عمارة في الجزائر بعد الإخفاق في بلوغ مونديال قطر، حين جاء القرار اعترافا بأن لحظة الفشل المفصلية لا تمر بلا أثر إداري. غير أن مثل هذه المواقف تبقى نادرة في الكرة العربية، حيث غالبا ما يَدْفَع المدرب الثمن وحده، ويتغير الجهاز الفني، ثم تعود المنظومة ذاتها لإنتاج الأخطاء نفسها، بينما يبقى المسؤول الأول بعيدا عن دائرة المحاسبة، رغم أن المنتخب ليس نتاج تسعين دقيقة، بل حصيلة سنوات من البرامج والاختيارات والبنية والتخطيط.

وهنا يجب التمييز بين ثقافة البحث عن كبش فداء وثقافة تحمُّل المسؤولية. فالاستقالة لا تمحو الإنجازات السابقة، ولا تعني تحميل شخص واحد كامل الإخفاق، لكنها تُقِرُّ بأن المؤسسات لا تتطور إلا بالمراجعة والتجديد. قد ينجح مسؤول في مرحلة البناء، لكنه لا يملك بالضرورة أدوات مرحلة المنافسة. وقد يُؤسِّس بنية مهمة، ثم يصبح من واجبه أن يُفسِح المجال لِمَن يستطيع البناء عليها بصورة مختلفة.

رئيس الاتحاد ليس واجهة بروتوكولية، بل شريك في صناعة النتائج، من خلال التخطيط، والمسابقات، والبرامج الفنية، وتطوير المنتخبات السنية، وبناء العلاقة بين الدوري والمنتخب. لذلك فإن الإخفاق الكبير لا يجب أن يُقرَأ بوصفه خسارة مباراة فقط، بل اختبارا لجودة المشروع كله.

الكرة العربية اليوم أمام مرحلة مختلفة: أجيال صاعدة، أكاديميات، استثمارات ضخمة، جماهير أكثر وعيا، وإعلام أكثر تدقيقا. ولم يَعُد مقبولًا أن تُدارَ الاتحادات بآليات قديمة، وقرارات موسمية، ولجان بلا أثر. المطلوب أن تتحول كل دورة مونديالية إلى محطة مراجعة صادقة: ماذا تحقَّق؟ أين ذهبت الموارد؟ هل تطوَّرت قاعدة اللاعبين؟ وهل تحوَّل التأهل إلى قدرة حقيقية على المنافسة؟

ما تحتاجه كرتنا ليس موجة استقالات عاطفية بعد كل خسارة، بل ترسيخ مبدأ واضح: المنصب ليس ملكية دائمة، والنجاح السابق لا يمنح حصانة أبدية. مَن ينجح يستحق التقدير، ومَن يَعجِز عن نقل المشروع إلى مستوى أعلى عليه أن يُفسِح المجال. فالكرة العربية الحديثة لا تحتاج إلى مسؤولين يُطيلون البقاء باسم إنجازات مَضَت، بل إلى قيادات تَعرِف أن المنصب دورة مسؤولية، تُقاس بالقدرة على التطوير، وبالشجاعة على المغادرة حين يحتاج المستقبل إلى دم جديد.

دلالات

شارك برأيك

الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.