أقلام وأراء

الأربعاء 01 يوليو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

بعض الضوء رغم السواد


تمر الأراضي الفلسطينية المحتلة بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً وأشدها خطورة على الإطلاق، إذ تتلاحق الأزمات وتتفاقم، لتعصف بوضع متآكل يراه البعض، بل أوساط واسعة، يقترب من السقوط. فهناك شبه انهيار في الوضع الاقتصادي، وتَرَدٍّ في الأوضاع المعيشية، وارتفاع في معدلات البطالة، وتدهور في الحالة الاجتماعية، يترافق ذلك مع انقسامات سياسية حادة، بحيث باتت جهات وازنة تطرح إعادة تعريف المشروع الوطني الجامع! وما هي الأسس التي يقوم عليها؟ وما هو المقبول، أو ما يمكن تحقيقه، في ظل تغوّل الاستيطان واعتداءات المستوطنين وهدم البيوت، في استباحة كاملة وشاملة للأراضي الفلسطينية، والإرياف والبلدات تحديداً؟ فلم تعد تقسيمات مناطق (أ) و(ب) و(ج) ذات أي مدلول بالمعنى السياسي من وجهة نظر الاحتلال، فيما "دولة المستوطنين" في الضفة الغربية تضرب عبر جيشها من مليشيات المستوطنين المسلحة بعشرات الآلاف تدريباً وإعداداً وتمويلاً، وتوفير الحماية لهم من حكومة الاحتلال بقرار من أعلى المستويات، يمدّهم بكل المقومات. قرار يتعدى رعي الأغنام وإطلاقها في محيط وبين بيوت المواطنين، فكل ما يجري هو ضمن فرض واقع مختلف تماماً عما جرى في السابق.

الصورة قاتمة تبعث على التشاؤم، ويكاد بصيص الأمل يتلاشى. فهل انتهى كل شيء حقاً؟ هل بتنا أمام وضع يصعب تغييره؟ وهل حالة العجز التي نعيشها اليوم ستشهد المزيد من التدهور لما هو أكثر خطورة؟ فالاحتلال، والحالة هذه، يكشف علناً، وجهاراً نهاراً، عن مشاريعه للترحيل القسري أو الطوعي، لتفريغ الأرض من أصحابها. حتى بواكير الدعاية الانتخابية للانتخابات القادمة للاحتلال، تجمع أقطاب القوائم المتنافسة فيما بينها على رفض الدولة الفلسطينية، وتتبنى مخطط الضم والاستيلاء على الأرض، وإجراءات هدفها تكريس حالة الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
بموازاة كل ذلك، سرقة "المقاصة"، وقطع الرواتب، وخنق مقومات الحد الأدنى للبقاء. هذه التوصيفات في قراءة الحالة الراهنة تلقى إجماعاً كاملاً، مع استمرار المخاوف من تآكل الأطر والمرجعيات، وغياب الحوار الجدي، بالرغم من اعتبار العام الجاري عام الانتخابات والتحضير لانتخابات المجلس الوطني المقرّرة نهايته.
كل ذلك وغيره الكثير يدركه الكل الوطني، بل يتم استعراضه دوماً من فصول تختلط فيها الأمور والأوراق، ويغيب الموقف الوطني الذي لطالما شكل بوصلة أو "مدماكاً" للبناء عليه في تعبئة الشارع وحشد الإمكانات لمواجهة الأخطار. تتجلى مظاهره الأشد أن الشارع اليوم دون حماية ودون غطاء، ودون حتى تقديم أدنى مقومات سبل البقاء والصمود الذي يتحدث عنه الجميع دون أي خطوات أو برنامج أو فهم مشترك متوافق عليه.

بيد أن كل ذلك لا يعني أن نفقد الأمل، فغير مسموح لنا بالتراجع وتصدع الوضع لتحقيق هدف الاحتلال ومستوطنيه الذين يعيثون خراباً. ورغم ما يجري، فلننظر إلى بقعة الضوء في بحر السواد الممتد في تفاصيل حياتنا، المخيم على مشهد دام. هناك أمل دوماً، فمن يتابع ما يجري، مثلاً، في الريف الشرقي لرام الله، وهي من أكثر المناطق عرضة للاستهداف اليومي من المستوطنين وانتهاكات الاحتلال، يجد أن تجربة الهبات (الفزعات) عند قيام المستوطنين بمهاجمة هذه القرى أضافت صورة للتلاحم والتكاتف بين جميع الأهالي، صغاراً وكباراً. أيضاً، هناك لجان الحراسة والحماية الشعبية التي تعمل بشكل طوعي، ويتكاتف الأهالي لتوفير الإمكانات لها، وهي فاعلة ونشطة، ويُشهد لها بالدور دون وقوع عدة حوادث مميتة بعد إيقاظ الناس. ومثال آخر، حالة اللحمة التي شهدتها بلدة سنجل إلى الشمال من رام الله، القرية المستهدفة بالاستيطان، حيث استطاع الأهالي جمع مبلغ 370 ألف شيكل خلال ساعات بعد فتح باب التبرع لمساعدة المزارعين الذين تعرضوا لهجمات المستوطنين وسرقة مواشيهم، تعويضاً من البلدة وإسناداً لصمودهم، ضمن حملة "وقفة عز سنجل لا تنكسر".
و تدفقت التبرعات في العديد من القرى والبلدات التي ذاقت ويلات الاعتداءات المتصاعدة لقطعان المستوطنين في ريف نابلس، لإسنادها شعبياً، وتقديم الأسلاك الشائكة لحماية الأراضي المهددة بالمصادرة، وتوزيع الأشتال والمساعدات في العديد من قرى سلفيت، والمساعدات الطارئة في مسافر يطا. هناك حراك يجري، وهناك فعل حتى لو لم يُعلن عنه رسمياً، يوحي بأن الحس الجمعي موجود وبقوة وحاضر، رغم ممارسات الاحتلال الوحشية.

نعم، هناك أوضاع قاسية ومثيرة للجدل، هذا صحيح. فالسرقة ليست فقط للمواشي، بل للمستقبل والوجود في هذه البلاد. وطالما هي كذلك، فمن الممكن الوقوف مع الناس والقرى المستهدفة، وشد أزر المزارعين، وإعطاء معانٍ كبيرة أمام ما يجري لرفع المعنويات. نبقى على ضوء ما بإمكانه أن يعزز بقاء عائلة أو تجمع بدوي، رغم الحاجة للمزيد من الإمكانيات، ومدّ هذه القرى والبلدات والمخيمات بمقومات الصمود. فهم لا يحتاجون منا للمزيد من الشعارات والخطب الرنانة، بل بحاجة إلى ما يجعل وجودهم فوق الأرض أكثر رسوخاً، وهو واجب بسيط للغاية يجب أن تعبّر عنه كل التحركات، وأن تلتقي فيه الطاقات الرسمية رغم قلتها، والأهلية بما هو متوفر ومتاح، والقطاع الخاص بكل ما يملكه من موارد ضخمة. فالوجود على الأرض اليوم هو عنوان حياة في مواجهة مخطط التهجير والتطهير العرقي.

أما الموقف السياسي، فرغم ترنح الحالة، فمن الممكن تمتينه وتقويته، وذلك بأن تساعد المبادرات الشعبية كما في دير أبو مشعل، والخضر، ومسافر يطا، وقرى الأغوار، وطوباس، وطبعاً الخان الأحمر والتجمعات البدوية التي تحمي مناطق شرق القدس من مخطط (E‑1)، وصولاً إلى مسافر يطا والجنوب، وفرض الوقائع على الأرض. فالصورة ليست سوداء إلى الدرجة التي لم يعد بأيدينا فيها "حيلة".
على العكس، اليوم الاحتلال صورته في الإقليم والعالم تضررت كثيراً، وهو على قائمة العار السوداء، ولم تعد "إسرائيل" القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة. هناك متغيرات وتحولات كبيرة جرت وتجري، علينا الاستفادة منها، وفتح نافذة للاختراق يأتي من خلال موقف فلسطيني صلب متماسك وقوي، يعيد التأكيد على التمسك بالحقوق المشروعة.
الساحة الداخلية بإمكانها رد الاعتداء بالإمكانات الشعبية المتاحة، رغم قلتها، وحالة الإحباط واليأس الموجودة ليست قدراً.
فالمبادرات الشعبية في الأرياف اليوم ليست مطلباً وأولوية فقط، بل هي بؤرة عمل لاستعادة الحالة الوطنية واستنهاض العمل الشعبي الذي غاب. فكل مبادرة في إحدى القرى اليوم هي تعبير عن قدرة الشعب الفلسطيني في وجه الترحيل. ما نفتقده طوال الفترة الماضية هو غياب النماذج الحية، مع نقص الموارد مقارنة مع المطلوب نظراً لحجم الاعتداءات، لكن ذلك لا يعني أن حالة الصمت هي حالة دائمة.
نموذج سنجل، دير أبو مشعل، يطا وغيرها الكثير هي إزاحة للستار عن واقع يتوجب تغيره، وهي قنطرة يتوجب توسيعها وتبنيها لتغدو نمطاً واقعياً للمقاومة الشعبية لشعب تحت الاحتلال يرنو للخلاص. حتى المسارات التي ينظمها شبان وشابات للتعرف على القرى والأرياف هي مساهمة في صقل جيل كامل للتعرف على طبيعة البلاد وتضاريس الأرض الخلابة، لكنها أيضاً نقطة تحدي ينظر لها بالحسبان، مما يجعل المستوطنين يعيدوا التفكير ولا يجرؤوا على الاقتراب. هي نموذج آخر ورهان لشعب منغرس، ورسالة لهؤلاء الغرباء أن الأجيال تحلم، وما زالت قادرة على السير بحلمها قدماً، رغم هذه العتمة.


دلالات

شارك برأيك

بعض الضوء رغم السواد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.