أقلام وأراء

الإثنين 27 يوليو 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

الناس قادرون على تحديد مصالحهم وترتيب أولوياتهم


يبدو الشعب الفلسطيني اليوم عاجزًا أمام هذا الكم الهائل من الأزمات؛ الهجمة الاستيطانية المدعومة من حكومة الاحتلال الإسرائيلية تتصاعد بشكل غير مسبوق، وأزمة الرواتب مستمرة، وأزمة الجسر، وأزمة الوقود، وأزمة البطالة، وأزمة الضغوط السياسية، وأزمة انعدام الأفق السياسي، واستمرار الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلًا عن أزمة العنف الداخلي. كلها أزمات متلاحقة، تتراكم فوق بعضها البعض، حتى يبدو الفلسطيني وكأنه محاصر من كل الاتجاهات.
في ظل هذا الواقع، يقف الفلسطيني عاجزًا إلى حد كبير، ليس لأنه لا يريد أن يفعل، وإنما لأن الظروف المحيطة به بالغة القسوة. هناك غياب لاستراتيجية وطنية موحدة، وغياب لقيادة قادرة على تنظيم الحالة الفلسطينية وتأطيرها وقيادتها، وهناك أيضًا غياب لضغط دولي حقيقي، وغياب لضغط إقليمي قادر على إحداث فرق. ولذلك يبدو الشعب الفلسطيني وكأنه يقف وحده، وحده إلى حد كبير، وهو في النهاية شعب أعزل، لا يملك قوة مادية تفرض إرادته، ولا يملك أدوات المواجهة التي يملكها الطرف الآخر.
لهذا تبدو الصورة سوداوية للغاية، بل غير مشجعة على الإطلاق. وكأننا ندفع ثمن كل شيء؛ ندفع ثمن الغياب، وثمن الهزيمة، وثمن الهجمة المتصاعدة من قبل الاحتلال، ومن قبل الإدارة الأمريكية أيضًا. ولذلك يطرح الجميع السؤال نفسه: ما العمل؟ ما الذي يمكن أن نفعله؟ وما الذي نستطيع أن نقوم به بأقل الخسائر الممكنة؟
في تقديري، علينا أولًا أن نفهم طبيعة المشروع الإسرائيلي، فإسرائيل اليوم لا تريد فقط إدارة الصراع، بل تريد أن تسحق كل التجارب الفلسطينية المختلفة. هي ترفضها جميعًا، وتتخلى عمليًا عن فكرة التسوية السياسية، وتتخلى عن رؤية الشعب الفلسطيني باعتباره شعبًا له حقوق وطنية، بل وتتجاوز أيضًا فكرة التسوية الإقليمية التي تمر عبر القضية الفلسطينية. هي تريد كل شيء؛ تريد الأمن، وتريد يهودية الدولة، وتريد الديمقراطية لنفسها، وتريد السلام مع الإقليم، ولكنها تريد كل ذلك مع تجاوز الفلسطيني، وكأن القضية الفلسطينية لم تعد موجودة أصلًا.
لهذا السبب، أعتقد أن الشعب الفلسطيني هو الذي يحدد أدواته بنفسه، وهو الذي يحدد شكل تحركه، ويخترع وسائل الرد التي تناسبه، وفي الوقت والمكان والظرف الذي يراه مناسبًا. ولذلك لا أرى حاجة إلى الاقتراحات المعلبة، ولا إلى الخطط الجاهزة، ولا إلى النصائح التي تقدم وكأنها تصلح لكل زمان ومكان. فكل مرحلة لها ظروفها، وكل ظرف له حساباته، وكل مجتمع يعرف أولوياته أكثر من أي أحد آخر.
أنا أعتقد أن الناس تعرف مصلحتها. تعرف متى تتحرك، ومتى تنتظر، وتعرف ما هي أولوياتها، وتعرف أيضًا حجم المخاطر التي تواجهها. هذه ليست جماهير بلا تجربة، بل هي جماهير راكمت خبرة طويلة من الانتفاضات السابقة، ومن التجارب الوطنية المختلفة، ومن كل ما عاشته خلال العقود الماضية. ولذلك فإن الجمهور، في النهاية، هو سيد نفسه، وهو الأقدر على تحديد أولوياته، وعلى اتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا.
ثم إن التاريخ لا يعمل بقوانين فيزيائية ولا رياضية. للتاريخ منطقه الخاص، وسننه الخاصة، ومساراته التي لا يمكن اختزالها بمعادلات جامدة. ولذلك، ورغم قساوة هذا الظرف وسوداويته، فإنني لا أعتقد أن الحلول غائبة. دائمًا هناك حلول، لكنها تأتي في زمانها، وتنضج في ظروفها، لأن الحلول لا تصنعها إرادتنا وحدها، وإنما تصنعها أيضًا تحولات عدونا، وتحولات الإقليم، وتحولات العالم الذي لا يتوقف عن التغير.
هذه ليست رؤية قدرية، وليست دعوة إلى الانتظار، وإنما هي دعوة إلى الثقة بقدرة الناس على التقدير والحساب. فالناس تعرف مصلحتها، وتعرف أولوياتها، وتعرف المخاطر التي تواجهها، وتمتلك قدرة كبيرة على إجراء التوازنات التي تحفظ لها البقاء والاستمرار والصمود، إلى أن تأتي اللحظة التي تنضج فيها الظروف، وتصبح الخيارات الممكنة أوسع مما هي عليه اليوم.

دلالات

شارك برأيك

الناس قادرون على تحديد مصالحهم وترتيب أولوياتهم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.