تحليل

الإثنين 29 يونيو 2026 7:41 صباحًا - بتوقيت القدس

تحول أميركي عميق يربك إسرائيل: أزمة فانس ليست سوى عنوان لمرحلة جديدة في واشنطن

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 28/6/2026


لم تعد الأزمة المتصاعدة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحكومة الإسرائيلية تقتصر على التصريحات الحادة التي يطلقها نائب الرئيس جي دي فانس، بل باتت تعكس تحولاً أعمق في بنية التفكير السياسي داخل واشنطن تجاه إسرائيل. فالمقال الأصلي الذي نشرته مجلة بوليتيكو يكشف أن ما تواجهه تل أبيب ليس خلافاً شخصياً مع فانس، وإنما بداية مرحلة جديدة لم تعد فيها إسرائيل تتمتع بالمكانة الاستثنائية التي حافظت عليها لعقود داخل السياسة الخارجية الأميركية.


وجاءت هذه المؤشرات بعد أشهر قليلة من الضربات الأميركية والإسرائيلية المشتركة ضد إيران في أواخر شباط، حين اعتقدت الحكومة الإسرائيلية أن التحالف مع إدارة ترمب دخل مرحلة غير مسبوقة من القوة والتماسك. غير أن التطورات اللاحقة رسمت صورة مختلفة تماماً، إذ بدأت واشنطن تتعامل مع ملفات الشرق الأوسط انطلاقاً من حسابات المصلحة الأميركية المباشرة، وليس من منطلق الالتزام المطلق بالأولويات الإسرائيلية.


وبحسب التقرير، فإن فانس وجّه رسالة غير مسبوقة لإسرائيل عندما قال إن الرئيس ترمب هو الزعيم العالمي الوحيد الذي لا يزال يقف إلى جانبها، محذراً الحكومة الإسرائيلية من خسارة حليفها الأقوى. كما أوحى بأن استمرار الدعم الأميركي لم يعد أمراً مضموناً إذا استمرت تل أبيب في اتخاذ خطوات تتعارض مع المصالح الأميركية.


وتؤكد مصادر أميركية وإسرائيلية تحدثت للمجلة أن فانس لا يمثل حالة استثنائية داخل الإدارة، بل يجسد توجهاً متنامياً يرى أن العلاقة مع إسرائيل يجب أن تخضع، مثلها مثل أي تحالف آخر، لمعيار "أميركا أولاً". ويعني ذلك أن المصالح الأميركية لم تعد تُعرّف تلقائياً باعتبارها مطابقة للمصالح الإسرائيلية، وهو تحول يصفه مسؤولون إسرائيليون بأنه الأكثر خطورة منذ عقود.


وكانت إسرائيل قد راهنت منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض على أن سياسة "أميركا أولاً" ستستثنيها من أي مراجعة للتحالفات التقليدية، غير أن هذا الرهان بدأ يتبدد سريعاً. ونقلت بوليتيكو عن مستشار سياسي إسرائيلي قوله إن حكومته كانت ساذجة عندما اعتقدت أن إسرائيل ستظل بمنأى عن التحولات التي تطال السياسة الخارجية الأميركية.


وتظهر مؤشرات هذا الفتور في تراجع وتيرة الاتصالات السياسية بين الجانبين. فبعد أن زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن خمس مرات خلال عام 2025، لم يزرها هذا العام سوى مرة واحدة، كما لم يُحدد حتى الآن موعد جديد لزيارة البيت الأبيض، بينما انخفضت الاتصالات الهاتفية بين القيادتين بصورة ملحوظة.


ورغم تأكيد البيت الأبيض أن العلاقات بين البلدين ما زالت قوية، فإن لهجة ترمب تجاه نتنياهو أصبحت أكثر حدة خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد الخلافات المتعلقة بلبنان والمفاوضات مع إيران. وتشير المجلة إلى أن الرئيس الأميركي وصف نتنياهو في إحدى المناسبات بعبارات قاسية، قبل أن ينجح في إقناعه بتجميد ضربات عسكرية كانت إسرائيل تعتزم تنفيذها ضد بيروت، وهو موقف انسجم مع رؤية فانس الداعية إلى تجنب أي تصعيد قد يهدد المسار التفاوضي مع طهران.


ويكشف التقرير أن نائب الرئيس الأميركي ظل منذ سنوات يعتبر أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ليست متطابقة دائماً، وأن واشنطن يجب ألا تُستدرج إلى حرب مع إيران دفاعاً عن إسرائيل. واليوم، بعد أن أصبح أحد أبرز مهندسي المفاوضات الأميركية مع طهران، اكتسبت هذه الرؤية ثقلاً تنفيذياً لم يعد بالإمكان تجاهله داخل الإدارة.


وفي المقابل، تنظر إسرائيل بقلق إلى التفاهمات الجارية مع إيران، لأنها تركز على البرنامج النووي وفتح الممرات البحرية وخفض أسعار النفط، بينما لا تتناول بصورة مباشرة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو النفوذ العسكري لطهران في المنطقة، وهما الملفان اللذان تعتبرهما تل أبيب تهديداً وجودياً.


ويرى باحثون ومسؤولون تحدثوا إلى بوليتيكو أن حكومة نتنياهو لا تزال تقلل من حجم التحول الجاري في واشنطن، معتقدة أن الأزمة تقتصر على فانس وحده، بينما تشير الوقائع إلى أن التغيير أصبح أوسع وأعمق، وقد يزداد وضوحاً مع اقتراب الانتخابات الأميركية المقبلة، التي ستشهد بدورها نقاشاً متزايداً داخل الحزب الجمهوري حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل.


تكشف هذه التطورات أن إسرائيل تواجه للمرة الأولى منذ عقود احتمال فقدان صفة "الحليف الاستثنائي" داخل المؤسسة السياسية الأميركية. فالأجيال الجديدة من السياسيين الجمهوريين لم تعد تنظر إلى الدعم غير المشروط باعتباره ثابتاً استراتيجياً، بل باتت تربطه بحسابات اقتصادية وانتخابية ومصالح أميركية مباشرة. ويعني ذلك أن التحالف التاريخي يدخل مرحلة إعادة تعريف، حيث تصبح إسرائيل شريكاً مهماً، لكنها ليست استثناءً دائماً من قواعد السياسة الخارجية الأميركية التي يعيد ترمب وفريقه صياغتها وفق مفهوم المصلحة الوطنية أولاً.


كما تعكس الأزمة تحولاً أوسع داخل المجتمع الأميركي نفسه. فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل، خاصة بين الشباب والمستقلين وحتى داخل قطاعات من الحزب الجمهوري. هذا التغير يفرض على الساسة الأميركيين، وفي مقدمتهم جي دي فانس، مخاطبة جمهور لم يعد يتقبل الانخراط العسكري المفتوح في الشرق الأوسط أو تقديم دعم غير محدود لحلفاء الخارج. ومن هنا تبدو تصريحات فانس انعكاساً لتحولات داخلية أكثر منها مجرد خلاف دبلوماسي مع حكومة نتنياهو.


أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الرهان التقليدي على العلاقة الشخصية مع الرئيس الأميركي لم يعد كافياً لضمان استمرار الامتيازات السياسية والاستراتيجية التي تمتعت بها لعقود. فإذا كانت الخلافات السابقة تنتهي عادة بتدخل البيت الأبيض لإعادة الدفء إلى العلاقات، فإن الخلاف الحالي يرتبط بتغير في فلسفة صنع القرار داخل واشنطن نفسها. لذلك قد تجد أي حكومة إسرائيلية مقبلة نفسها مضطرة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه الولايات المتحدة، والتكيف مع واقع جديد لم تعد فيه الأولويات الإسرائيلية تتقدم تلقائياً على الحسابات الأميركية.


ويخلص التقرير إلى أن مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية المقبلة، بل بمدى نجاح الطرفين في التكيف مع معادلة سياسية جديدة لم تعد تمنح إسرائيل وضعاً استثنائياً داخل استراتيجية الولايات المتحدة. وإذا كان جي دي فانس قد أصبح الوجه الأكثر وضوحاً لهذا التحول، فإن الرسالة الأساسية التي تحملها المرحلة الحالية هي أن واشنطن بدأت تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية مصالحها القومية أولاً، حتى وإن أدى ذلك إلى فرض قيود غير مسبوقة على أقرب حلفائها في المنطقة.

دلالات

شارك برأيك

تحول أميركي عميق يربك إسرائيل: أزمة فانس ليست سوى عنوان لمرحلة جديدة في واشنطن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.