أقلام وأراء

الأحد 28 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

الثورات التي يهزمها الزمن

الزمن لا يقرع أبواب الثورات. يدخل إليها بهدوء، كضيف لا يثير الشبهات. يجلس في آخر القاعة أثناء الاجتماع الأول بعد الانتصار، يستمع إلى الخطب التي تتحدث عن الحرية، ويبتسم وهو يرى العيون المليئة بالحلم. لا يقاطع أحداً، ولا يعترض على شيء، لأنه يعرف أن مهمته ليست اليوم.
ينتظر. يعرف أن الثورة، في أيامها الأولى، تكون أقوى منه. فالأفكار ما تزال طازجة، والناس ما زالوا يؤمنون بأن التضحية طريق الحرية، وأن القيادة تكليف لا امتياز، وأن الوطن أكبر من كل الأسماء. ثم يبدأ الزمن عمله.
لا يهدم الجدران، بل يراكم عليها الغبار. لا يسرق المبادئ، بل يؤجلها. ولا يطلب من الثوار أن يتخلوا عن أحلامهم، بل يقنعهم بأن تأجيلها أكثر حكمة.
شيئاً فشيئاً، تتحول الثورة من حركة تبحث عن المستقبل إلى مؤسسة تحرس الماضي. ويتحول التاريخ، الذي كان مصدر إلهام، إلى شهادة دائمة للبقاء. ويصبح السؤال عن الغد أقل أهمية من الاحتفاء بالأمس.
هكذا ينتصر الزمن، ليس لأنه أقوى من الثورات، بل لأن الثورات تنشغل أحياناً بحراسة ذاكرتها أكثر من صناعة مستقبلها. التاريخ مليء بثورات هزمت جيوشاً، وأسقطت أنظمة، وغيّرت خرائط العالم، لكنها عجزت عن هزيمة عدو لم تكن تراه، عدو لا يحمل دبابة، ولا يرفع علماً، ولا يطلق رصاصة واحدة، اسمه الجمود. فالجمود لا يدخل من بوابة الخيانة، بل من باب الاطمئنان. يهمس للقيادات بأن بقاءها ضرورة. ويقنع المؤسسات بأن التغيير مخاطرة. ويجعل تداول المسؤولية يبدو وكأنه تهديد للاستقرار، لا علامة على حيوية المشروع. وعندما ينجح في ذلك، لا يحتاج إلى أن يهزم الثورة. يكفي أن يجعلها تتوقف عن التجدد.
*****
قد يظن القارئ أن هذا حديث عن ثورة بعيدة، أو عن فصل من كتاب تاريخ، أو عن رواية سياسية قرأها ذات يوم، لكنه في الحقيقة سؤال فلسطيني. فالقضية الفلسطينية لم تولد من أجل أن تدير واقعاً قائماً، بل لتغيّره. ولم يكن المشروع الوطني، في جوهره، مشروع سلطة، بل مشروع حرية. وكانت عظمته أنه امتلك، في أصعب اللحظات، قدرة مدهشة على إنتاج قيادات جديدة، وأفكار جديدة، وأشكال جديدة من النضال.
لكن الزمن، الذي لم ينجح في كسر إرادة الفلسطيني تحت الاحتلال، يحاول اليوم أن يختبر شيئاً آخر: قدرة المشروع الوطني على تجديد نفسه، والمفارقة أن الاحتلال لا يتوقف عن التطور، يغيّر حكوماته، ويطوّر استراتيجياته، ويعيد بناء أدواته باستمرار.
أما نحن، فكثيراً ما ندير حاضرنا بعقل الأمس، ونواجه تحديات تتغير كل يوم بخطابات لم تتغير منذ سنوات، وليست المشكلة في الأشخاص، فكل جيل يصنع قادته. المشكلة حين يصبح الزمن متوقفاً عندهم، وحين تتحول المواقع إلى غاية، لا إلى وسيلة، وحين يصبح تداول المسؤولية حدثاً استثنائياً، بينما الأصل في الحياة أن تتجدد.
فالمؤسسات التي تخشى التجديد، تشيخ حتى لو كان أعضاؤها من الشباب. والأفكار التي لا تُراجع نفسها، تتحول بالتدريج إلى شعارات. أما الثورات التي تخاف النقد، فإنها تمنح الزمن فرصة ليعيد تشكيلها من الداخل. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس أن تتأخر الإصلاحات، بل أن يعتاد تأخرها، أن يصبح غياب الانتخابات أمراً عادياً، وأن يبدو بقاء الواقع قدراً لا يُناقش، وأن يتحول السؤال إلى عبء، بينما يصبح الصمت فضيلة. عندها، لا يكون الزمن قد انتصر على القيادات وحدها، بل يكون قد انتصر على الفكرة نفسها.
*****
فلسطين لا ينقصها تاريخ، ولا ينقصها شهداء، ولا ينقصها شعب مستعد لأن يدفع أثمان الحرية. ما تحتاجه، كما احتاجته كل حركات التحرر الكبرى، الشجاعة التي تجعلها تراجع نفسها وهي قوية، لا بعد أن تضعف، فالثورات العظيمة لا تُقاس بعدد السنوات التي بقيت فيها قياداتها، بل بعدد الأجيال التي استطاعت أن تصنعها، ولا تُخلّد لأنها احتفظت بالأسماء نفسها، بل لأنها بقيت وفية للفكرة التي أنجبت تلك الأسماء.
لذلك، ربما لم يعد السؤال الفلسطيني الأكثر إلحاحاً هو: كيف ننتصر على الاحتلال؟ بل سؤال أكثر صعوبة، وأكثر صدقاً: كيف نمنع الزمن من أن ينتصر علينا قبل أن ينتصر علينا الاحتلال؟
فالثورات لا يهزمها أعداؤها دائماً... أحياناً يكفي أن تتوقف عن التجدد.

*القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

دلالات

شارك برأيك

الثورات التي يهزمها الزمن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.