أفادت مصادر صحفية عبرية بأن مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران تمثل إطاراً أولياً لوقف التصعيد، وفتح الباب أمام مفاوضات موسعة بشأن البرنامج النووي. وأوضحت المصادر أن هذه المذكرة لا تعد اتفاقاً نهائياً أو تسوية شاملة، بل هي 'خطاب نوايا' يؤسس لمرحلة انتقالية مدتها 60 يوماً تهدف للوصول إلى اتفاق دائم.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حدود القوة لدى الطرفين، حيث تظهر المذكرة تراجع قدرة واشنطن على فرض شروطها عسكرياً، في مقابل نجاح طهران في استثمار علاقاتها الإقليمية لتعزيز موقفها. وقد دخلت إيران هذه المفاوضات من موقع قوة، مستفيدة من رغبة دول المنطقة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي بعيداً عن التحالفات العسكرية.
وعلى الرغم من امتلاك واشنطن لأدوات ضغط اقتصادية قوية، تتمثل في أصول إيرانية مجمدة تقدر بنحو 120 مليار دولار، إلا أن فاعلية الخيار العسكري تراجعت بشكل ملحوظ. ويأتي هذا التراجع في ظل توجهات الإدارة الأمريكية الحالية التي تبدي رغبة أقل في الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة في الشرق الأوسط.
وتشير المعلومات إلى أن المرحلة الأولى من التفاهم قد تشهد الإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة كبادرة حسن نية قبل التوقيع النهائي في جنيف. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الإجراء إلى تخفيف الخناق الاقتصادي عن طهران، خاصة مع توقعات بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفق صادرات الطاقة.
وفيما يخص الملف النووي، فإن التفاهمات الجديدة لا تبتعد كثيراً عن جوهر اتفاق عام 2015، حيث سيُسمح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67%. كما يتضمن الاتفاق تخفيف مخزون المواد المخصبة تحت إشراف دولي، مع تجميد أي عمليات تخصيب إضافية لفترات زمنية طويلة قد تصل إلى خمسة عشر عاماً.
ومن اللافت أن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وشبكة الحلفاء الإقليميين لم يدرجا ضمن بنود المفاوضات الحالية، وهو ما تعتبره طهران نجاحاً في حماية أوراق قوتها. كما أن الالتزام الإيراني بعدم تطوير أسلحة نووية يظل مستنداً إلى المبادئ التي تم إقرارها في الاتفاقات الدولية السابقة دون إضافات جوهرية.
المذكرة تعكس حدود القدرة العسكرية الأمريكية على فرض الشروط، وتبرز قدرة إيران على توظيف موقعها الجيوسياسي لتعزيز موقعها التفاوضي.
وعلى الصعيد الإسرائيلي، يسود شعور بالتهميش المتزايد في ظل تركيز إدارة ترامب على التفاهم المباشر مع طهران لتجاوز الأزمات الإقليمية. وقد تجلى هذا التهميش في الخلافات الأخيرة حول العمليات العسكرية في لبنان، والتي انتهت بفرض الموقف الأمريكي الذي حد من هامش التحرك العسكري الإسرائيلي.
وذكرت مصادر أن مناطق استراتيجية في جنوب لبنان باتت فعلياً خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي نتيجة التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار. وتسعى إيران في هذا السياق لتقديم نفسها كضامن للاستقرار وحامٍ للبنان من التصعيد، بينما يقتصر دور الجيش اللبناني على التحرك ضد المظاهر المسلحة وفق قرارات حكومية.
وتواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً متزايدة للانسحاب من المناطق التي توغلت فيها داخل الأراضي اللبنانية، وسط دعوات داخلية لدراسة خيارات التنسيق مع بيروت. ويقترح محللون وضع جداول زمنية للانسحاب وتعزيز انتشار الجيش اللبناني على الحدود لتجنب فرض إملاءات خارجية قد لا تصب في مصلحة أمن الاحتلال.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه حكومة بنيامين نتنياهو الصمت تجاه ما تصفه أوساط إسرائيلية بالاتفاق 'السيئ'، أعلنت إيران انتصارها بناءً على نصوص المذكرة. ويرى مراقبون أن نتنياهو ينظر إلى الساحة اللبنانية كميدان للمواجهة مع السياسة الأمريكية الحالية، محاولاً تعويض الخسائر السياسية التي لحقت به في الملف الإيراني.
ومن المقرر أن تُمنح إيران استثناءات فورية من العقوبات المفروضة على قطاعات النفط والخدمات المصرفية والتأمين بمجرد التوقيع الخطي في جنيف. هذا التحول الجذري في السياسة الأمريكية يشرعن فعلياً بعض الأنشطة الإيرانية التي كانت واشنطن تسعى سابقاً لتقويضها عبر سياسة 'الضغط الأقصى'.
ختاماً، ستشهد واشنطن الأسبوع المقبل الجولة الخامسة من المحادثات السياسية والعسكرية لترسيخ هذه التفاهمات، في ظل استمرار الانتقادات الإسرائيلية لنهج ترامب. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها في ظل هذه التوازنات الجديدة التي قد تحد من نفوذ طهران السياسي دون نزع سلاح حلفائها.





شارك برأيك
تحليل إسرائيلي: تفاهمات واشنطن وطهران تهمّش تل أبيب وتمنح إيران نصراً سياسياً