أكدت مجلة 'فورين بوليسي' في تحليل استراتيجي موسع أن الهزيمة الأمريكية في المواجهة مع إيران لا تشبه أي انكسارات عسكرية سابقة، بما في ذلك حرب فيتنام الشهيرة. وأوضح المقال الذي كتبه الأكاديمي بول موسغريف أن القرارات التي اتخذتها إدارة دونالد ترامب بشن حملة تصعيدية ضد طهران أدت إلى نتائج عكسية تماماً لما كان مخططاً له.
وأشار التحليل إلى أن غياب الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف القوات الأمريكية، والتي لم تتجاوز 20 جندياً، أخفى الحجم الحقيقي للهزيمة الاستراتيجية. فبينما كانت حرب فيتنام دامية للغاية وكلفت واشنطن نحو 60 ألف جندي، فإن الصراع الحالي مع إيران أحدث شرخاً في الهيمنة الأمريكية دون الحاجة لأعداد ضخمة من القتلى.
واعتبرت المجلة أن المقارنة بين الصراعين تظهر أن فشل الولايات المتحدة في فيتنام لم يؤثر بشكل جوهري على أهدافها الاستراتيجية الكبرى في الحرب الباردة. أما في الحالة الإيرانية، فإن النتائج تبدو 'قاتمة للغاية' حيث تضررت القدرة الأمريكية على فرض إرادتها في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي.
لقد أدت الحرب، وفقاً للمقال، إلى تقوية الجناح المتشدد داخل إيران ومنحت الحرس الثوري سيطرة فعلية وأكبر على مفاصل الدولة. وبدلاً من أن تتحول طهران إلى حليف مطيع أو نظام منهار، برزت كقوة أكثر تحدياً وامتلاكاً لأدوات ردع فعالة في المنطقة.
وعلى الصعيد العسكري، لفتت المصادر إلى أن الأداء التقني المتفوق للأسلحة الأمريكية لم يمنع ظهور نقاط ضعف واضحة في الترسانة التقليدية. وقد أثبتت إيران قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة باستخدام الصواريخ والمسيّرات، مما يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية واشنطن لمواجهة أعداء أكثر قوة.
ويبقى البرنامج النووي الإيراني التحدي الأبرز، حيث صمد أمام جولتين من الغارات الجوية المشتركة التي نفذتها القوات الأمريكية والإسرائيلية. ويرى المحللون أن أي جولة ثالثة من القصف لن تحقق نتائج أفضل، مما يعني فشل خيار القوة العسكرية في تحييد هذا التهديد.
وتطرق المقال إلى التأثيرات العميقة على القيادة الأمريكية للنظام العالمي، حيث بدأ الحلفاء الإقليميون يشعرون بعبء هذه المغامرات العسكرية. لقد أدركت إيران أن نفوذها في مضيق هرمز يمنحها سلاحاً اقتصادياً عالمياً يمكنه خنق طرق التجارة الدولية في أي لحظة.
قرار شن الحملة ضد إيران أدى إلى انقلاب ينذر بكارثة استراتيجية تفوق بكثير هزيمة الولايات المتحدة في حرب فيتنام.
إن حرية الملاحة التي كانت هدفاً استراتيجياً أمريكياً ثابتاً منذ قرنين باتت اليوم مهددة بشكل غير مسبوق. واحتمال تسليح طرق التجارة في الخليج قد يلحق ضرراً بالغاً ودائماً بالاقتصاد العالمي الذي يعتمد على سلاسل توريد معقدة تمر عبر المنطقة.
وبالمقارنة مع الانسحاب من فيتنام، يرى الكاتب أن التخلي عن منطقة الخليج سيكون أمراً شبه مستحيل نظراً للترابط الاقتصادي الوثيق. فالعالم اليوم يحتاج لموارد الخليج ليس فقط في مجال الطاقة، بل في صناعات الأسمدة والألومنيوم والهيليوم الضرورية للتكنولوجيا الحديثة.
كما أن الالتزامات الأمريكية تجاه إسرائيل تجعل من خيار الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط سيناريو مستبعداً في المدى المنظور. وهذا الواقع يزيد من احتمالية نشوب جولات قتال جديدة قد تتصاعد إلى صراعات أوسع تشمل أطرافاً دولية أخرى.
وحذر التحليل من أن تطوير إيران المستمر لبرنامجها الصاروخي والنووي يجعل آفاق العقد القادم مظلمة بالنسبة لأوروبا وجنوب آسيا. وستجد أي إدارة أمريكية قادمة نفسها مضطرة للتعامل مع هذه التداعيات في ظل حالة من الضعف الداخلي وتراجع الثقة الخارجية.
إن تراجع ثقة الحلفاء في القدرات الأمريكية سيؤدي بالضرورة إلى زيادة جرأة المنافسين الدوليين على تحدي إرادة واشنطن في ملفات أخرى. وهذه النتائج، بحسب فورين بوليسي، ستكون أشد وطأة وأكثر ديمومة من أي فشل عسكري واجهته أمريكا في القرن العشرين.
وفي ختام التحليل، طرح الكاتب تساؤلاً جوهرياً سيظل يراود المؤرخين والطلاب في المستقبل حول جدوى هذه الحرب وأسباب خوضها. ورغم الإجابات التي قد يقدمها الباحثون، إلا أن أياً منها لن يكون مرضياً لتفسير حجم الخسارة الاستراتيجية التي منيت بها واشنطن.
لقد تحولت إيران من تحدٍ إقليمي إلى قوة قادرة على زعزعة الاستقرار العالمي، وهو ما يمثل الفشل الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية في العصر الحديث. إن هذا الانكسار سيعيد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.





شارك برأيك
فورين بوليسي: انكسار واشنطن أمام إيران كارثة استراتيجية تتجاوز إرث هزيمة فيتنام