تحليل

الثّلاثاء 16 يونيو 2026 1:07 مساءً - بتوقيت القدس

المناورة السياسية لنتنياهو: الهدنة كاستراتيجية لإطالة أمد الحرب

منذ انطلاق مسارات التهدئة والاتفاقات المرحلية في قطاع غزة، بات من الجلي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا ينظر إلى الهدنة كخطوة نحو السلام. بل يراها أداة تكتيكية لإعادة صياغة شروط الصراع بما يخدم بقاءه السياسي في ظل الأزمات الداخلية المتلاحقة التي تلاحقه.

يدرك نتنياهو جيداً أن التوقف النهائي للعمليات العسكرية سيعني بالضرورة فتح أبواب المساءلة القانونية والشعبية حول الإخفاقات السابقة. لذا، تحولت طاولة المفاوضات في نظره من وسيلة للوصول إلى تسوية شاملة إلى ساحة للمناورة السياسية وكسب الوقت أمام خصومه وحلفائه على حد سواء.

شهدت الأشهر الماضية نمطاً متكرراً من السلوك التفاوضي الإسرائيلي القائم على تعديل الشروط المتفق عليها مسبقاً. فكلما اقتربت الأطراف من تفاهمات أساسية، تبرز مطالب جديدة تتعلق بنزع سلاح المقاومة أو تغييرات جذرية في الترتيبات الأمنية طويلة المدى في القطاع.

هذه المطالب المستجدة، وفقاً لمصادر متابعة، تهدف إلى تعقيد المشهد التفاوضي ووضع عراقيل يصعب تجاوزها في المدى المنظور. وبذلك يضمن نتنياهو استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم التي تمنحه غطاءً سياسياً للاستمرار في منصبه دون تقديم تنازلات جوهرية.

القراءة السياسية لهذا النهج توضح محاولة إسرائيلية لنقل النقاش من وقف إطلاق النار إلى إعادة تعريف واقع غزة ما بعد الحرب. حيث يصر نتنياهو على تحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح بالكامل، متجاهلاً ملفات إعادة الإعمار والاحتياجات الإنسانية الملحة للسكان.

تعتمد هذه الاستراتيجية على ما يعرف في علم إدارة الأزمات بسياسة 'رفع سقف المطالب' لتبرير أي فشل مستقبلي في المحادثات. ومن خلال ربط الملفات الإنسانية العاجلة بقضايا أمنية معقدة، يسعى الاحتلال لتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية تعثر الجهود الدولية والإقليمية.

لا يمكن فصل هذا السلوك عن طبيعة الائتلاف اليميني الحاكم في تل أبيب، والذي يرفض أي إنهاء للحرب دون تحقيق 'الحسم الكامل'. نتنياهو يجد نفسه مضطراً لموازنة ضغوط وزرائه المتطرفين مع الضغوط الدولية المتزايدة، مما يجعل المماطلة خياره الوحيد المتاح.

على الرغم من هذا التعنت، تشير تقارير حديثة إلى أن المجتمع الدولي بدأ يفقد صبره تجاه استراتيجية إطالة أمد الحرب. هناك قناعة متزايدة بأن العمليات العسكرية لم تعد تحقق أهدافاً استراتيجية ملموسة، بل تزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية والدولية.

الوسطاء الدوليون يواصلون الضغط لتثبيت التهدئة والانتقال إلى مراحل تنفيذية، مؤكدين وجود تقدم في معظم النقاط الفنية. ومع ذلك، تظل الشروط الإسرائيلية الإضافية هي العائق الأكبر الذي يحول دون تحويل هذه التفاهمات إلى واقع ملموس على الأرض.

تتأرجح السيناريوهات القادمة بين ثلاثة مسارات أساسية، أولها استمرار 'التأجيل المنظم' الذي يبقي المفاوضات مفتوحة دون نتائج. هذا المسار يسمح لنتنياهو بالحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات ائتلافه والضغوط الخارجية عبر تنفيذ جزئي لبعض البنود.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في فرض تسوية تدريجية تحت وطأة ضغوط أمريكية ودولية حقيقية قد لا يستطيع نتنياهو مقاومتها. وفي هذه الحالة، قد يضطر للقبول بتنازلات مؤلمة إذا ارتفعت الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار النزيف الحالي في غزة.

السيناريو الثالث والأكثر خطورة هو العودة إلى مربع التصعيد العسكري الشامل كلما اقتربت المفاوضات من لحظة الحسم النهائي. هذا الخيار يهدف إلى خلط الأوراق مجدداً، لكنه يحمل مخاطر الانفجار الإقليمي الذي قد لا تستطيع إسرائيل احتواء تداعياته.

في نهاية المطاف، يراهن نتنياهو على عامل الوقت كحليف أساسي لتأجيل الاستحقاقات الكبرى وإعادة إنتاج شروط التفاوض. لكن التجارب التاريخية تثبت أن المماطلة قد تتحول من وسيلة لتحقيق المكاسب إلى عبء استراتيجي يضيق الخناق على صاحبها.

يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه المنطقة ليس عن موعد نهاية الحرب فحسب، بل عن اللحظة التي سيفقد فيها نتنياهو القدرة على المناورة. إن استمرار الضغوط الداخلية والخارجية قد يؤدي في النهاية إلى انهيار سياسة التأجيل، ووضع الجميع أمام استحقاقات السلام الإجباري.

دلالات

شارك برأيك

المناورة السياسية لنتنياهو: الهدنة كاستراتيجية لإطالة أمد الحرب

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.