يطرح المشهد السياسي التونسي تساؤلات عميقة حول جدوى وصول التيار الإسلامي إلى السلطة بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011. ويرى مراقبون أن هذه التجربة، التي بدأت كبشرى للديمقراطية، تحولت إلى عبء ثقيل على البلاد وعلى الحركة نفسها، حيث وضعتها في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية ودولية ترفض ممارسة السيادة خارج الأطر المرسومة.
وتعيد هذه الحالة إلى الأذهان تجربة حركة حماس في قطاع غزة عقب فوزها بانتخابات عام 2006، حيث أثبتت الوقائع أن الديمقراطية التي توصل الإسلاميين إلى سدة الحكم تجعلهم هدفاً دائماً للاستهداف. ويظهر أن هناك 'وصفة' دولية غير معلنة تمنع أي كيان سياسي ذو خلفية إسلامية من الاستثمار في الأدوات الديمقراطية لتحقيق مشروع تحرري بعيد عن الهيمنة العالمية.
لقد كان يُنظر للإسلاميين طويلاً على أنهم حماة الهوية والضحايا المناضلون الذين يربطون الأخلاق بالعمل السياسي، مما جعلهم يمثلون حلماً لقطاعات واسعة. إلا أن الانخراط في دهاليز الحكم كشف عن فخاخ نصبت بعناية لتوريطهم في أزمات اجتماعية وأمنية وأخلاقية معقدة، عجزوا عن مواجهتها بفعالية طيلة عقد من الزمان.
خلال السنوات العشر الماضية، خاض قادة حركة النهضة معارك في ساحات متعددة ومتداخلة، لكنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على إثبات براءتهم من الشبهات والاتهامات التي لاحقتهم. ومع تفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد الجمهور يلتفت إلى الحقائق بقدر ما كان يراقب عجز السلطة عن ضبط الفوضى ومعالجة الانهيار الاقتصادي المستمر.
أدى هذا العجز إلى ما يمكن وصفه بـ 'تهشم المرآة'، حيث تشوهت صورة الإسلاميين في وعي الناس، مما مهد الطريق للاستفراد بهم وسوقهم إلى السجون. وقد استغل إعلام مؤدلج هذه الحالة لتأليب الرأي العام، بانتظار إعداد الملفات القانونية التي تشرعن إقصاءهم من المشهد السياسي بشكل كامل.
وفي هذا السياق، برزت ضغوط واضحة على المؤسسة القضائية، تجلت في تصريحات رسمية حذرت القضاة من تبرئة المتهمين، معتبرة أن من يبرئهم هو شريك لهم. هذه المناخات أدت إلى صدور أحكام وصفت بالمغلظة في قضايا مثيرة للجدل مثل قضية 'الجهاز السري'، والتي جمعت بين المؤبد وسنوات سجن إضافية ومراقبة إدارية.
إن هذه الأحكام القضائية، بحسب التحليلات، لا تحدث عبثاً في عالم السياسة، بل تخضع لتقديرات دقيقة يشارك فيها خبراء في علم النفس والسياسة. ويبدو أن الهدف قد انتقل من مرحلة تشويه الصورة الذهنية للحركة إلى مرحلة كسر الإرادة والصلابة التي عرف بها قادة التيار الإسلامي في مواجهة المحن السابقة.
إن 'وصفة' التعاطي مع قادة حركة النهضة قد انتقلت من مرحلة 'تهشيم المرآة' لكسر الصورة في أعين الناس إلى مرحلة 'تهشيم الإرادة'.
تعتبر هذه الإجراءات القانونية جزءاً من عملية 'دفن سياسي' ممنهجة، تهدف إلى دفع القيادات لتقديم اعتذارات أو طلب العفو من السلطة القائمة. وهي محاولة لفرض واقع جديد يعلن فيه الجميع العجز عن تحمل أزمة اشترك الكل في إنتاجها، لكن طرفاً واحداً يُراد له أن يدفع الثمن كاملاً تحت وطأة 'منطق الغلبة'.
ومع ذلك، تظل السياسة محكومة بقوانين التاريخ التي لا تتأخر عن التجلي في شكل معادلات منطقية تربط بين المقدمات والنتائج. فالتاريخ السياسي يثبت أن محاولات الإقصاء القسري قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تعالج الأزمات بجوهر إنساني وبعقل بارد بعيداً عن نزعات الانتقام وتصفية الحسابات.
إن الحالة التونسية الراهنة تعكس صراعاً مريراً على ضبط المشهد، حيث يتم الاحتكام إلى القوة بدلاً من المعقولية السياسية. وفي ظل هذا الانسداد، يبدو أن البحث عن 'مخرج' يتطلب أكثر من مجرد الصبر، بل يتطلب تحسساً لفرص الانفراج التي قد تلوح في أفق الأزمات المستعصية.
ويرى محللون أن استمرار النهج الحالي في التعامل مع المعارضة السياسية قد يزيد من تعقيد المشهد الداخلي التونسي. فالدولة التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة تحتاج إلى مقاربات تشاركية بدلاً من سياسات 'كسر الشموخ' التي قد تزيد من حالة الانقسام المجتمعي والسياسي.
إن الرهان على تلاشي التيار الإسلامي عبر الأحكام القضائية قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر، نظراً للجذور الاجتماعية التي يمتلكها هذا التيار. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الضغط المفرط يولد انفجارات غير متوقعة، أو يؤدي إلى تحولات في بنية الحركات السياسية نحو مسارات أكثر راديكالية.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً حول قدرة الدولة التونسية على استعادة توازنها الديمقراطي بعيداً عن منطق الإقصاء. فالمستقبل السياسي للبلاد يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الأطراف كافة على تجاوز لحظة الصدام والبحث عن مساحات مشتركة تضمن استقرار المؤسسات وحماية الحقوق والحريات.
إن ما يحدث اليوم في تونس هو اختبار حقيقي لقيم العدالة والسياسة، حيث تتداخل النوازع الشخصية مع مقتضيات الحكم. وسيبقى ضوء الأمل معلقاً بقدرة المجتمع التونسي على إنتاج بدائل سياسية تحترم التعددية وتنهي حقبة الصراعات الصفرية التي استنزفت طاقات البلاد لسنوات طويلة.





شارك برأيك
من تهشيم الصورة إلى كسر الإرادة: قراءة في مآلات قيادات النهضة بتونس